جنيف2 لنقل السلطة أم لمحاربة الإرهاب

الثلاثاء 2014/01/28
هل ينجح جنيف2 في إنهاء الأزمة في سوريا

كثرت التجاذبات بين المعارضة السورية ووفد النظام المشارك في مؤتمر جنيف2 ذلك أن المسألة لم تعد تتحمل أنصاف الحلول، وقد أظهرت التصريحات المختلفة عن وجود تعارض كبير بين رغبات الجانبين وأولوية المطالب حيث يشكل مصير بشار الأسد نقطة الخلاف الأساسية بين طرفي النزاع.

ففي حين تطالب المعارضة بألا يكون للأسد وأركان نظامه أي دور في المرحلة الانتقالية، ترفض دمشق قطعا هذا الشرط معتبرة أن الأسد والنظام خطان أحمران، استنادا إلى تصريح وزير الإعلام عمران الزعبي الذي شدد على أن الرئيس بشار الأسد سيكمل ولايته وفقا للدستور السوري الذي يسمح له بالترشح مجددا للانتخابات التي من المقرر أن تجري منتصف العام 2014. غير أن المعارضة لا ترى لذلك سبيلا معتمدة على الضغط الدولي وعلى دور الأمم المتحدة التي أعلنت أن الهدف من جنيف-2 هو تطبيق اتفاق جنيف-1 الذي تم التوصل إليه في يونيو 2012، وينص على تشكيل حكومة انتقالية من ممثلين عن الطرفين، كما ينص على وقف العمليات العسكرية وإطلاق سراح المعتقلين وإيصال المساعدات الإنسانية.

ونعرض هنا موقفين متباينين من المسألة الأول للؤي صافي المتحدث باسم الائتلاف السوري لقوى المعارضة الذي يرى أن الهدف الأساسي من جنيف 2 هو تشكيل حكومة انتقالية بدون الأسد والثاني لفيصل المقداد نائب وزير الخارجية السوري الذي يذهب إلى أن محاربة الإرهاب الذي غزا سوريا هي الهدف من المؤتمر.

صافي: النظام يريد تحويل مسار مؤتمر جنيف


نقل السلطة لا مهرب منه


يرى لؤي صافي أن الائتلاف وافق على المشاركة في جنيف2 بعد حصر المفاوضات في تشكيل هيئة حكم انتقالية بكامل الصلاحيات التنفيذية وبسيطرة كاملة على الجيش والأمن والمخابرات.

ويذهب صافي إلى أن البند الأساسي في مفاوضات جنيف هو بدء العملية الانتقالية من خلال تشكيل هيئة حكم بكامل الصلاحيات التنفيذية والعسكرية والأمنية. لكننا ركزنا على فك الحصار على المدن، بدءا من حمص عاصمة الثورة، والإفراج عن المعتقلين، وأوّلهم النساء والأطفال.

وبرر العضو في وفد المعارضة طرح قضية حمص دون سواها، بأن حمص هي بالون اختبار. إذا عجز النظام عن إيصال الأدوية والغذاء إلى أناس يموتون جوعا هذا يعني أن النظام يريد حلا عسكريا لا حلا سياسيا، وأشار إلى أن الجلسة الافتتاحية لمؤتمر جنيف أظهرت للعيان عزلة النظام وضحالة دبلوماسيته، فموقف وزير خارجية الأسد وسلوكه ظهرا متشنجين وأداؤه بدا هزيلا وهو يكيل التهم للجميع دون أن يقدم اقتراحا واحدا مفيدا، في حين عجز وزير إعلام النظام عن الإجابة على أسئلة صحافة حرة وهو الذي اعتاد مخاطبة صحافة مقيدة بقيود الاستبداد وبدا ارتباكه الشديد وهو يهرول مبتعدا عن الصحفيين الذين أمطروه بأسئلة محرجة لا يملك جوابا عليها.

ويرى لؤي إن مفاوضات جنيف حول العملية الانتقالية في سوريا تتزامن مع حملة إعلامية شرسة يقودها إعلام النظام وشركات العلاقات العامة التي تعاقد معها، و تهدف إلى نشر أخبار كاذبة لتضليل الشعب السوري وإرباك المفاوضين داخل الائتلاف. المفاوضات تهدف إلى نقل السلطة من خلال إطار جنيف الذي التزم به النظام عندما قبل الدعوة وشكل وفدا للمشاركة في جنيف، وهو يحاول التملص منه إعلاميا آملا في خلط الأوراق وتغيير مسار المفاوضات، لكن وفد الائتلاف يصر على أن جوهر المفاوضات هو نقل السلطة.

ويقول لؤي صافي إلى أن فريق المعارضة المفاوض لن يحيد عن أهداف الثورة بإنهاء الاستبداد ومحاسبة كل مجرمي الحرب، دون استثناء. راجيا من أحرار سوريا أن لا يتأثروا بالحملة الإعلامية الكاذبة، ومن الناشطين في شبكات التواصل الاجتماعي عدم ترويج أخبار كاذبة.

ويضيف أن تصريحات المتحدثين باسم النظام تؤكد مخاوفه من الدخول في عملية انتقالية، لذلك فهم ينفون وجود عملية انتقالية، بل يشددون على إعادة انتخاب بشار الأسد. ونفى لؤي صافي أن يكون المؤتمر مخصصا لتعويم الأسد ونظامه بطريقة لا غالب ولا مغلوب، قائلا إذا التزم المجتمع الدولي بجنيف فسيكون هناك غالب ومغلوب، لأن العملية الانتقالية ستؤدي إلى هزيمة الاستبداد وانتصار الشعب، ولكن محاولة الأسد تجنب النهاية المحتومة بانهيار النظام ستبوء بالفشل سواء استمر النظام بالتفاوض على نقل السلطة عبر جنيف أم اختار الاستمرار في خياره العسكري المفضل، فسورية لن تعود إلى الاستبداد.

كما يقول لؤي إلى القول إن مؤتمر جنيف سيتحول إلى محرقة للمفاوضين فقط عندما يتمكن النظام من تفتيت الجهود وإحداث فرقة داخل الفريق المفاوض، وهذا ما يجب تجنبه بكل وسيلة، فالتنوع يجب أن يتحقق لكن شريطة ألا يؤثر أبدا على تجانس الفريق المفاوض، وتوجه إلى الشعب السوري البطل، وإلى أطفال درعا بالقول: “نحن اليوم نكمل ما بدأتم، ونسعى من خلال الحل السياسي ومن خلال المفاوضات، إلى الوصول إلى أهداف الثورة.

المقداد: وفد المعارضة يمثل مصالحه فقط


جئنا إلى المؤتمر لوقف الإرهاب


يعتبر فيصل المقداد أن الوفد السوري جاء إلى جنيف لوقف الإرهاب والوقوف مع حقوق الإنسان كقيمة دولية. وشدد على أن الوفد الرسمي السوري لن يقول أية كلمة قد تؤدي إلى تعقيد الأمور أمام الأمم المتحدة وأمام الإبراهيمي وهو معه ومع الترتيبات التي أرادها.

وأشار نائب وزير الخارجية إلى أن الوفد جاء إلى جنيف لمناقشة كل الجوانب بـ”قلب مفتوح وبطريقة بناءة”، وأكد على رفض الوفد الرسمي السوري لأية شروط مسبقة وأن موقع الرئاسة في سورية وصلاحيات الرئيس المنتخب من قبل الشعب السوري خط أحمر.

واعتبر المقداد أن وفد المعارضة يمثل مصالحه فقط ونحن يجب أن نتفاوض مع “أناس لهم مصداقية في هذا المؤتمر من الطيف الواسع والمشرف في المعارضة السورية وليس مع من فقدوا الشرعية حتى أمام أبنائهم وعائلاتهم”.

ويرى عضو الوفد الرسمي السوري المشارك في مؤتمر جنيف2 أن القيادة السورية تؤمن بالشعب السوري وبأن إخراجه من الكارثة التي فرضتها الدوائر الاستعمارية القديمة الجديدة على سورية هي مهمتها الأساسية، وجدد التأكيد على “أن الوفد الرسمي السوري جاء إلى جنيف بإرادة قوية وبتوجيهات وتعليمات من الرئيس بشار الأسد لإنجاح هذا المؤتمر وهذا الأمر يظهر النية الصافية من قبله للوصول إلى نتيجة في هذا المؤتمر”.

ويعتقد مقداد “أن البدايات في العمل السياسي عادة ما تكون متواضعة ولكننا متفائلون ونحن سنبني على هذه البدايات المتواضعة لأننا نرغب في أن نخرج شعب سورية من هذه الكارثة التي يمر بها نتيجة للأعمال الإرهابية”.

وأشار إلى أن اللقاءات الثنائية موجودة لكن الوفد السوري لم يلتق إطلاقا مع الوفد الأميركي، وقال: “نحن مؤمنون ونريد أن يدعو لنا الشعب السوري كله بالتوفيق وبالخير وهذا شيء تلقيناه منذ بداية الأزمة وحتى الآن ولكن إرادة الله وإرادة الشعب هي التي ستنجح وستنتصر في نهاية المطاف على هذا الإرهاب وعلى هذا القتل الذي لا معنى له”.

وأكّد فيصل المقداد أن الوفد الرسمي السوري باق في جنيف وسيبذل كل جهد ممكن سواء من خلال الأمم المتحدة أو من خلال الأصدقاء الروس للوصول إلى حلول، “لأننا جئنا برسالة قوية ومبدئية من قبل الرئيس الأسد كي ننجح هذا المؤتمر ونعمل من أجل وقف سفك الدماء في سورية ووقف التدخل الخارجي”.

ويرى عضو الوفد الرسمي السوري أن الوفد المشارك في مؤتمر جنيف لا يريد مزيدا من التعقيد بل يريد أن يكون تمثيل المعارضة ذا مصداقية أي أن يمثل كل أطياف المعارضة السورية الموجودة التي لها وزن وتأثير على الأرض.

كما يشير نائب وزير الخارجية السوري إلى أن وقف إطلاق النار يحصل بين جيشين، إلا أنهم على استعداد لإجراءات أمنية من أجل أمور إنسانية، مؤكدا على أن رحيل الرئيس السوري بشار أسد أصبح من الأحلام، مضيفا: “كنا اتفقنا على الجلوس في غرفة واحدة مع المعارضة السورية والمبعوث الأممي الأخضر الإبراهيمي بيننا، ولكننا سمعنا أن هناك طرفا آخر غير موافق”، وتابع: “نحن هنا لإنجاح جنيف والآخرون أحضروا جزءا مما يسمى بالمعارضة، ويريدون تفجير هذا المؤتمر”.


الإصرار على بقاء الأسد سيفشل الحوار حتما


من خلال تصريحات وزير الخارجية السوري وليد المعلم ونائبه فيصل المقداد إضافة إلى تصريحات قادة المعارضة السورية في الجهة المقابلة، فإن مؤتمر جنيف 2 أضحى محكوما عليه بالفشل المؤجل.

فالإصرار الذي بدا على الوفد السوري المفاوض في المؤتمر على بقاء بشار الأسد في السلطة واعتبار ذلك خطا أحمر يهيّئ سير أجواء الحوار نحو الفشل الحتمي.

فالوفد السوري جاء إلى جنيف لا بحثا عن سبل للحل السياسي الذي يضمن الانتقال السلمي للسلطة ويضع حدا للجدل القائم حول بقاء الأسد.

كما جاء من أجل مناقشة مسائل أخرى تبدو للمراقبين خارجة عن المطالب التي من أجلها جاءت المعارضة إلى جنيف ومن أجلها سقط حوالي 200 ألف سوري.

هذا الموقف السوري لا ينطلق من رؤية خاصة ابتدعتها عبقرية النظام السوري، بل هو نتاج لرؤى متعددة تبنت الفكرة ودافعت عنها وعملت من أجل تكريسها.

فإيران وروسيا الداعمان الأساسيان لنظام الأسد لم يتركا أي سبيل من أجل المحافظة على استمرار بشار في السلطة وفق أجندات سياسية مشتركة تبحث عن المصالح الآنية ولا يعنيها كثيرا المعاناة التي يتعرض لها شعب بأكمله.

تلك الرؤية السياسية رأت أن المرحلة الحالية التي تمر بها سوريا تتطلب الكثير من التنسيق السياسي بين التحالف السوري- الروسي – الإيراني للنجاح في الحفاظ على التوازن الدولي في المنطقة، وطبعا الحفاظ على المصالح المشتركة.

ونجحت روسيا فعلا في تجنيب نظام بشار الأسد الحل العسكري الذي هيأت له الولايات المتحدة الأميركية، لكنها فجأة عدلت عنه في انتظار تسوية سياسية قد تجنبها الكثير من الخسائر. وفي ظل هذا التجاذب كان موقف المعارضة السورية واضحا ويتمثل في أنه لا سبيل إلى الحديث عن نجاح العملية السياسية في ظل بقاء الأسد.

وأكد رئيس الائتلاف الوطني السوري المعارض أحمد الجربا أن أي حديث عن بقاء بشار الأسد في السلطة بأية صورة “هو خروج بـ“جنيف2” عن مساره، ويضيف الجربا “إن المعارضة توافق بشكل كامل على ما أقره مؤتمر جنيف1”.

وطالب بـ “تنحي الرئيس بشار الأسد ومحاكمته” وبأن يتحول ولاء الوفد السوري إلى سوريا لا إلى “الأسد” داعيا إلى إقرار نتائج “جنيف1”، ونقل صلاحيات “الأسد” إلى الهيئة المركزية، “ووقف قصف المدنيين، وطرد المرتزقة، وإنهاء حالات المجاعة”.

كما أضاف أن الجيش السوري الحر يخوض حربا ضروسا ضد حزب الله اللبناني والحرس الثوري الإيراني في سوريا. وقال: “نحن شعب ذاق المر من حفنة طغت وبغت ويجب أن تمتد إلينا كل الأيادي، لا أن تمتد علينا”.

يبدو إذن أن التفاوض في جنيف2 عسير في ظل تباين الرؤى واختلاف المواقف بين المعارضة والوفد السوري، فلكل أولوياته وهذا ما يجعل الموقف الدولي حاسما خاصة إذا رغب الجميع في الحل السياسي وحلت معضلة بقاء الأسد في السلطة.

12