"جنيف2": من يؤيد ومن يعارض

السبت 2013/11/02

فيما حسم المجتمع الدولي أمره بخصوص انعقاد مؤتمر «جنيف 2» كمسار للحل السياسي في سوريا، تواصل المعارضة السورية تخبطها السياسي، وتعرض مواقف شديدة التباين بخصوص المؤتمر الدولي المزمع عقده في نهاية الشهر الجاري.

يبدي قسم من المعارضة السورية، يتمثل بهيئة التنسيق وعدد آخر من الأحزاب الأشد تواضعا، موقفا شديد الحماسة لانعقاد مؤتمر «جنيف 2». فالمؤتمر، وبحسب هذا النوع من المعارضة، يؤكد على صواب رؤيتهم وتحليلاتهم لمخاطر التسليح الذي نهجته الثورة بعد قمع مكونها السلمي، وأن «لا حل عسكريا للأزمة» في تأكيد دائم على أن المخرج الوحيد سيكون بالحل السياسي.

انطلاقا من ذلك، تنتهز اليوم هذه «المعارضة الوطنية»، كما أحبت دوما أن تدعو نفسها، أي فرصة لإبداء «الشماتة» في ما آلت إليه طموحات أندادها في «المعارضة الخارجية» بـ"إسقاط النظام"، مؤكدة على حكمة خياراتها الأولية، وعلى الكوارث التي حصلت من جراء عدم اتباعها كما نصت عليها بياناتها ووثائقها المقدسة، لنعود اليوم ونطبقها، كما لو كانت حتمية تاريخية.

مقابل هؤلاء، تتخبط المعارضة الأخرى، «الممثل الشرعي والوحيد» للشعب السوري، كما تحب أن تدعو نفسها. ففي حالة غير مسبوقة من الضياع السياسي والشعور بالعجز، يواصل الائتلاف الوطني المعارض إطلاق تصريحات غير ذات صلة بأي برنامج عمل سياسي ميداني، وبما يعكس ضياع مكوناته وعجز قواه.

فتارة يعلن الائتلاف رفضه لمؤتمر جنيف 2، ليعود في اليوم التالي ويعلن مشاركته مقابل شروط. أما الشروط فهي بدورها عرضة للتغير والتبدل. ففي أول مؤتمر صحفي يتضح أنها تتعلق بتنحي الأسد، وفي آخر تقتصر على إطلاق صراح السجينات وفتح ممرات إنسانية، ليعود المؤتمر الصحفي الثالث ويعلن رفض المشاركة في جنيف، وهكذا دواليك.

إنه الشعور باليتم الحقيقي، فازدراء المعارضة لم يعد يقتصر على جمهور الثورة، بل انتقل إلى الدول الإقليمية والدولية، وذلك لعجزها عن التطور والتقدم للعب دور مسيطر في المناطق المحررة وعلى جبهات القتال. وفي الوقت الذي انقطعت فيه صلات الائتلاف بالداخل السوري، بات يعول على انتزاع مطلب «تنحي الأسد» قبل الشروع في مؤتمر جنيف لإكسابه نوعا من القوة، وبما يمكنه من إقناع الجيش الحر بإمكانية الحل السياسي.

ومع عدم تحقق هذا المطلب، يشعر الائتلاف بحرج شديد من المشاركة باسم كتائب الثورة، فيما هي غير موافقة على المشاركة. فالائتلاف الوطني الذي لا يحوز (كغيره من القوى السياسية) على أي شرعية على الأرض اليوم، كان يطمح إلى أن يستمد شرعيته من تحقيق مطلب «تنحي الأسد» وقد خذلته الدول الغربية ومعظم الدول الإقليمية في هذا الصدد.

اللافت في ذلك، أن حالة الضعف المريعة تلك، التي يعاني منها الائتلاف الوطني، والتي تجعله يرفض «جنيف 2»، ربما تدفعه للمشاركة في المؤتمر.

وذلك بعد أن ربط الائتلاف نفسه بالمشاريع الدولية، وانسحب بصورة بائسة من الميدان السوري، ليتركه لمجموعات شديدة التنوع والفوضى.

فيما يبدي طيف ثالث من المعارضة السورية، موقفا مؤيدا لانعقاد مؤتمر «جنيف 2». ويعتبر أنه المخرج الوحيد لاستعصاء الثورة السورية، وبلوغها ذروة تطورها الثوري، بل وبداية انحدارها مع ظهور التنظيمات الإسلامية المتطرفة، واتساع عملها وسيطرتها داخل مناطق الثورة بما جعلها توشك- بالتعاون أو بالاستفادة من الحرب التي يشنها النظام- على ابتلاع الجيش الحر والثورة ذاتها.

ينطلق هذا الموقف إذن من داخل هواجس الثورة، متفهما كل مراحل تطورها وملتزما بها، بما هي ثورة شعبية بمكونيها السلمي والعسكري، وقد سددت بقوة ونجاح ضربات قاسمة للنظام القديم، وهي وإن لم تنجح في إسقاطه لكنها نجحت في دفعه إلى تسوية دولية. وهكذا فالذهاب إلى «جنيف 2» لم يكن متاحا من دون خوض غمار هذه الحرب بكل كوارثها ومآسيها.

والحالة تلك، فالفضل في انعقاد «جنيف 2»، إن عُقد، يعود إلى الثورة الشعبية السلمية والمسلحة، وليس إلى عقول النخب المعارضة التي دعت إلى الحوار والحل السياسي منذ اندلاع الثورة، متجاهلة طبيعة النظام السوري غير القابلة للتسوية من دون أن تتهشم وتوشك على الانهيار.

موقف المكون العسكري يبدو متفاوتا هو الآخر. فأما جبهة النصرة وداعش وكتائب أخرى تهدف إلى إنشاء «دولة إسلامية» في سوريا، فلا تعوزها الأسباب لرفض مؤتمر «جنيف 2»، فهي أعلنت، وستتحين كل فرصة لتعلن في كل مرة رفضها للمؤتمر. وأما كتائب الجيش الحر، فتتفاوت مواقفها هي الأخرى، ويجد قسم كبير منها نفسه غير مضطر لرفض المؤتمر قبل انعقاده، فيكتفي برفض أو قبول نتائجه، وهو ما يجب على المؤتمر، إن كان يبتغي النجاح، أن يأخذه على محمل الجد. أي أن تقترب نتائج المؤتمر من طموحات وآمال الجيش الحر، المعارضة الفعلية على الأرض، حتى يتسنى تطبيقها.

لكن أين جمهور الثورة السورية؟ الجمهور الذي فجرها وحملها في بداياتها، ثم احتضن ثوارها المسلحين، ما موقفه من «جنيف2». تبدو النسبة الأكبر من هذا الجمهور، ممن طحنته الحرب، وقد وجد نفسه اليوم وحيدا وضعيفا ولاجئا أو محاصرا، مع انعقاد المؤتمر اليوم قبل الغد، ومع أي حل سياسي ينهي مأساتهم المرعبة، ولا يتجاهل أصل الثورة: الانعتاق من نظام الاستبداد من أجل الحرية والحياة الكريمة


كاتب فلسطيني

9