جنيف8: استقطاب روسي لمعارضة تخلت عنها واشنطن

نجحت موسكو منذ تدخلها في الملف السوري عام 2015 في دعم نظام حليفها بشار الأسد، واستطاعت أن تعزز تواجده العسكري بتحقيق مكاسب على الأرض حيث سيطر النظام على معاقل المعارضة، كما أعلنت موسكو، الخميس، عن إنجازها لـ”مهمتها” وتحرير سوريا من قبضة تنظيم الدولة الإسلامية، كل هذه التطورات الميدانية تلقي بظلالها على الجهود الأممية في إطار محادثات جنيف 8 لتحقيق تسوية سياسية، وتنهي الحرب السورية لصالح كفة النظام السوري، وقد أدّى نجاح النظام السوري على مستوى عسكري إلى نجاة بشار الأسد من التنازل عن السلطة، أمام تزايد الضغوط على المعارضة للتراجع عن شروطها، ما يجعل مستقبل الاستقرار السياسي مستبعدا.
الجمعة 2017/12/08
سوريا اليوم مملوكة لروسيا

دمشق - أمام تواصل التقدم الميداني لقوات النظام السوري بدعم من حليفيه؛ موسكو وطهران، يبدو أن التوصل إلى حل سياسي في إطار مفاوضات “جنيف 8” التي ترعاها الأمم المتحدة لإنهاء فتيل الحرب السورية الدائرة منذ سبع سنوات، صعب.

وتأتي المفاوضات في الوقت الذي أعلنت فيه وزارة الدفاع الروسية، الخميس، أن الجيش الروسي “أنجز” المهمة في سوريا وأن هذا البلد “تحرر بالكامل” من تنظيم الدولة الإسلامية.

وأفاد الضابط سيرجي رودسكوي خلال مؤتمر صحافي بأن مهمة الجيش الروسي القاضية بهزم تنظيم الدولة الإسلامية الإرهابي المسلح قد “أنجزت”، وأن “الأراضي السورية تحررت بالكامل” من التنظيم.

وغاب وفد النظام السوري عن محادثات “جنيف8” لرفضه الشروط المسبقة للمعارضة وتمسكها بتنحي رئيس النظام السوري بشار الأسد عن السلطة.

ورغم أن المبعوث الأممي إلى سوريا، ستيفان دي ميستورا أعلن، الخميس، مشاركة وفد النظام الأحد القادم في المحادثات، إلا أن متابعين يؤكدون أن ضغط الأسد بدعم روسي لفرض تسوية سياسية تزيد من أحكام قبضته على السلطة، ما يعكس مقدار نجاحه في بسط نفوذه العسكري، ونجاح قواته في السيطرة على معاقل المعارضة السورية من حلب إلى الغوطة.

وقال دي ميستورا إن “وفد النظام سيحضر إلى جنيف الأحد القادم، والمعارضة متواجدة، ونتوقع ألا تكون هناك شروط مسبقة، وسيكون التركيز في المفاوضات على القضايا الدستورية والانتخابية”.

وحول سير المفاوضات ومحاولة عرقلتها من قبل النظام بعدم حضوره، أوضح دي ميستورا “إذا وصلنا إلى القناعة بأن أحد الجانبين هنا في جنيف يقوم بتخريب عملية المباحثات، سنقيّم الوضع، لأنه بذلك التخريب سيكون تأثيره سلبيا للغاية على أي محاولات لإطلاق عملية سياسية، فمن الأهمية رؤية كيفية استمرار محادثات جنيف”.

وتشير التطورات الميدانية إلى قرب نهاية المرحلة العسكرية للنزاع السوري، لتنطلق بذلك معركة سياسية تتزعمها موسكو بثقة للضغط على المجتمع الدولي وعلى وفد المعارضة لبقاء الأسد في السلطة، وأن مطلب تنحيه بات غير واقعي، ولتثبت بذلك عودتها كقوة إقليمية تستطيع فرض المعادلات السياسية وفق مصالحها الإستراتيجية.

النجاحات العسكرية أضعفت المعارضة

ويقول باحثون من معهد كارنيغي للشرق الأوسط إن “نهاية المرحلة العسكرية باتت قريبة في سوريا لكن قد تنشب حروب جديدة عاجلا أم آجلا لجهة الأجندات السياسية المتناقضة في الملف السوري ولتشبث كل طرف برؤيته في المرحلة الانتقالية”.

وتقول رولا جبريل، أستاذ علوم الاتصالات في جامعة ميامي، إن “العمليات العسكرية الرئيسية في سوريا وصلت إلى نهايتها فعليا، ما مهّد الطريق لنجاة نظام الأسد على المدى القريب، الذي بدا موقفه في مرحلة ما متقلقلا. للمحافظة على سلطته”.

وأوضحت أن “هذا يعني أيضا أن سوريا اليوم مملوكة فعليا لروسيا، وسيكون بوتين الوسيط في أي ترتيبات سياسية ذات صلة والضامن لها في الوقت نفسه. حتى محادثات جنيف للسلام ستكون من صنع روسيا. ومن يعتقد أن المعارضة السورية يمكن أن تحقق من خلالها شيئا كانت عجزت عن تحقيقه عسكريا على الأرض، يكون واهما”.

وأشارت جبريل إلى أن “أفضل خيار أمام الولايات المتحدة، هو مجرد اعترافها بأنها تخلت عن أهدافها الاستراتيجية في سوريا، إذ أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا مصلحة له في هذا البلد، ويبدو أنه غير مستعد لاحتواء بوتين أو مواجهته. لذلك، من الناحية العملية، تخلت الولايات المتحدة عن المعارضة السورية والشعب السوري”.

وأضافت “حتى الآن، فاز الأسد بالحرب الاستراتيجية. مع ذلك، قد يكون انتصاره باهظ الثمن، إذ أن الوضع الحالي لا يضمن لا الاستقرار ولا السلام. بل على العكس، لم يتمكّن نظام الأسد حتى من فرض سيطرة دائمة على البلاد بأسرها، علاوة على ذلك، لا نتائج حتمية في السياسة، كما أن الفصل الأخير من الحرب الأهلية السورية قد تحكُم بأمره يوما ما المحكمة الجنائية الدولية”.

روسيا تكرر سيناريو وأخطاء التدخل الأميركي في العراق وأفغانستان حفاظا على مكاسبها في سوريا

ويلفت معهد كارنيغي أن “الحرب انتهت مع اتفاقية وقف إطلاق النار الأميركية- الروسية في جنوب سوريا في يوليو الماضي، وأن الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية وصلت إلى خواتيمها هذا الشهر، حين تمت السيطرة مجددا على كل المعابر الحدودية بين سوريا والعراق”.

ويرجح متابعون أن النصر الذي حققته موسكو منذ تدخلها في النزاع السوري عام 2015 سيجعلها في مركز قوة وتتحكم بالورقة السورية ومجريات الأحداث بالشرق الأوسط.

لكن ليونيد إيساييف، الأستاذ في مدرسة الاقتصاد العليا، يرى أن “الانتقال من المرحلة العسكرية من الصراع السوري إلى المرحلة السياسية الدبلوماسية يضع روسيا أمام مهمة أكثر صعوبة”.

وكتب في مقال بعنوان “روح جنيف” “نحن بحاجة إلى تحديد نفوذنا في المنطقة بطرق أخرى غير عسكرية. وهذا ما يفسر فرط نشاط القيادة الروسية في الأسابيع الأخيرة: حيث يبدو أن موسكو تحاول بذل كل ما في وسعها لإبقاء عملية التفاوض تحت سيطرتها”.

ويضيف أن “بشار الأسد، مع مرور الوقت، سيعتمد على الأسلحة الروسية أقل فأقل، ويحتاج بشكل متزايد إلى مساعدة مالية لاستعادة البنية التحتية المدمرة. وهذا ما يجعل صيغة “الترويكا” (روسيا وإيران وتركيا)… أقل جاذبية”.

ويعدد الأسباب بقوله “أولا، لا يمكن لأي من هذه البلدان أن تحل المشاكل المرتبطة بالانتعاش الاقتصادي في سوريا؛

وثانيا، لن يكون لموقف روسيا في المستقبل القريب أفضلية على شريكيها في التحالف: تركيا وإيران. وإنما على العكس من ذلك، سيتعين على موسكو أن تقبل دورا متواضعا نسبيا”.

وقد ينجم وفق هذه الأسباب أن تكرر روسيا سيناريو وأخطاء التدخل الأميركي في العراق وأفغانستان حفاظا على مكاسبها السياسية ومكانتها الإقليمية التي نجحت في استرجاعها بعد أن فقدتها منذ سقوط جدار برلين وبداية نظام القطب الواحد.

7