"جن" مسلسل أردني يتجاوز حدود الرقابة العربية

المسلسل الأردني يتعرض إلى هجوم واتهامات من جهات مختلفة رأت في هذا العمل خروجا عن العرف، وتشويها للعادات والتقاليد الأردنية والعربية في شكل عام.
الاثنين 2019/09/30
فنتازيا خيالية لا تخلو من جرأة

لا شك أنّ عرض المحتوى الدرامي أو السينمائي العربي على إحدى المنصات العالمية هو نجاح كبير للدراما العربية في شكل عام، فالمنصّات الرقمية قادرة على الوصول ببرامجها للملايين من المشاهدين حول العالم، كما تترجم المواد المعروضة عليها إلى لغات مختلفة، ما يساهم في انتشارها عالميا، لكن المسلسل الأردني “جن” الذي أنتجته منصة نتفليكس خالف كل التوقّعات.

  لم يتوقّع أحد أن يثير أول مسلسل عربي تنتجه منصة نتفليكس كل هذا الجدل والهجوم الذي قوبل به مسلسل “جن”، والمعروض حصريّا على المنصة الرقمية العالمية، مصحوبا بترجمة إلى 29 لغة، وهو مسلسل أردني تدور وقائعه في مدينة البتراء الأردنية.

ومنذ أن بُثّت أولى حلقات المسلسل انطلق سيل من الهجوم والاتهامات والتصريحات والبيانات المتبادلة من جهات مختلفة رأت في هذا العمل خروجا عن العرف، وتشويها للعادات والتقاليد الأردنية والعربية في شكل عام.

وأسباب هذا الهجوم الذي تعرّض له المسلسل له دوافع أخلاقية في الأساس، نظرا إلى احتوائه على ألفاظ صريحة وخادشة لم يتعوّد عليها المشاهد العربي في الأعمال الدرامية العربية، بالإضافة إلى تضمنه بعض المشاهد الجريئة بين أبطاله: عناق وقبلات ساخنة وشباب عابث يتعاطون المخدرات والخمور، وهي مشاهد كانت قاصرة على السينما، ونادرا ما نراها في الدراما التلفزيونية العربية، وهو ما لم يرض عنه الكثيرون داخل المجتمع الأردني، وهو الحاضنة الدرامية لأحداث العمل.

وتدور أحداث المسلسل في إطار من الفنتازيا حول مجموعة من طلبة إحدى المدارس الثانوية يقومون برحلة مدرسية إلى مدينة البتراء الأثرية في جنوب الأردن. ويتسبب الطلبة من دون قصد في إطلاق سراح أحد الجن الأشرار، ما يؤدي إلى الكثير من الحوادث الغريبة التي تبدأ بمقتل أحدهم في ظروف غامضة داخل المدينة التاريخية.

ويستمر صراع أبطال العمل من أجل السيطرة على هذه القوى الخارقة بمساعدة جن له قوة أخرى خيّرة تظهر لهم لمساعدتهم في مواجهة الشر المحدق بهم وبمن حولهم.

ويتكوّن المسلسل من خمس حلقات، مع نهاية مفتوحة تُنبئ بالمزيد من الأجزاء التالية، وهو ما تم الإعلان عنه بالفعل. ويقدّم العمل صورة مختلفة للدراما العربية، بداية من المحتوى غير الخاضع للمعايير الرقابية المتبعة في الإنتاج الدرامي العربي، إلى طبيعة النص الدرامي نفسه الذي حاول صُنّاعه قدر الإمكان الابتعاد عن الأنماط المكرّرة والاسترسال في الحوارات والأحداث، بهدف الوصول إلى عدد معيّن من الحلقات.

المسلسل قوبل بهجوم شرس، نظرا إلى احتوائه على ألفاظ صريحة وخادشة لم يتعوّد عليها المشاهد في الدراما العربية

وعلى مستوى الصورة، فيطالعنا الإخراج بانتقاءات موفقة لأماكن التصوير، خاصة تلك المشاهد المرتبطة بمدينة البتراء الأردنية، حيث أتت الخدع البصرية على قدر معقول من الجودة، أما أداء الممثلين، فقد كان في مجمله ينم عن موهبة تمثيلية أصيلة، كبطلة العمل سلمى ملحس التي تقوم بدور ميرا، ومحمد نزار الذي يؤدي دور ناصر، ولا يقلّ بقية الفريق كثيرا عن المستوى نفسه، وبينهم مثلا حمزة عقاب وسلطان خليل وياسر الهادي وبان حلاوة وهنا شمعون وعبدالرزاق جركس ونهى سمارة. وفي المقابل، بدا الحوار في مسلسل “جن” ضعيفا، وهو الذي اتسم بالغرابة بعض الشيء عن اللغة المحكية، وكان أشبه بترجمة حرفية لجمل من لغة أخرى، هي أقرب إلى اللغة الإنكليزية منها إلى العربية.

ونُشير هنا أن كاتب النص هو الأميركي إيلان داساني وقد تعاون في كتابته مع مخرج العمل أمين مطالقة، وهو أردني مقيم في الولايات المتحدة منذ نهاية الثمانينات من القرن الماضي.

أما ما وُجّه للعمل من كونه بعيدا عن الواقع، أو أنه لا يمتّ للمجتمع الأردني بصلة، فهو أمر مردود على مُنتقديه، فالمسلسل من نوعية الأعمال الخيالية، وبالتالي لا يخضع لحسابات الواقع بأي حال من الأحوال. وفي خصوص ما احتواه العمل من ألفاظ خادشة، يبدو الانتقاد هنا في محلّه بالفعل، فقد بالغ النص في استخدام الكلمات والألفاظ الخارجة عن حدود المسموح به على الشاشات العربية، وهو ما مثّل صدمة حقيقية للشارع الأردني والعربي.

ورغم النقد الحاد الذي قوبل به المسلسل الأردني “جن” أعلنت منصة نتفليكس عن استمرارها في عرض المحتوى العربي، فيما بدا أنه نوع من التحدّي للساخطين على مثل هذه النوعية من المسلسلات الجريئة، بل وأعلنت نيتها إنتاج مسلسل أردني آخر تحت عنوان “مدرسة الروابي للفتيات”، كما تعمل حاليا على إنتاج مسلسل مصري مقتبس من سلسلة الكاتب الراحل أحمد خالد توفيق بعنوان “ما وراء الطبيعة”.

ربما تكون هذه هي المرة الأولى التي لا يمرّ فيها أحد الأعمال الدرامية العربية على مقصّ الرقباء، سواء رقابة على النصوص أو على المنتج النهائي. ويبدو أننا أمام مرحلة جديدة في صناعة الدراما والسينما العربية، مرحلة ستتجاوز حدود الرقابة على المصنّفات الفنية، وتُطلق الحرية فيها للتعبير أو ربما للمبالغة في التعبير.

17