جهات الريح المفتوحة على يوميات مغامر غريب يرعى خيالات أهوائه

الثلاثاء 2014/05/27
سيف الرحبي عابرا في مخيلة الأمكنة

منذ كتابه الأول “ذاكرة الشتات” (1991) والشاعر سيف الرحبي يواصل مغامرة الكتابة العابرة للحدود الأدبية حيث تجمع هذه الكتابة بين اليوميات والخواطر والتداعيات التي تفرضها لحظة التأمل في جغرافيات المكان العابر للحواس، وبين الشعر ما يجعل مستويات اللغة في هذه الأعمال تتمايز وتتباين وفق ما تمليه لحظة الكتابة وهواجسها وأخيلتها واستدعاءاتها، وإن كانت شاعرية اللغة هي الناظم العام لهذا النسق المغاير من الكتابة التي تبحث عن اسمها.

نصوص كتاب سيف الرحبي التي كتبت بين عامي 2012 و2013 بين مكانين يشكلان طرف قوس يمتد من الغرب الأوروبي حتى نهايات الجزر الأسيوية في أقصى الشرق، هذا الطواف الدائم والارتحال المستمر في جغرافيات العالم يعكس فيما يعكسه قلق الكينونة، والبحث عن لذة الكشف وعزلة الكائن، والحنين إلى التوحد مع الطبيعة البكر تارة، وتارة أخرى محاولة لاستعادة مودات غائبة واسترداد وجوه سرقتها أقدارها أو مضت تبحث عن خلاص ما، أو أنها هجِّرت من أوطان طاردة للثقافة والحياة.

بين كل هذا يحاول سيف الرحبي أن يباغت الحياة على عجل، أو أن يبعث برسائل الشوق والفراغ، أو يلقي بتحيته على قراصنة ينتظرون الإعصار، أو يوغل في أرق الصحراء، أو يطل على أفق محيطات غاربة حيث تتقافز سناجب الشرق الأقصى.

الارتحال المستمر في جغرافيات العالم يعكس فيما يعكسه قلق الكينونة، والبحث عن لذة الكشف وعزلة الكائن


بين مكانين


يضعنا سيف الرحبي في كتابه الجديد “سناجب الشرق الأقصى- مقاهي باريس" على تخوم مكانين حيث تمتد رحلة الشاعر بينهما، وبقدر ما يعبر ذلك عن قلق في اختيار العنوان، فإنه يحاول أن يؤسس لعقده مع القارئ حين يضعه سلفا في الفضاء المكاني للتجربة التي ستشتغل عليها نصوصه في هذا الكتاب.

وهكذا يفتتح الرحبي نصوصه الآسيوية بنص النسر يصطاد العاصفة محتفيا بذلك المشهد الآسر لتلك الجزر الآسيوية المستلقية على سريرها المائي العظيم، تاركا لبلاغة الصورة أن تقتفي أثر هذا الجمال وتصطاده في شراك مجـازها المفتوح على مدى الدهشة والخيال.

في المشهد المترامي ثمة مكانان متعارضان أو ضدان، مكان تتنزه فيه الطبيعة بكامل روعتها الأولى، ومكان آخر مختلق ومزيف بناه همج محدثون، حيث تظهر المقابلة بينهما وكأنها خيط الرحيل المشدود إلى أقصاه في مغامرة الشاعر هربا من تلك المدن المرمية على أطراف هجير الصحراء.

هذه الأضداد المتنافرة أو الثنائيات المتقابلة تمتدّ من المكان فاللغة ثمّ إلى رؤية الشاعر وهي تحاول أن تؤثث عالمها الخاص “يصطاد الشاعر بأشراك العبارة النسر واليمامة، ويؤاخي بينهما على منحدر موت أو تحت ضلع قرية هاذية… يصطاد السماء والأبدية”.

ما يكتبه الرحبي فيه إحساس فاجع بالزمن وبتحولات الزمن والذكريات المزروعة على أرصفة المدن


هن الجميلات


دائما ما تؤثث المرأة فضاء المكان بسحر فتنتها وبهائها مجتذبة إليها عين الشاعر المتيقظة، وهي تتأمل فيما حولها وسط عالم غريب تبحث عما يفيض عليها ببركات جنانها الحانية.

النص يعج بمشاهد مختلفة تتدفق بعذوبة وحنان، فتزيد الطبيعة الفاتنة جمالا على جمال “المرأة الجميلة التي تسبح تحت المطر مغمورة بقوس قزح من الأوان والأحلام المحلقة مع الفراشات والطيور”، أو هي تندغم في الدلالة الآخذة للطبيعة التي تذوب فيها أو تتوحد معها “بعينيها السوداوين كليل الغابة تنظر إلى الفراشات/ ترف على إفريز الزهور/ أي الجنتين تأخذك/ إلى الضياع في مجاهلها الشفيفة”.

أو نراه يستعيد أشواقه القديمة وقد شفه الحنين إلى امرأة عبرت حياته كسحابة، أو يرعى أنوثتها بخياله دون أن تدرك ما تفعله فتنة جسدها الباذخ بخيال رجل غريب يرعى خيالات شهوته، وهي تجوس بشبق مجاهل أنوثتها الغافلة عنه “المرأة تستيقظ من غفوتها في خيال رجل مجهول لا تكاد تنظر إليه بطرف عينها عين الحورية المتمارضة الكسلى.. المرأة تتجهه نحو زوجها في الطرف الآخر من المسبح تاركة مجهولها يرفس في خيالاته المتكاثرة تحت أشجار جوز الهند والسنديان المأهولة بأصداء الفقد والنحيب”.

يطرح الرحبي أسئلته على العدم والوجود دون أن يتوقف عن الرحيل نحو صباح آخر لعالم مسكون بالحب


ذاكرة الشتات

في كل ما يكتبه الرحبي إحساس فاجع بالزمن وبالغياب وبتحولات الزمن والذكريات المزروعة على أرصفة المدن ومقاهيها الغريبة، هذا الإحساس الذي يطارده وهو يقود خطاه في جنباتها البعيدة والمتباعدة بين شرق الأرض ومغربها، وجوه وأسماء وأماكن وأقدار والشاعر لا يمل من الطواف فيما بينها ومعها مستعيدا ألفة الماضي أو صورته أو ما تبقى منه من أصدقاء “غرف كثيرة يعبرها المسافر/ أزقة كثيرة/ بين اليوم والآخر، الصيف حشود الصيف/ وليس الشتاء بأفضل منه/ بين الغرفة والأخرى/ بين الحي والآخر/ يتذكر العابر أيامه ولياليه/ تشرده بين المدن والثكنات/ شوارع تعبر في الحلم/ بلدات تأخذه بمشيئة العاصفة/ حيث أبواب كثيرة تصطفق في وجهه/ هو السادر في غير اتجاه”.

تتوزع نصوص الشاعر سيف الرحبي بين تمجيد الطبيعة واستحضار بهاء عظمتها وسحرها الماثل في كل شيء فيها، وبين حضور المأساة السورية بكل فظاعتها وجحيم طغاتها الذي يشعره بالعجز والخجل والأسى، وبين هجاء تلك البلاد الغارقة في السأم والرياء، مشاعر مضطربة في عالم مضطرب وحياة مسكونة بالخراب يتأملها الشاعر وهو يرقب عبور العمر الذي أثقله.

كما يطرح الرحبي أسئلته على العدم والوجود دون أن يتوقف عن الرحيل نحو صباح آخر أو خيال آخر لعالم مسكون بالحب “ما الذي يتبقى من أثر الخطوة والرائحة من حقول الذرة وشعاع شمس الصباح الذي يلمع فوق ثياب عاشقين يتنزهان بين ظلال تلك الحقول قبل أن تمتطي الشمس هامة السماء وينسحبان إلى مخدعهما يختبران فعل الحب ورهافة العاطفة”.

15