جهات خارجية توظف أحكام الإعدام في صراعها مع مصر

الأحد 2015/02/08
خبراء: الجرائم التي ارتكبت في حق الشعب والدولة تستوجب أحكاما صارمة لمنع تكرارها وردع الآخرين

دعم خبراء مصريون الأحكام المشدّدة التي صدرت في الفترة الأخيرة، مشيرين إلى أن حالة عدم الاستقرار تفرض مثل هذه الأحكام، لكن في نفس الوقت، فإن هذه الضرورة الأمنية لا تبرّر إصدار أحكام جماعية مشددة بشكل جزافي، لأن ذلك سيعطي لجهات خارجية، على غرار واشنطن وأنقرة ومنظّمات حقوقية غربية، المجال للتدخّل في الشأن الداخلي المصري واطلاق الاتهامات بانتهاك حقوق الإنسان والانتقام من المصريين الذين أفشلوا مخطّطاتهم.

الأحكام المشدّدة الكثيرة، التي أصدرتها محاكم مصرية مختلفة مؤخرا، أثارت ردود فعل متعددة، وأعادت طرح السؤال القديم-الجديد، هل القضاء المصري مسيس، أم يحكم بالقانون، الذي يجهل تفاصيله كثيرون، داخل مصر وخارجها؟

السؤال الكبير، يتفجر ويتكرر، عقب أحكام الإعدام التي تصدر بالجملة من حين إلى آخر، ولم يكن حكم محكمة جنايات القاهرة بإعدام 183 شخصا في القضية الشهيرة بـ”مذبحة كرداسة”، والسجن المؤبد وغرامة 17 مليون جنيه على 229 من النشطاء السياسيين مؤخّرا، الأولى من نوعها، فقد سبقتها أحكام بإعدام المئات في محافظة المنيا (بصعيد مصر) والمرتبطة بالهجوم على أقسام شرطة وقتل وجرح العديد من الضباط والجنود.

أحكام الإعدام الأخيرة، وما سبقها من أحكام مشددة، حصدت إدانات من جانب العديد من الدول الغربية، ومنظمات حقوق الإنسان، وعبّروا عن القلق حيالها، وطالبوا بوقف تنفيذها، وزعمت منظمة العفو الدولية أن أحكام الإعدام تصدر بالجملة عندما يتعلق الأمر بقتل ضابط شرطة، بينما لا تصدر أيّ أحكام عندما تتعلق القضية بقتل النشطاء والثوار، حيث تمت تبرئة المتهمين بقتل المتظاهرين، كما أدانت منظمة “هيومن رايتس ووتش” الأحكام ووصفتها بالمسيّسة، واعتبرت العديد من منظمات حقوق الإنسان، في مصر وخارجها، الأحكام المشددة تشويها لصورة القضاء المصري، وضارة بسمعة البلاد في مجال القضاء والعدالة الدولية.

في المقابل، دافعت السلطات المصرية، وبعض المنظّمات الحقوقية القريبة منها، عن هذه الأحكام، ووصفتها بالعادلة والنزيهة وأنها تطبيق حرفي لأحكام القانون المصري، بشأن الجرائم التي ارتكبها هؤلاء، وشدّد أنصار هذا الفريق على استقلالية القضاء المصري ونزاهته، ونفي تعرضه لضغوط أو تأثيرات من جانب النظام لإصدار أحكام معينة.

في إطار الجدل، الذي صاحب تلك الأحكام سعت “العرب” لفهم ما يدور بشأن هذه الإشكالية، وتحديد معالم الخلاف وملابساته، والتعرف على وجه الحقيقة في هذه النوعية من الأحكام الصارمة، وهل هي بالفعل مسيسة من جانب القضاء المصري، أم أنها انعكاس للعدالة الحقيقية التي يطبقها القضاء بعيدا عن الأهواء والأغراض، وهل يمكن الطعن عليها وإتاحة الفرصة أمام المتهمين لاستئنافها.

المؤيدون: القاضي يحكم وفقا لما لديه من نصوص وقوانين ويطبقها بصرف النظر عن الواقف أمامه سواء كان ناشطا أو إخوانيا أو مباركيا


الصدمة


ماهر عبدالحكيم، أستاذ القانون الجنائي بجامعة المنصورة، قال لـ”العرب” إن العدد الكبير من الأشخاص الذين صدرت أحكام الإعدام بحقّهم في مذبحة كرداسة والمنيا، والأحكام الجماعية المتشددة على النشطاء، شكّلت ما يشبه الصدمة لدى البعض داخل مصر وخارجها، فمن ناحية لم تشهد مصر قبل ثورة 25 يناير أحكام إعدام بهذه الأعداد، فهناك الكثير من حالات الإعدام، لكنها كانت، في أغلبها، فردية وترتبط بجرائم المخدرات والجاسوسية والإرهاب.

لكن الأحكام التي صدرت على عدد كبير من المتهمين مؤخرا أثارت الدهشة، لأن المنتقدين لم يستوعبوا حجم الظرف الخطير الذي تعيشه مصر منذ سنوات، وحالة السيولة وانتشار الجرائم، خاصة الجرائم المروعة، والأعمال التي ترتكب ضد الدولة ومؤسساتها، مشيرا إلى أنه إذا لم تكن هناك أحكام رادعة وناجزة، سوف تتكرر هذه الأعمال، بشكل كبير، خاصة في ظل حالة عدم الاستقرار في البلاد.

من ناحية أخرى، فإن حالة عدم الاستقرار لا تبرّر إصدار أحكام جماعية بشكل جزافي، ولكن يكون ذلك في إطار العدالة الكاملة التي تضمن للمتهمين محاكمات عادلة، وحقهم في الدفاع عن أنفسهم والطعن على هذه الأحكام.

وشدد ماهر، على أنه ينبغي ألاّ يتم توظيف أحكام الإعدام التي صدرت بحق مرتكبي جرائم ترويع وقتل، كجزء من الصراع السياسي أو في الضغوط على مصر، فواشنطن، التي عبرت عن انزعاجها من أحكام الإعدام وطالبت بإلغائها، تطبق الأحكام المشددة وبشكل واسع.

وهذه الأحكام "غير مسيسة بالمرة، وإنما هي تطبيق عادل للقانون”، وفق أيمن سلامة، خبير القانون الدولي، الذي أوضح أن التهم التي تم بناء عليها الحكم بالإعدام على المتهمين في أحداث قسم شرطة كرداسة مثلا، ليست فقط مجرد قتل الضباط والتمثيل بجثثهم أو حرق أقسام الشرطة وسرقة السلاح، وإنما التهمة الأكبر والتي استدعت تلك الأحكام هي ترويع المجتمع المصري بأكمله وإرهابه، فالهدف من وراء تلك الأعمال لم يكن فقط قتل الضباط وحرق الأقسام، وإنما محاولة إسقاط الدولة المصرية وترويع الآمنين. وبالتالي (في نظر سلامة) هي جرائم موجهة للجماعة المصرية بأكملها، وتستدعي أشد العقوبة وهي الإعدام، وهذه الجرائم موجودة في قانون العقوبات المصري.

الأحكام انعكاس طبيعي لحجم الجرائم التي ارتكبها المجرمون في حق المجتمع المصري وتستوجب أقصى عقوبة للردع ومنع تكرارها في المستقبل إذ أنها تستهدف إضعاف الدولة وهيبتها

الحال نفسه، بالنسبة إلى الأحكام المشددة على الناشطين السياسيين، وعلى رأسهم الناشط أحمد دومة، في ما يعرف بأحداث مجلس الوزراء، فالتهم الموجهة إلى هؤلاء ليست فقط حرق المجمّع العلمي أو مهاجمة مجلس الوزراء المصري، إنما التهم الأكبر استهداف هيبة الدولة الممثلة في سلطتها التنفيذية وهي مقر مجلس الوزراء، ومحاولة حرقه واقتحامه، وقتل بعض الضباط، كذلك حرق التراث المصري المتمثل في المجمّع العلمي، من هنا يمكن القول إن حجم وطبيعة الجرائم هي التي جلبت الأحكام لتكون رادعة ومانعة لعدم تكرارها.


تساؤلات غير مفهومة


عن علامات الاستفهام التي أثارها الحكم بإعدام هذا العدد الكبير في قضايا مختلفة، أوضح سلامة أنه لا يوجد حد أقصى أو أدنى من المتهمين أمام القاضي، وحتى لو بلغ عدد المتهمين عشرة آلاف فسوف يحكم القاضي بالأحكام ذاتها، حيث لا توجد قاعدة قانونية تنص على حد معين لأحكام الإعدام، فالقضية الأساسية ردع من يرتكبون الجرائم في حق المجتمعوالدولة، مهما كان العدد.

وأوضح سامي زهران، خبير القانون الجنائي، لـ”العرب” أن حالة التهويل والتعليق على الأحكام مبالغ فيها وغير مبررة، ويتفق مع أيمن سلامة في أنها انعكاس طبيعي لحجم الجرائم التي ارتكبها المجرمون في حق المجتمع المصري، وتستوجب أقصى عقوبة للردع.

كما أكد زهران أن الكثير من الدول والمنظمات الحقوقية التي ترفض هذه الأحكام لا تعي بشكل جيد طبيعة القانون المصري، ولا تستوعب أن القضاء المصري يتمتع بالاستقلالية ويطبق ما يمليه عليه القانون، وقبل التعليق وإصدار التصريحات السلبية على القضاء ينبغي معرفة السياق الذي صدرت فيه تلك الأحكام، خاصة في ضوء الظروف الصعبة التي تمر بها مصر، فهذه ليست جرائم جنائية عادية إنما هي جرائم ضد أمن الدولة المصرية.

وعن أسباب تطبيق الأحكام المشددة على الإخوان والثوار والناشطين السياسيين فقط وعدم تطبقها على رجال نظام مبارك، أوضح سامي زهران أن القاضي لا يتأثر بالاعتبارات أو التوجهات السياسية للمتهمين، فهو يطبّق القانون ويصدر الأحكام، وفق الأدلة والبراهين المتاحة له، بغض النظر عن أن المتهم ينتمى للإخوان أو الثوار أو نظام مبارك، فهو لديه قواعد قانونية واضحة في مثل تلك الجرائم يطبقها بناء على الاتهامات والأدلة التي تقدمها الشرطة والنيابة العامة.

الكثير من النشطاء والحقوقيين، أدانوا الأحكام المشددة ضد زملائهم واعتبروها بمثابة ازدواجية من جانب القضاء، فالناشط السياسي الناشط إبراهيم محروس، إنه في الوقت الذي أفلت معظم رجال نظام مبارك من العقاب، وحصلوا على أحكام بالبراءة لعدم توافر الأدلة، رغم الجرائم التي ارتكبوها بحق المجتمع، وجدنا عددا كبيرا من الناشطين السياسيين ومن ثوار 25 يناير، مثل أحمد دومة، حصلوا على أحكام مشددة بالأشغال الشاقة المؤبدة وغرامات مالية، ولا تتناسب هذه الأحكام مع الجرائم التي ارتكبوها، مثل التظاهر أو حرق بعض المنشآت العامة، وكل هذا يثير علامات استفهام حول أحكام القضاء في مصر.

أما الناشطة نهى الحاج فقد اعتبرت أن الأحكام المشددة تعطي مؤشرات غير إيجابية لمستقبل المعتقلين من الثوار، والخوف أن يلقى هؤلاء أحكاما قاسية، وهذا بدوره يثير المخاوف لدى الناشطين والحقوقيين في مصر.

بين المدافعين والمنتقدين للأحكام المشددة، يواجه القضاء المصري، الذي يحظى باستقلالية ونزاهة اكتسبها عبر تاريخه الطويل، موقفا لا يحسد عليه امتدت آثاره السياسية إلى النظام الحاكم، وهذا التحدي يستوجب توضيح حيثيات تلك الأحكام ونشرها على الرأي العام وتوضيح طبيعة تلك الجرائم لسد الثغرات والشبهات، وتأكيد أن انحيازه الوحيد هو للعدالة وإحقاق الحق بغض النظر عن أيّ اعتبارات سياسية.

4