جهاديو الولايات المتحدة يتحركون منفردين ويناقضون النمط الأوروبي

عاشت الولايات المتحدة الأميركية أعمالا إرهابية استهدفت آمنها القومي بشكل لافت في الآونة الأخيرة، ورغم حجم التهديدات الأمنية التي تعاني منها البلاد، يلفت خبراء إلى أن الجهاديين في الولايات المتحدة يتحركون منفردين على طريقة الذئاب المنفردة وتطوقهم التشريعات الأميركية الصارمة، ما يجعلهم يلتجئون إلى الإنترنت، كما أن المسلمين فيها يبدون أكثر استعدادا مقارنة بالمجتمعات الأوروبية للإبلاغ عن كل فرد يحمل فكرا متطرفا رغم ما أبانه دونالد ترامب من عداء للمسلمين منذ انتخابه رئيسا، كما تبدوا فرص استقطاب الجهادي الأميركي ضئيلة مقارنة بالنمط الجهادي بأوروبا.
الاثنين 2017/11/06
الأميركيون يدركون أن الإسلام لا يعني التطرف

واشنطن- خطط الأوزبكي المتشدد سيف الله سايبوف الذي قتل ثمانية أشخاص الثلاثاء الماضي في نيويورك لاعتدائه منفردا على ما يبدو، على غرار ما فعل أغلب الجهاديين الذين قرروا التحرك في الولايات المتحدة.

في المقابل يستفيد الكثيرون منهم في أوروبا من دعم مجتمعهم ومن شبكة سرية ويتلقون كذلك إرشاد أمام متشدد، لكن ما أسباب هذا الاختلاف بين الجهاديين في واشنطن وبين نظرائهم في القارة الأوروبية؟

يفسر الخبراء ذلك جزئيا باندماج أفضل للمجموعة المسلمة في المجتمع الأميركي وكذلك بأنها أكثر ثراء ولا تتساهل مع من يبدي تعاطفا مع جماعات جهادية على غرار تنظيم الدولة الإسلامية أو القاعدة.

كما يشيرون إلى عامل آخر يكمن في تشريعات أميركية أوسع وأكثر صرامة. ويؤدي اجتماع هذه العوامل إلى عزل الجهاديين في الولايات المتحدة واقتصار تواصلهم على شبكات التواصل الاجتماعي وأحيانا على بضعة أصدقاء.

المسلمون الأميركيون يعتبرون أغنى، ومستواهم التعليمي أعلى من نظرائهم الأوروبيين، ما يجعلهم أقل تهميشا وأفضل اندماجا

ويعتقد المحققون حتى الآن أن سيابوف الذي دهس مارة في مانهاتن بشاحنة مؤجرة هو شكل من إشكال التطرف عبر الإنترنت، وأشاروا إلى أنه لم يستفد من أي دعم على الأراضي الأميركية.

ورأى بول كروكشينك، محلل شؤون الإرهاب لدى الشبكة الأميركية للإعلام “سي أن أن” أن “الهجوم الذي نفذه سيف الله سيابوف في نيويورك لم يكن مفاجئا له، مشيرا إلى أن “تنظيم داعش يعتمد بشكل متزايد على عمليات دهس المارّة بالمركبات نظرا لسهولتها وتأثيراتها الواسعة”، مضيفا أن “مراقبة التأشيرات قد لا تؤثر كثيرا في الحد من مخاطر تلك الهجمات”.

وأضاف “داعش يعتقد أن عمليات الدهس وسيلة ناجحة لإسقاط أكبر عدد ممكن من الضحايا وجذب انتباه وسائل الإعلام، خاصة أن بعض تلك الهجمات أدت إلى خسائر بشرية كبيرة مثل هجوم نيس في فرنسا عام 2016، الذي أدى إلى مقتل 86 شخصا.

داعش يرى في هذا الأسلوب خيارا سهلا لأنه لا يحتاج إلا إلى استئجار سيارة ما يجعل من الصعب جدا توفير حماية ضد عمل من هذا النوع”. وتوقع الخبير الأمني الأميركي رؤية المزيد من هذه الهجمات التي قال إن “داعش يفضلها بشدة ويحض عناصره عليها، فقد سبق أن وجّه دعوة لمناصريه لشن عمليات مماثلة في الولايات المتحدة قبل عام من الزمن”.

وشكك كروكشينك في إمكانية أن “يؤثر موضوع مراقبة التأشيرات للأجانب بشكل إيجابي” قائلا “السؤال الأساسي يتعلق بالمكان الذي يبدأ فيه المرء باعتناق الأفكار المتشددة، ولدينا إحصائيات تشير إلى أن معظم المتطرفين الأجانب في الولايات المتحدة تأثروا بالأفكار المتشددة بعد وصولهم إلى أراضيها، ولكن بالطبع فإن التحقيقات ستحاول معرفة ما إذا كانت لسيابوف اتصالات مع جماعات متشددة خارج البلاد”.

وأشار إلى أن “في أوزبكستان جماعات جهادية تعمل منذ عقود إحداها على صلة بالقاعدة وأخرى تتبع داعش ولهما حضور كبير في سوريا والعراق، إذ يُعتقد أن هناك أكثر من 1500 أوزبكي في ميادين القتال تلك”.

فيما يلفت المدير المساعد لبرنامج حول التطرف في جامعة جورج واشنطن سيمُس هيو قائلا “لا نرى تكتلات واسعة من الجهاديين في الولايات المتحدة بل في أغلب الأحيان فردا أو اثنين”.

وعزا هيو ذلك بشكل رئيسي إلى المسافات وبعد الولايات المتحدة الكبير عن الشبكات الجهادية وصعوبة السفر إلى الشرق الأوسط بسبب لوائح حظر السفر الرسمية.

في المقابل يبدو أسهل على المسلمين الأوروبيين التوجه إلى مناطق تنشط فيها جماعات متطرفة على غرار تنظيم الدولة الإسلامية. وقال هيو “بالتالي ليس لدينا تجنيد شخصي على النمط الأوروبي”.

منفذ حادث الدهس بحي مانهاتن بالولاية على صلة بتنظيم داعش

أكثر تشددا

يكمن عامل آخر في الاستغلال الموسع لتهمة “توفير الدعم المادي للإرهاب”، وهي عبارة شاملة “تجيز لمكتب التحقيقات الفيدرالي ‘أف بي آي’ التدخل في مرحلة مبكرة مقارنة مع ما يفعله شركاؤنا الأوروبيون”.

في المقابل تؤكد الانتقادات تجاوز الـ”ف بي آي” حدوده وتوسيعه للقانون من خلال برامج تخف توقع أفرادا لا يشكلون تهديدا، غير أن النتيجة النهائية تؤدي إلى منعهم من تشكيل علاقات وتثير الخوف لدى آخرين يفكرون في بناء شبكات. ورأى ديفيد غارتنستين-روس أحد كبار الباحثين في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات أن “عقوبات السجن الأكبر في الولايات المتحدة في قضايا الإرهاب تحدث فرقا”.

ففيما تصل العقوبات في الولايات المتحدة إلى 15 أو عشرين عاما تقتصر في أوروبا على ما بين أربع وسبع سنوات، ما يعيد المحكومين في قضايا إرهاب إلى صفوف مجتمعهم بسرعة أكبر، وهذا يسهم في استدامة خلايا إرهابية خطيرة.

لكن ذلك لا يعني أن الولايات المتحدة لم تضم خلايا أو قادة شبكات، بحسب غارتنستين-روس. فأنور العولقي الذي كان أحد منظري ومروجي الجهاديين الأكثر تأثيرا ولد ونشأ في الولايات المتحدة قبل أن ينضم إلى تنظيم القاعدة في اليمن وقتله في غارة بطائرة بلا طيار في عام 2011.

وفي أواخر سنوات الألفين تشكلت خلية ضمت حوالي عشرين شخصا في أوساط الجالية الصومالية في مينيابوليس وتحولت إلى أداة فعلية للتجنيد لصالح تنظيم الدولة الإسلامية. وتابع الباحث “من الواضح أنها كانت شبكة… ولم يتم وقفها، ما زالت موجودة”.

أفضل اندماج

بدت الخلية الصومالية أقرب إلى الشبكات الأوروبية وترسخت في جالية مهاجرين وفدوا في فترة أقرب وأقل ثراء وأضعف تعليما. بشكل عام يعتبر المسلمون الأميركيون أغنى، ومستواهم التعليمي أعلى من نظرائهم الأوروبيين، ما يجعلهم أقل تهميشا وأفضل اندماجا وأقل استقطابا من قبل المتطرفين، بحسب كوري سيلور المتخصص في شؤون معاداة الإسلام في مجلس العلاقات الأميركية الإسلامية.

ويبدي مسلمو الولايات المتحدة أكثر استعدادا لإبعاد أي فرد يتبنى أفكارا متطرفة من المجتمع والمسجد. وقال سيلور “إذا تحدث أحد ما في المجموعة عن أفكار متطرفة فسيستبعد سريعا نسبيا. لا يبدون تساهلا معها”.

وبعيدا عن الأضواء تبدي المجموعات المسلمة في الولايات المتحدة قابلية أكبر لتبليغ الأمن عن تهديدات محتملة مما تفعل نظيراتها في أوروبا. وتعززت هذه النزعة بمساعدة برامج تواصل نفذت أثناء حكم الرئيس السابق باراك أوباما، بحسب غارتنستين روس.

المحققون يعتقدون أن سيابوف الذي دهس مارة في مانهاتن بشاحنة مؤجرة هو شكل من إشكال التطرف عبر الإنترنت، وإلى أنه لم يستفد من أي دعم على الأراضي الأميركية

لكن هذا التوجه يشهد انحسارا تحت سلطة الرئيس دونالد ترامب نظرا إلى انعدام ثقته العلني في المسلمين. وأضاف الباحث أن “انعدام الثقة عرقل التعاون فيما تضاعفت الريبة”.

وحذر المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية “سي آي أي” مايكل هايدن في تصريحات صحافية سابقة من أن “تصريحات دونالد ترامب المعادية للمسلمين تضر بأمن الولايات المتحدة”.

ورأى هايدن أن تصريحات ترامب ” تشكل خيانة لقيمنا، وهذا يضعف من أمن الولايات المتحدة”. مشيرا إلى أن “الإسلاميين المتشددين هم من يعتقدون أن هناك عداوة لا تنتهي بين جوهر الإسلام والعالم الغربي، وأنا أرفض هذا، وكذلك يرفضه أغلب الأميركيين”.

وكان ترامب دعا في حملته الرئاسية إلى منع المسلمين من دخول الأراضي الأميركية، وخص بدعوته رعايا الدول التي قال إنها مصدر للإرهاب. وبسبب مواقفه الحادة من قضايا مختلفة من بينها التعامل مع المسلمين، بات ترامب يواجه انتقادات كثيرة معارضة ومتزايدة داخل الولايات المتحدة وخارجها، حتى أن خمسين جمهوريا عملوا في مجال الأمن القومي الأميركي حذروا من أنه أخطر رئيس في تاريخ البلاد.

وتعيش الولايات المتحدة منذ تنصيب دونالد ترامب رئيسا في يناير الماضي تحديا أمنيا لافتا وتزايدا للعمليات الإرهابية. وقُتل ما لا يقل عن 8 أشخاص وأصيب 12 آخرون بجروح مساء الثلاثاء الماضي جراء عملية دهس استهدفت عددا من المارة قرب مبنى مركز التجارة العالمي في مانهاتن، بمدينة نيويورك.

والأربعاء الماضي، قال حاكم ولاية نيويورك أندرو كومو إن منفذ حادث الدهس بحي مانهاتن بالولاية على صلة بتنظيم داعش، ويعتبر هذا الهجوم هو أعنف عمل إرهابي في نيويورك منذ هجمات 11 سبتمبر.

6