جهاديو سوريا سبب لتعبئة دائمة وشعبية واسعة للجيش اللبناني

الجمعة 2016/09/30
انتباه دائم

عرسال (لبنان) – في موقع عسكري تغطيه أكياس رملية قرب الحدود مع سوريا، يراقب جنود لبنانيون من خلال منظار مثبت على حامل ثلاثي القوائم، التلال التي يتحصن فيها المسلحون الجهاديون في جزء من حرب سوريا الأهلية التي تسببت في تنفيذ تفجيرات داخل لبنان. وقال العميد اللبناني يوسف الديك في توضيحه لطبيعة الانتشار العسكري في المنطقة، “إن هناك معارك متكررة بين الجيش ونحو 1000 أو 1200 متشدد متحصن في التلال حول عرسال في جيب من الأراضي على الحدود”.

والمتشددون السنة هم أعضاء من تنظيم الدولة الإسلامية وجبهة فتح الشام (جبهة النصرة سابقا) وهما من الجماعات التي تحارب الرئيس بشار الأسد. ويعتبرون الجبال على طول الحدود اللبنانية قاعدة استراتجية كما يعتبرون أن لبنان يقع تحت سيطرة جماعة حزب الله الشيعية حليفة الأسد. وقال العميد الديك خلال زيارة ميدانية الأسبوع الماضي إن “المواجهات مستمرة بالليل وبالنهار، فأيّ تجمع أو أيّ تحرك أو أيّ شيء نحس به ليلا أو نهارا فإننا نرمي على المسلحين بكل أنواع الأسلحة”.

وبالنسبة إلى جيش لبنان الذي ينظر له على أنه مؤسسة حيادية نادرة في بلد تمزقه الانقسامات الطائفية، فإن محاربة هذا الوجود الجهادي في منطقة يغلب على سكانها المسلمون السنة يعني أيضا التحرك بحذر لتفادي تفجير أزمة سياسية داخلية جديدة. فقد شهد لبنان سلسلة من الهجمات بالقنابل منذ بدء الحرب الأهلية السورية في 2011. وربطت قوات الأمن البعض من هذه الهجمات بجماعات متشددة متمركزة في سوريا وتهدف إلى توسيع رقعة العنف الطائفي بالمنطقة. وهؤلاء المتشددون هم مجرد وجه من الأوجه التي يهدد بها الصراع بزعزعة استقرار لبنان الهش بالفعل، حيث يشهد النظام السياسي حالة من الشلل ولا تزال الانقسامات الطائفية قائمة.

وفي الطريق من بيروت إلى عرسال تقبع بيوت مهجورة حيث تنمو الأعشاب البرية في الثقوب التي أحدثتها القذائف القديمة بالجدران. وعلى مقربة يقف موقع عسكري سوري قديم شاهدا على الوجود العسكري السوري الذي استمر 30 عاما في لبنان. وانتهى هذا الوجود سنة 2005 لكن دمشق احتفظت بنفوذ كبير على جارتها الأصغر لأسباب منها تحالفها الوثيق مع جماعة حزب الله الشيعية ومن ثم كان لاندلاع الحرب الأهلية في سوريا أثر فوري على لبنان.

وفي البلدات الشيعية بسهل البقاع الخصب على الطريق المؤدية إلى عرسال تتراص الملصقات على جوانب المباني حاملة صور “شهداء” الجماعة الذين قتلوا وهم يحاربون من أجل الأسد في سوريا. وتأييد الأسد أو معارضته مسألة سببت انقساما بين الأحزاب اللبنانية لأسباب منها الطائفي الأمر الذي فاقم المأزق السياسي الذي يعيشه لبنان.

ويشعر الكثير من السنة اللبنانيين بالاستياء من هيمنة حزب الله ويقولون إنه عزلهم عن السلطة ورسخ النفوذ السوري في لبنان. وفي الأعوام الأخيرة أفضى هذا الغضب إلى احتجاجات والبعض من الهجمات أحيانا على دوريات للجيش.

وتعني مثل هذه الحساسيات أن الجيش أدرك أن عليه التحرك بحذر في حفظ الأمن بعرسال التي يغلب السنة على سكانها.

ويقول العميد الديك إن الجنود هنا يواجهون خطرا حقيقيا. فالمتشددون في التلال المواجهة يحملون بنادق هجوم وكذلك أسلحة متوسطة مثل قذائف المورتر والصواريخ المضادة للدبابات. ويهاجمون المواقع العسكرية فوق التلال ويستهدفون الدوريات داخل عرسال بسيارات ملغومة. ويعتبر الجيش على نطاق واسع في لبنان مؤسسة تحتل مكانة فوق المشهد السياسي المنقسم لكن كبار ضباطه شخصيات ذات نفوذ. وتصوّر ملصقات على طول الطريق إلى عرسال قائد الجيش الحالي العماد جان قهوجي تحت شعار “الرجل المناسب في المكان المناسب”. ويحظى الجيش بدعم دول غربية من بينها الولايات المتحدة والتي قدمت إلى الجيش اللبناني هذا العام 220 مليون دولار في صورة معدات بينها أسلحة ثقيلة مثل تلك التي تظهر تحت الموقع العسكري فوق عرسال. وقدمت بريطانيا معدات إلى الجيش اللبناني بقيمة أكثر من 60 مليون جنيه منذ 2012 بما في ذلك أبراج مراقبة حدودية قديمة كانت تستخدم في أيرلندا الشمالية.

ولا يزال تنظيم الدولة الإسلامية يحتفظ بتسعة جنود لبنانيين أسرى. وقال العميد الديك إن الدولة الإسلامية وجبهة فتح الشام لا يزالان هناك. وأضاف وهو يقف خلف نصب من الأكياس الرملية المحاطة بأسلاك شائكة أن المتشددين يعيشون في كهوف وبيوت آيلة للسقوط وغيرها من المساكن المؤقتة مشيرا إلى أن الثلوج تغطي التلال بسمك متر أو أكثر خلال الشتاء.

ويتحمل هذه الظروف القاسية أيضا نحو 70 ألف لاجئ من الحرب يعيشون في مخيمات بعرسال وحولها، وهم جزء من أكثر من مليون سوري نزحوا إلى لبنان. ورغم عدم ارتباط أي هجوم بالقنابل في لبنان بشكل مباشر باللاجئين فقد قال قائد الجيش قهوجي العام الماضي إن المخيمات تشكل خطرا أمنيا باعتبارها مخابئ محتملة. وقال العميد الديك إن الجيش نفذ مداهمات في مخيمات اللاجئين بعرسال في الأشهر الأخيرة واعتقل “قادة إرهابيين” هناك.

وتعجّ الطرق المؤدية للبلدة بنقاط التفتيش العسكرية حيث يفحص الجنود أوراق هوية السائقين. ويعتقد الجيش أن مثل هذه الإجراءات الاحترازية إلى جانب عملياته العسكرية وتغيّر الوضع في سوريا، تقلص تدريجيا من خطر المتشددين.

وقال العميد الديك “كلما كانوا محاصرين وكلما نقص إمدادهم بالمؤونة والسلاح والدعم اللوجيستي، كلما قلت فرصهم في التوسع، وهذا ما يحدث بشكل فعلي هذه الأيام” كما أكد العميد أن هناك عمليات تدريب مكثفة تحدث في الداخل السوري والمناطق القريبة من الحدود مع لبنان يقوم الجيش بمراقبتها والانتباه إليها بشكل دائم.

7