"جهاد" حزب الله ضد كورونا يتحول إلى إرهاب صحي

التداخل العقائدي بين إيران وحزب الله يحول محاربة الوباء إلى دعاية تثبت مرة أخرى عجز الحزب عن التحرك خارج مدونته الأيديولوجية.
الثلاثاء 2020/03/31
"جهاد" مدع وإرهاب حقيقي

استخدم حزب الله “خبراته” الجهادية في مقاومته لفايروس كورونا في لبنان، وهو استخدام لا يهدف لمقاومة الفايروس بل هو بمثابة “جهاد صحي” يقوم على الدعاية التي يرسخها الحزب للإيحاء بأن جهادييه تفرغوا لمقاومة كورونا. الجهاد الصحي لحزب الله كرّس وجوده دويلة داخل الدولة، وأثبت أنه يعجز عن التحرك خارج مدونته الأيديولوجية.

بيروت – يستخدم حزب الله تفشي فايروس كورونا لأغراض الدعاية طوال الأسبوع الماضي، حيث نشرت الجماعة مقطع فيديو يظهر وحدات صحية تابعة لحزب الله، تساعد في تطهير أجزاء من لبنان وإيران بخراطيم المياه، وهي طريقة قال عنها موقع ميدل إيست مونيتور إن العلماء وصفوها بأنها “غير فعالة”.

دعاية حزب الله في مواجهة فايروس كورونا، هي دعاية مستنسخة من الدعاية الإيرانية، التي لمحت إلى أن الفايروس صنيعة أميركية، وقللت من حجم الإصابات بين مواطنيها، وشددت على قدرتها لمواجهة هذا الوباء. التركيز الإيراني كان منصبّا على الدعاية أكثر من التركيز على مواجهة الوباء نفسه.

وتعتبر الدعاية أداة أساسية لإيران ووكلائها. كما ادعى فيلق الحرس الثوري الإسلامي الإيراني أن جهادييه يعملون على تصنيع تطعيم لمحاربة فايروس كورونا الصيني وأنه سيشارك في العديد من “ممارسات الدفاع البيولوجي”.

وتسعى إيران جاهدة لإبقاء شعبها يؤمن بالملالي والجهاديين بأي وسيلة ممكنة. يحاول الملالي درء اندلاع ثورة موحدة في وجه عدم كفاءتهم ووضعهم لشعبهم في المرتبة الأخيرة في قائمة أولوياتهم. حيث قامت إيران بتحويل الأموال، بدلاً من إنفاقها محلياً لمواجهة أزمة تفشي فايروس كورونا إلى دعم الحرس الثوري الإسلامي.

يحاول الملالي الآن تلقين شعوبهم بالدعاية المتوقعة بأن الفايروس هو خطأ الولايات المتحدة وإسرائيل، ويدعون بأن الفايروس “مصمم خصيصا لإيران باستخدام البيانات الوراثية للإيرانيين”.

وقد ورد في مقال بعنوان “حزب الله ينضم إلى الإرهابيين الإيرانيين في الجهاد ضد فايروس كورونا الصيني”، بقلم فرانسيس مارتل، بموقع بريتبارت، نُشر في 26 مارس 2020 “أعلنت منظمة حزب الله الإرهابية الشيعية أنها ستستثمر في الأطباء والمعدّات الطبية والعيادات لعلاج مرضى فايروس كورونا الصيني في لبنان، وتنضم إلى قائمة متزايدة من المنظمات الإرهابية التي تشن ما وصفه المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي بالجهاد ضد الوباء”.

حزب الله الذي يعتبر منظمة إرهابية تتنكر في شكل حزب سياسي في لبنان، له علاقات عميقة بالنظام الإيراني وبنشط في سوريا والعراق وأماكن أخرى في المنطقة بالإضافة إلى إيران ولبنان.

انتشار فايروس كورونا فرض على حزب الله أن يحول موارده، نحو "جهاد صحي" يحيل إلى المدونة الأيديولوجية التي يتحرك من خلالها

وقد زعمت وكالة أنباء تسنيم الإيرانية أن حزب الله “ينشر 1500 طبيب و3000 ممرض ومسعف و20 ألف ناشط آخر” للمساعدة في احتواء تفشي فايروس كورونا في لبنان، حيث وثق المسؤولون الحكوميون 368 حالة إصابة بكورونا وستة حالات وفاة حتى الخميس.

ولم يتضح بعد أين وجد حزب الله، وهي منظمة متخصصة في أعمال العنف للترويج للإسلام المتطرف، الأطباء والممرضين والمساعدين الطبيين لتوظيفهم في مكافحة الفايروس الصيني. ولكن من المفترض أن الـ”20 ألف ناشط” هم من الجهاديين الذين يشاركون في الترويج للمنظمة الإرهابية في أماكن أخرى.

ونقلت الوكالة عن سيد هاشم صفي الدين، رئيس المجلس التنفيذي لحزب الله، قوله في التلفزيون “إنها حرب حقيقية يجب أن نواجهها بعقلية المحارب. إن دورنا هو نكون مكمّلين للجهاز الحكومي وليس الوقوف عقبة في طريقه”.

وقارن صفي الدين مرارا بين جهود حزب الله في الأعمال الحربية، ووصف التنظيم الإرهابي بأنه “يحارب فايروس كورونا بقدرات وُضعت في البداية لمواجهة الحرب والعدوان”.

Thumbnail

وقد أصدر صفي الدين هذا التصريح بدلا من الأمين العام لحزب الله، حسن نصرالله، الذي أبقى نفسه بعيداً عن الأنظار منذ تفشي المرض في منطقة الشرق الأوسط. وتكاثرت الشائعات هذا الشهر أنه، في ضوء ظهور نتائج فايروسية إيجابية عدة للعشرات من كبار أعضاء النظام الإسلامي الإيراني، فإن كبار أعضاء حزب الله الذين يقابلونهم في كثير من الأحيان قاموا بعزل أنفسهم حتى لا ينقلوا العدوى للمزيد من الناس. تكهنت بعض التقارير بأن نصرالله نفسه إما أن يكون في الحجر الصحي الذاتي، وإما أنه مريض بعد إصابته بالفايروس.

فرضت التحولات التي أنتجها انتشار فايروس كورونا على حزب الله أن يحول موارده البشرية والعسكرية والمالية، نحو “جهاد صحي” يحيل إلى المدونة الأيديولوجية التي يتحرك من خلالها الحزب، وهي مدونة تابعة ومرتبطة بمدونة الثورة الإسلامية في إيران، وتطرح الأسئلة أيضا عن حرصه على استنساخ النموذج الإيراني في التعامل مع الوباء، سواء من حيث الدعاية أو من حيث التقليل من أعداد المصابين، أو من خلال استحضار نظرية المؤامرة باتهام الآخرين بصنع المرض، وخاصة من خلال توظيف ميليشياته وعناصره العسكرية في ادعاء محاربة الوباء، وهو ما يؤكدُ وجود الدويلة داخل الدولة ويعزز انفصال الحزب، فكريا وسياسيا، عن مفهوم الوطن اللبناني.

المثير في هذا التداخل العقائدي بين إيران وحزب الله، وفي نقل محاربة الوباء إلى “جهاد” هو أنه يترافق مع ممارسات تتناقض جوهريا مع محاربة الوباء. إذ حرص حزب الله طيلة الأسابيع الماضية على تواصل الرحلات الجوية من إيران إلى لبنان، رغم تفشي المرض في إيران، وتشديد حسن نصرالله في كلمته الأخيرة على ضرورة عودة المغتربين اللبنانيين، حيث قال “هناك بلدان تضم مغتربين لبنانيين ما زال انتشار فايروس كورونا فيها محدودا، ولذلك يجب استعجال عودتهم”، لافتا إلى أنه “قد يحصل انهيار اجتماعي في بعض الدول التي يتفشى فيها كورونا، ولذلك لا يجب أن نترك أبناءنا هناك”.

"الجهاد الصحي" لحزب الله يكرّس وجوده دويلة داخل الدولة
"الجهاد الصحي" لحزب الله يكرّس وجوده كدويلة داخل الدولة

في الوجه الآخر للمفارقة التي تؤكد دعاية إيران وحزب الله في محاربة كورونا، أن زيارة المراقد الدينية مازالت متواصلة إلى مدينة قم التي تحولت إلى بؤرة لتصدير الفايروس إلى بقية المحافظات الإيرانية. بل كان تغاضي السلطات الرسمية عن أداء تلك الزيارات بمثابة تشجيع ضمني لها. حيث أدان نشطاء إيرانيون تدفق الكثير من المسافرين من الهند وباكستان على المراقد الدينية لزيارة ضريح فاطمة المعصومة، والذي قام النظام الإيراني بإغلاقه مع تفشي الفايروس المستجد.

ويبدو أن هذا السلوك يشمل جميع وكلاء إيران ووكلاءها في المنطقة، حيث دفع زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، أنصاره وأتباعه ومن ورائهم جميع العراقيين، إلى ما يشبه المقتلة عندما اعترض على قرار السلطات العراقية منع الزيارات لضريح الإمام الكاظم.

المشاهد التي أبرزت وحدات صحية تابعة لحزب الله، تساعد في تطهير مناطق في لبنان بخراطيم المياه، وفضلا عن عدم فعاليتها، فإنها مشاهد كثيفة بالدلالات الدينية والسياسية. هي أولا تستحضر كل مفردات تبعية الحزب لإيران من خلال استنساخه لممارساتها السياسية والدعائية، وهي ثانيا تنقل “الجهاد الصحي” إلى “إرهاب صحي” بكل ما في الكلمة من معان ودلالات، إذ أن مواصلة زيارة المراقد الدينية والدفاع عن تواصل الرحلات الجوية بين طهران وبيروت، هي من قبيل تقويض كل الاحتياطات الصحية التي تطبقها وتدعو لها الجهات الصحية في العالم بأسره، لكن الأخطر هو أن يتم إضفاء أيديولوجية الحزب وإيران على مقاومة مرض انتشر في العالم.

12