جهاز الاستخبارات يغيب لأول مرة عن الانتخابات في الجزائر

تجرى الانتخابات التشريعية المقررة بعد أسابيع في الجزائر، لأول مرة في تاريخ البلاد، بعيدا عن نفوذ جهاز الاستخبارات ودوره في ترتيب النتائج وهندسة المشهد السياسي للبلاد، بعد قرار حله من طرف الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، وإقالة أكبر مسؤوليه وضباطه وعلى رأسهم الجنرال محمد مدين (توفيق).
الثلاثاء 2017/04/11
يأملون في إجراء انتخابات بعيدا عن تدخل السلطة

الجزائر – يرافع قادة حزب جبهة التحرير الوطني الحاكم، في منطلق الحملة الدعائية للانتخابات التشريعية المقررة في الرابع من مايو القادم، بقوة لصالح مشروع الدولة المدنية، الذي لاحت معالمه بعد حل جهاز الاستخبارات القوي وإحالة أكبر ضباطه ومسؤوليه على التقاعد القسري.

واعتبر الأمين العام للحزب جمال ولد عباس وعدد من القياديين المكلفين بتنشيط الحملة الانتخابية أن برنامج الحزب يعتمد على البرنامج السياسي لعبدالعزيز بوتفليقة، بوصفه رئيسا للجمهورية ورئيسا للحزب.

واعتبر أن كف أيدي جهاز الاستخبارات عن اللعب في الطبقة السياسية والمجتمع المدني ووسائل الإعلام أحد المحاور التي أعادت للمؤسسات الرسمية والمدنية استقلاليتها ودورها.

ويشكل حسم الصراع المثير للجدل بين مؤسستي الاستخبارات والرئاسة منذ العام 2010 لصالح الأخيرة، إنجازا يحسبه الحزب الحاكم على إنجازات بوتفليقة، لينضاف إلى ما يصفه بـ“سلسلة الإنجازات” المحققة في البلاد.

وبالإضافة إلى نفوذه ودوره في إدارة شؤون البلاد، خاصة منذ العام 1990، لعب جهاز الاستخبارات بقيادة الجنرال المتقاعد محمد مدين (توفيق) دورا حاسما في هندسة المشهد السياسي للبلاد.

جمال ولد عباس: إبعاد جهاز الاستخبارات أعاد للمؤسسات الرسمية استقلاليتها ودورها

كما قام بترتيب نتائج مختلف الاستحقاقات الانتخابية، بالنظر إلى إشراف أعوانه على غرف حسم النتائج وتوزيع مقاعد المؤسسات الانتخابية، خاصة البرلمان بغرفتيه السفلى والعليا.

ويرى متابعون أن مصطلح “الحصص” المهيمن على خطاب الطبقة السياسية في الجزائر، يستمد معالمه من عمل جهاز الاستخبارات في ترتيب النتائج وتوزيع الغنائم السياسية على المشاركين في الاستحقاقات الانتخابية، حيث لعبت مصالحه دورا كبيرا في دعم بعض المترشحين وإقصاء آخرين.

وكان الأمين العام الأسبق لجبهة التحرير الوطني عمار سعداني أول من فجر موضوع الانقلاب على جهاز الاستخبارات، بتصريحاته الشهيرة العام 2014، حول ما أسماه بـ”التأسيس لدولة مدنية تعود فيها مسؤولية القرار السياسي للمؤسسات السياسية، وإنهاء هيمنة جهاز الاستخبارات”.

ووجه سعداني حينئذ تهما خطيرة للجنرال توفيق حول “تشكيل دولة عميقة وموازية متغلغلة في الأحزاب السياسية والمجتمع المدني ووسائل الإعلام ومؤسسات وهياكل الدولة، مقابل التفريط في عدة قضايا استراتيجية”.

كما اتهمه بـ“التقصير في تأمين مصالح الدولة، على غرار تعرض الرئيس بوتفليقة لمحاولة اغتيال في مدينة باتنة العام 2004، واغتيال الرئيس الراحل محمد بوضياف في يونيو العام 1992 بمدينة عنابة، فضلا عن التراخي في محاربة الإرهاب والمجموعات المسلحة”.

ووصف خطاب سعداني حينئذ بانقلاب مؤسسة الرئاسة على جهاز الاستخبارات، إلا أنه شكل مرجعية سياسية للحزب الحاكم باتت توظف في مختلف الاستحقاقات السياسية والانتخابية، رغم الحفاظ على مبادئ الوفاء والتضامن مع المؤسسة العسكرية.

وقال الناطق الرسمي لحزب جيل جديد المعارض يونس صابر شريف لـ”العرب” إن”العبرة ليست في تبادل الأدوار وتغيير الشعارات لتحقيق الانتقال الديمقراطي، وإنما في الإرادة السياسية الحقيقية، لإرساء قواعد ديمقراطية تعيد للشعب الجزائري كلمته وصوته في إدارة شؤونه بممثليه الحقيقيين”.

وأضاف “مشروع الدولة المدنية الذي بشرت به السلطة عبر ذراعها السياسية الأولى، لم نر ممارساتها في الواقع، فلا يزال القمع والاستبداد عنوانا بارزا في المشهد العام”.

وأوضح أن المعارضة مازالت محرومة من تنظيم المسيرات الشعبية في العاصمة، “وحتى من رخص استغلال الصالات لتنشيط ندواتها وتجمعاتها، والإعلام مازال مكبلا ومقيدا”.

وخلص شريف إلى أنه “لا فرق في الجزائر بين العقود التي كان فيها جهاز الاستخبارات يهيمن على كل شيء وبين السنوات الأخيرة التي أنهي فيها دوره ونفوذه”.

وكان اكتساح إسلاميي جبهة الإنقاذ المنحلة على انتخابات 1991 الملغاة محطة حاسمة في مخططات جهاز الاستخبارات، إذ عمد حينئذ إلى تقويض شعبية الإسلاميين، سواء بالتدخل في ترتيب النتائج أو بإيجاد ودعم منافسين لهم من نفس التيار يرضون بأدبيات اللعبة الديمقراطية وأداء أدوار ثانوية في المشهد السياسي.

كما أدى الجهاز دورا حاسما في ترجيح كفة بوتفليقة في رئاسيات العام 1999 و2004، رغم انسحاب مرشحين من الوزن الثقيل في الأولى، وفي تعزيز مواقع أحزاب السلطة، والحضور الشكلي للمعارضة والمستقلين في المؤسسات المنتخبة.

ويثير غياب جهاز الاستخبارات غير المسبوق في الانتخابات القادمة استفهامات عن مصير النتائج والقوى السياسية والمشهد القادم، في ظل غياب الأيادي الخبيرة بالترتيب وتقسيم الغنائم.

ويتساءل متابعون عن البديل الذي حضرته السلطة للجهاز للاضطلاع بالمهمة، أم أنها ستكون هذه المرة جادة في الالتزام بشفافية ونزاهة الانتخابات لتجسيد مشروع الدولة المدنية؟

4