جهل المترجم من لغة إلى لغة

الخميس 2013/12/05

للمترجم في الغرب مكانة لا تقل قيمة عن مكانة الكاتب، فهو -وإن يؤثر الوقوف في الظل تاركا أضواء المجد لصاحب النص- مبدع أيضا في وجه من الوجوه، بل إن عمله أدقّ وأعمق، ذلك أن المبدع يصوغ نصا على غير مثال، لا يتقيد فيه بشروط ولا بحدود، يرتاد مسارب لم يألفها قبله سابل، ويستحضر واقعه ومعيشه وما ترسّب في ذاكرته يستلهم منها تجربة فريدة.

أما المترجم فهو يلتصق بالنص الذي يشتغل عليه يستجلي خصائصه وسماته، ويستكشف بيئة منشئه ومرجعياته، ليمسك بالمعاني، ما ظهر منها وما خفي، حتى يعيد صياغتها على نحو لا يخون الأصل ولا يجانب الهدف، فقد يأتي النص بعد ترجمته جميلا غير أمين، أو وفيا غير جميل. والغاية هي أن يكون للنص المترجم نفس الأثر الذي تركه النص الأصلي في القارئ.

وهذا لا يتأتّى إلا إذا كان المترجم متمرسا بأساليب الكتابة، واسع الخيال، غنيّا بمخزون ثقافي عميم، فضلا عن القاعدة الأساس التي لا غنى عنها لكل مترجم وهي إلمامه الوافي باللغة المنقولة واللغة المنقول إليها، والتي لخّصها الجاحظ في قوله: "أن يكون بيانُه في نفس الترجمة في وزن علمِه في نفس المعرفة، وينبغي أن يكون أعلمَ الناس باللغة المنقولة والمنقول إليها، حتى يكون فيهما سواءً وغاية".

في مقدمة ترجمته لإنياذة فرجيل عن اللاتينية، يشبّه الفرنسي بول فين المترجم بإينياس الذي غادر طروادة بعد الهزيمة والدمار الذي لحق مدينته، وركب البحر وهو لا يدري بالعواصف التي سيواجه، ولا بالمصائر التي سيلقى، ولا بالمغامرات التي سيخوض، فيحوّم عبر مرافئ المتوسط مثل أوليس، ويكسب ودّ عليسة أميرة قرطاج، ثم يهجرها إلى ديار أخرى سوف يؤسس نسلُه من بعده على أديمها مدينة تعلن نهاية العهد اليوناني ومولد عهد لاتيني تسود فيه روما، أعظم إمبراطورية في التاريخ. كذلك شأن المترجم في رأيه، مغامر يواجه صعوبات لا تحصى عددا قبل بلوغ برّ الأمان.

من هذه الصعوبات مثلا ما ذكره أنطوان بيرمان في كتابه "امتحان الغريب"، كصمود جانب من المعنى أو تواريه وحتى موته، فبعض العبارات تستعصي أحيانا على الترجمة، وهو ما عناه فكتور هوغو حين استشهد ببيت فرجيل "توجد دموع للأشياء". أو كمواجهة نص متمرد على نواميس الكتابة التقليدية في بنيته وفي نحوه وصرفه، وفي خطابه الذي يمزج اللغة الأنيقة بالعامية وببذاءات الشارع، كما في كتابات سيلين وريمون كينو. هل نحافظ عليه في صيغة قد يستنكف منها الذوق وينفر القارئ، وربما يسم المترجم بالقصور، أم نعيد صياغته بلغة بليغة صافية تعجب القارئ فيما هي تخون الأصل؟

إن الترجمة ليست مركبا سهلا يعتلي متنه كل راغب، والمترجم الحقّ هو الذي يعاشر النص كما عاشره واضعه، ويشقى قدر شقائه قبل أن يظفر بالعبارة الصائبة ليصوغ المعنى صياغة تقنع القارئ بأنه لو قدّر للكاتب أن يكتبها بلسان عربي لما كتبها إلا كذلك.

تقول ديبورا كوفمان: "سوء الكتابة خطيئة، ولكن سوء الترجمة جريمة". وما أكثر جرائمنا اليوم ونحن نرى أعمالا أجنبية منقولة إلى العربية، تشوبها هنات، ولو شئنا الدقة قلنا تشوّهها فظائع، تنبئ عن عدم ضلوع المترجم لا في اللغة الأصلية ولا في لغة بني قومه، وما استسهل العملية إلا لأن واقع الترجمة عندنا سيبة، يمارسها من يشاء كما يشاء، بلا حسيب ولا رقيب، حسبه أن يجد ناشرا يدفع، وصحفا تنوّه، وناقدا يلمّع. وهو ما كان الجاحظ نبّه إليه منذ قرون بقوله: "فإنا نوجدكم من كذب التراجمة وزياداتهم، ومن فساد الكتاب من جهة تأويل الكلام، ومن جهة جهل المترجم بنقل لغة إلى لغة".

14