جهل مدقع وقداسة مدعاة

السبت 2015/10/31

ما الذي يحدث حين تُلقى على الجهل المدقع المقنّع بالدّين غلالات كثيفة من قداسة مدّعاة؟

منذ بدء البدء، أي منذ لحظة شروع الإنسان في خوض مغامرته الوجودية في قلب الطبيعة وفي مواجهتها، ومع الحياة وفي رحابها الكونية الغامضة، لم يكن ثمّة من أحد أو شيء يدلّه على طريق هذه المغامرة ودروبها المتشعّبة المسكونة بالدّهشة، والتساؤل الحرّ، والسّعي اللاهب إلى الاكتشاف والكشف، سوى حاجته، المحفّزة بما أودع في كيانه من قوى وملكات وقدرات، إلى اكتشاف ممكنات المجال الحيويّ الكوني الذي قدّر له أن يقف في وسطه وأمامه، مندهشا ومتسائلا ومدركا وفاعلا، ليجعل منه مسكنا يحفظ عليه وجوده، ويتيح له أن يطوّر هذا الوجود ويعلو به قدما مع كلّ خطوة يخطوها في رحابه، ومع كل تجربة يخوضها مستلهما دروسها ومحوّلا خلاصاتها إلى بصيص معرفة خافت يلهم خطوه الذّاهب إلى استخلاص بصيص إدراك معرفيّ جديد أقلّ خفوتا.

وما كان لاكتشاف الإنسان النّار، وشروعه في تعرّف بعض خصائصها الكاشفة عن جوانب من طبيعتها القابلة لأداء وظائف تمكّنه من الشّروع في الانفصال عن الطبيعة وكائناتها الأخرى التي كان يرى نفسه جزءا منها، ملتحما بها، إلا أن يأخذه صوب مرحلة جديدة أفضت نهاياتها ليس إلى تحقيق أوّل إنجاز عمليّ على طريق تأمين حاجاته وتنظيم حياته فحسب، بل إلى اكتشاف أوّل تغطية فكرية، رمزية ولاواعية، لواقعه العاري، المكشوف، والبدء في تلمس الطريق المفضي به إلى الخروج من التّوحّش عبر التمايز عن الحيوان الذي ظلّ عاريا ومكشوفا، والشروع في تدشين زمن الإنسان الإنسان!

فكيف، وعبر ماذا، تجسّدت هذه التغطية الفكرية الرّمزية المسكونة بوعي غامض افتتح به الإنسان زمنه المفتوح على صيرورة وجودية دائمة ومفتوحة على تقدّم مطّرد؟ بحسب ما تتوافر عليه حقول المعرفة الإنسانية ذات الصّلة، فإنّ هذه التغطية إنما تجسّدت، بادئ ذي بدء، في القناع الأرواحي الذي عبره شرع الإنسان في اكتشاف بُعد كينونته الثاني، أي الفكر، مجسّدا -في البدء- في قناع ماديّ متعيّن لا يغطي بُعده الأوّل، أي الجسد، فحسب، بل يغطي، وإن على نحو رمزيّ تصوّريّ ملتبس، الواقع الغامض الذي شرعت ملكات الإنسان التأملية والتخيّلية والتّصورية والذّهنية في اكتشافه وكشفه.

بهذا المعني فإنّ اكتشاف الإنسان القناع لا يقلّ أهمية، في مسار الحضارة الإنسانية، عن اكتشافه النّار، ذلك لأنّه قد مكّنه من تأسيس وجوده في الوجود عبر اكتشاف بعده الثاني والانطلاق، في اللّحظة نفسها، في تلمس إدراك جوهره الإنساني الذي أهّله للوقوف أمام الطبيعة منفصلا عن المملكة الحيوانية، وعن كل ما تحتويه الطبيعة من أحياء وأشياء وموجودات وكائنات، ومكتشفا، في تضافر حميميّ وثيق مع كلّ ما سبق، ما اصطلح على تسميته عقب مراحل حضارية شاسعة ومديدة، بـ “اللاهوت الطبيعي”.

وبطبيعة الحال، فإنّ هذا “اللاهوت الطبيعي” الذي انبثق في مستهلّ سعي الإنسان إلى تكييف نفسه مع الطبيعة عبر مواجهة ضروراتها واكتشاف قوانينها وتكييف قواها بما يستجيب لتلبية حاجاته الإنسانية الحياتية العملية، ولتوقه اللاهب إلى معرفة ذاته، وإشباع أشواق روحه المتوثبة لإدراك نفسها وتأكيد حضورها وتوسيع مجال حريتها، لم يكن لينفصل، بأي حال، عن المسار الثّقافي (الحضاري) الإنساني الشامل الذي احتضن كلّ ذلك في إهاب واحد!

فكيف يمكن لإنسان عاقل، في هذا الزّمن الذي نعيش، أن يرى في عزل الدّين عن الثقافة، وفكّ لحمتهما الرّاسخة منذ بدء البدء، وغير القابلة للفصل إلا تعسّفا، خيرا من أيّ نوع كان، لإنسان إنسان؟ وكيف لإنسان عاقل يريد الحياة الحرّة الكريمة الواعدة بتقدّم حضاريّ مطرد ألا يقف في مواجهة هذا العزل المتعسّف الذي سيأخذه، والحضارة الإنسانية بأسرها، إلى أزمنة تسبق وجودهما كإنسان وكحضارة إنسانية؟

ناقد أدبي وكاتب من فلسطين

16