جهل وصعلكة وميوعة لبنانية

الخميس 2014/10/02

ما زالت الدولة اللبنانية تسير في سباق محموم باتجاه التفكك والانقسام على المستوى الداخلي. وإلى المزيد من التناقض في المواقف على المستوى الدولي.

فالجمهورية “المريضة” بداء الوصاية السورية المزمن ومخلفاته، أصبحت الآن على مشارف الحرب الداخلية نتيجة مشاركة حزب الله في الصراع الدائر في سوريا. وما خلفه من تراكمات، وانقسام حاد في تركيبة النظام “الهشة” أساساً. لينعكس بشكل أوضح على التركيبة الأفقية للمجتمع اللبناني.

ولعل أبرز “إنجازات” النظام السوري خلال وجوده في لبنان تتمثل في ضرب وإلغاء السياسة الخارجية التي تميز لبنان بها لعقود طويلة، وتربعت على إدارتها شخصيات بارزة مثل فؤاد بطرس ورفيق الحريري وغسان تويني، وهو ما حقق للبنان الحماية والقرارات المهمة في المحافل الدولية.

تحولت السياسة الخارجية بعد الخروج السوري إلى “عصا نجاة” لحلفاء دمشق، ولتشكل الغطاء الدولي لشرعية حزب الله، وانخراطه في تركيبة النظام، مما حول موقف لبنان الدولي إلى مجرد “علاقات فردية” تقتصر على دول الممانعة، وتغيب لبنان عن الكثير من المواقف الحساسة، ضمن المنظومة الدولية.

ولعل “الهراء” واللامسؤولية في مواقف وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل ومن سبقه، يندرجان ضمن هذا التوجه، فجاءت معظم مشاركات لبنان الدولية موالية للنظام في سوريا، ولتكون بمثابة غطاء لجرائمه.

ويؤكد ذلك ما شهدته لقاءات الأمم المتحدة الأخيرة من “صعلكة” وميوعة وانحدار وجهل بأبسط قواعد اللياقة الدبلوماسية.

هذه المشاهد تركت استياءً شعبياً كبيراً لدى اللبنانيين، خاصة مع ما ورد في كلام وزير الخارجية السوري وليد المعلم، الذي طالب لبنان بأن يقطع مع سياسة النأي بالنفس والمشاركة إلى جانب النظام وحزب الله في الحرب ضد الإرهاب.

ولم يكن رئيس الحكومة تمام سلام أكثر احتراما من وزير خارجيته حين “طلب من الرئيس الإيراني مساعدة لبنان في انتخاب رئيسه”.

أما المجلس النيابي فقد ظلّ “يشرّع للضرورة” وكأن انتخاب رئيس للجمهورية وإجراء انتخابات نيابية، ليس من ضرورات الحياة الديمقراطية.

هذه المواقف السياسية “المحزنة” شاهدها اللبناني بألم، بينما تدور في الجهة الشمالية الشرقية من البلاد معركة “إقفال” مخيمات النازحين السورين، و”اجتثاث” منابع الإرهاب من عرسال. حيث لم يحصد الجيش من معركته سوى بعض البنادق والذخيرة، “أبرزتها الصور المذلة للحملة إلى جانب المعتقلين”.

ولكن في المقابل حصد الجيش الكثير من الآراء المنددة بهذه العملية على المستوى المحلي والدولي. ونسج مستقبلا سيئا للعلاقات بين الشعبين اللبناني والسوري، حين يزداد وضوح معالم الثورة السورية.

أما الذين ساروا عقب العملية رافعين أعلام النصرة وداعش، فقد أظهروا مدى تأثرهم بما آلت إليه الأمور في المخيمات والمدينة المتهمة من قبل الحزب بأنها حاضنة وراعية للإرهاب.

ولكن حزب الله يطلب المزيد. يريد الحزب أن يسيطر بالكامل على “الجمهورية الهرمة”، ويريد أن يرى رأس الجمهورية يتدحرج، ويدفع باتجاه مؤتمرات تأسيسية تعيد صياغة لبنان وتركيبته الجغرافية.

ويريدها حزب الله دولة مفككة، يستطيع أن يتحرك فيها تارة تحت شعار مكافحة التكفيرين، والإشاعة بأن الشمال اللبناني أصبح معقلاً لـ”داعش” و”النصرة”، وزج الجيش بمعارك في المناطق ذات الأغلبية “السنية” كي تنال المؤسسة العسكرية المزيد من الأحقاد من قبل مواطنيها الذين يمثلون أغلبية قواتها.

كان الشمال، ومازال، يمثل “خزان” لبنان السني، ويشكل عقبة كبيرة أمام تمدد النظام السوري، لكنه الآن أصبح هدفاً جديداً يضاف إلى قائمة أهداف حزب الله.

أما من يعتقد من اللبنانيين بأن أحلام حزب الله تقتصر على شعارات التحرير فهو واهم، لأن الحزب صاحب مشروع، تحدد مقاييس نجاحه أو فشله عبر مسار الثورة السورية.


كاتب لبناني

8