جهود إيرانية عاجلة لمنع انفراط عقد حلفاء طهران في العراق

إيران تدرك تماما أن الكتل السياسية التي راهنت عليها لتثبيت نفوذها في العراق لم تعد قادرة على الاضطلاع بذات الدور الذي لعبته منذ سنة 2003 لخسارتها دعم الشارع وتلوّث صور زعمائها بالفساد. وتعمل طهران في ضوء ذلك على تجاوز المرحلة العراقية الحالية المضطربة بأقل الخسائر وذلك بالإبقاء على حكم العراق بأيدي أبناء العائلة السياسية الشيعية بغض النظر عن الأسماء.
الخميس 2016/03/31
الشارع عند نقطة اللاعودة

بغداد - لم يمنع حرص طهران على إضفاء ستار من السرية التامة على اتصالات كثيفة أجرتها على مدار الأيام الماضية عن طريق سفارتها في العراق مع العديد من قادة وممثلي التيارات السياسية العراقية لتطويق الخلافات الحادّة بينها بشأن التعديل الوزاري، ولتخفيف الضغط على حكومة رئيس الوزراء حيدر العبادي، من انكشاف تلك الاتصالات، وتداول الأوساط السياسية والإعلامية العراقية تفاصيل عنها.

وارتبطت كثافة الجهود الإيرانية بالمهلة الممنوحة من قبل البرلمان لرئيس الوزراء حيدر العبادي لتقديم الطاقم الوزاري المشكل من تكنوقراط، وهي مهلة تنتهي الخميس.

ولا تتوقّف المخاوف من فشل العبادي في تمرير تعديله الحكومي عند الجوانب السياسية، لكن يخشى أن تكون لذلك تبعات أمنية خطرة على البلد الذي يعاني أصلا وضعا هشّا، في حال ازدادت موجة الاحتجاجات بالشارع.

كما لم تتردّد جهات عراقية من التحذير من لجوء الأطراف الخاسرة من الحراك القائم في البلاد إلى إثارة الفوضى والعنف للتشويش على الاحتجاجات السلمية إلى حدّ الآن.

واستندت التحذيرات إلى مبادرة أحزاب شيعية عراقية بكثافة إلى رفع فزّاعة الأمن لإثناء المحتجين عن مواصلة حراكهم في العاصمة ومراكز عدد من المحافظات.

وتمتلك أغلب القوى السياسية الشيعية العراقية أجنحة عسكرية متمثلة بميليشيات مسلّحة.

وأكّدت مصادر عراقية متعدّدة أن السفارة الإيرانية في بغداد استقبلت على مدار الأيام الماضية العديد من قيادات الصف الثاني في أبرز الكتل السياسية العراقية، بشكل منفرد حينا، وجماعي حين اتخذ الجهد الإيراني صبغة الوساطة بين الكتل بهدف تحجيم الخلافات بينها وخفض التوتّر الناجم عن قضية الإصلاح وتحديدا التعديل الوزاري المنتظر.

كما شرحت ذات المصادر أنّ ممثلين عن السفارة زاروا عددا من قادة الأحزاب، وخصوصا الشيعية في مجالسهم وبيوتهم، وأن بعض الاجتماعات استمرت حتّى ساعات متأخرة من الليل.

وأكّدت أن جانبا هاما من الجهد انصب على التيار الصدري بهدف تخفيف ضغطه على حكومة العبادي، ولتخفيف الاحتقان بين التيار وكتلة رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي.

وجاء هذا الجهد بسبب مخاوف إيرانية من انفراط عقد التحالف الشيعي الحاكم في العراق، وسقوط العملية السياسية التي تعاونت طهران مع الولايات المتحدة لتركيزها في العراق وأمّنت من خلالها نفوذا كبيرا لها في البلد عبر شخصيات وأحزاب ومنظمات شيعية كانت إيران قد احتضنتهم طيلة فترة حكم الرئيس العراقي السابق صدّام حسين.

ورغم أنّ عضوا مهما في العائلة السياسية العراقية هو زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، من يتصدّر الحراك الاحتجاجي المطالب بالإصلاح، إلاّ أن المطالب الشعبية بدأت تتصاعد وتخرج عن السيطرة وتطال أساس العملية السياسية برمّتها، وهو ما لا تقبل به إيران المسفيدة من الوضع السياسي القائم في العراق.

وأخرجت الأنباء المتداولة بشأن جهود الوساطة الإيرانية، زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، الأربعاء، عن صمته، نافيا وجود تلك الوساطة التي قيل إنّها هدفت لإخراجه من المنطقة الخضراء وسط العاصمة بغداد، وإنهاء اعتصامه هناك والذي بدأه الأحد الماضي، للضغط على رئيس الحكومة حيدر العبادي لتنفيذ الإصلاحات.

وقال الصدر “لم يجرؤ أحد حتى الآن على التفاوض معي.. ولم تكن هناك أية وساطة من إيران، ولا أظن أنهم سيفعلون”.

ويفسّر متابعون للشأن العراقي عدم لجوء إيران في التعاطي مع مقتدى الصدر إلى أسلوبها المعهود في معاملة الساسة العراقيين، أي أسلوب التهديد والضغط المباشر، بحرصها على أن تستدرجه “إلى ملعبها” بعد أن أظهر قدرة على تحشيد الشارع والتحكّم بحركته.

وقال محلّل سياسي عراقي إن وحدة التحالف الوطني الشيعي، الذي مثّل منذ سنة 2003 أكبر ضامن للنفوذ الإيراني في العراق، صارت من الماضي، وأنّ طهران تدرك الأمر جيّدا وتعمل في ضوء ذلك على صياغة دور مختلف لها في العراق خلال المرحلة المقبلة التي ستشهد نشوء تحالفات سياسية جديدة يتوقّع ألا يكون فيها دور كبير للكتل التي ترعاها إيران بعد أنّ اهتزت صورتها في عين رجل الشارع وارتبطت في ذهنه بمرحلة قاتمة من الفشل والانهيار وشيوع الفساد في مختلف مفاصل الدولة.

ويضيف أنّ الهدف العاجل لإيران المرور بأقلّ الخسائر من المرحلة العراقية المضطربة، والحفاظ كحدّ أدنى على العملية السياسية في العراق وحمايتها من الانهيار الشامل، والإبقاء على السلطة بأيدي أبناء العائلة السياسية الشيعية بغض النظر عن الأسماء.

3