جهود جزائرية استثنائية لإنعاش قطاع الطاقة

سوناطراك تكافح لوقف هجرة الكفاءات وجذب استثمارات جديدة، والتجاذبات السياسية تكرس احتكار الشركة بعد إنهاء احتكار الدولة.
الثلاثاء 2018/08/14
تحديات كثيرة وشاقة لبلوغ الهدف

الجزائر – تزايدت المؤشرات على أن شركة سوناطراك الجزائرية تتجه لإعادة هيكلة نشاطاتها وبدأت تحقق نجاحات في جذب الاستثمارات والحد من هجرة الكفاءات والخبرات.

وأكد مراقبون أن تلك التحولات بدأت منذ تولي عبدالمؤمن ولد قدور رئاسة الشركة في مارس 2017 بعد أن شهدت سلسلة فضائح تتعلق بالفساد ومشاكل بيروقراطية أبعدت المستثمرين الأجانب.

ونسبت رويترز إلى مصدر مطلع قوله إن “الرئيس التنفيذي لسوناطراك جلب معه فريقه الخاص لمساعدته في كسب ثقة شركات النفط الكبرى واختار 8 نواب له من داخل الشركة”.

وأشار إلى أن من بين القيادات الجديدة مدراء من ذوي الخبرة مثل صلاح مكموش للإشراف على عمليات التنقيب وعربي باي سليمان لإدارة النقل عبر الأنابيب واثنين من “النجوم الصاعدة” هما فريد غزالي للشؤون الاستراتيجية وأحمد مازيغي للشؤون التجارية.

وأوضح المصدر، الذي طلب عدم ذكر اسمه لأن التعيينات لم تعلن بعد، أنه “من الضروري المصادقة على التعيينات بمرسوم رئاسي غير أن كبار المديرين بدأوا بالفعل”.

لديها ثالث أكبر احتياطي من النفط الصخري وتجري محادثات مع شركات عالمية لإقناعها بالاستكشاف
لديها ثالث أكبر احتياطي من النفط الصخري وتجري محادثات مع شركات عالمية لإقناعها بالاستكشاف

ولم تحصل رويترز على تعليق رسمي من سوناطراك أو ولد قدور الذي قال في مقابلة سابقة في مكتبه بالدور العاشر بمقر الشركة بالعاصمة الجزائرية لقد “فقدنا الآلاف من أصحاب الخبرات والمهارات لأسباب على رأسها أننا لا نستطيع منحهم رواتب يحصلون عليها الآن في الخليج ودول أخرى”.

وتعتبر الشركة المملوكة للدولة التي تأسست في 1963 مصدرا مهما من مصادر الطاقة للدول الأوروبية التي تحاول تقليل اعتمادها على روسيا كما أنها تمول جانبا رئيسيا من الموازنة الجزائرية التي يسهم الأمن الاقتصادي فيها في منع وقوع اضطرابات اجتماعية.

والوظائف في سوناطراك وفيرة ومرغوبة، غير أن الرواتب منخفضة إذا ما قورنت بالمعدلات العالمية، كما أنها تتوقف على مدة الخدمة، لكن ولد قدور يهدف من وراء إعادة الهيكلة إلى جعل الشركة واحدة من أكبر خمس شركات نفط حكومية على مستوى العالم بحلول عام 2030.

ويأتي منح ولد قدور الصلاحيات اللازمة لإجراء تغييرات بعيدة الأثر في إطار مساعي بوتفليقة، الذي يقود البلاد منذ العام 1999 بدعم من الجيش، للتغلب على ركود صادرات النفط والغاز وتراجع العوائد منذ منتصف 2014 وذلك بتخفيف قبضة قادة الجيش على الأمور الاقتصادية.

وفي يونيو الماضي عزل بوتفليقة، الذي لم يتحدث على الملأ منذ إصابته بجلطة دماغية في العام 2013، أربعة من كبار الجنرالات منهم رئيس جهاز الشرطة عبدالغني هامل في ما يمثل استعراضا للسلطة على الأجهزة الأمنية قبل الانتخابات التي ستجرى العام المقبل. ويمثل ذلك جزءا من اتجاه لاحظه بعض المراقبين للأوضاع من الخارج.

وقال دبلوماسي غربي “عندما تخاطب مصرفيا أو قائما على إدارة مشروع اقتصادي فمن المؤكد أنه لم يعد يوجد من يأمرهما بما يفعلان مثلما كان الحال عندما كان الحرس القديم يتولى دفة الأمور”.

وكان الرئيس الأسبق للشركة حسين مالطي قد قال في تصريح سابق إن الشركة باتت تحتكر القطاع بعد قرار التأميم في 1971 وظلت تشكل المصدر الأساسي لمداخيل العملة الصعبة، ولذلك كانت محل عدم استقرار في جهازها الإداري، وقد عانت من أزمات متتالية منذ 2003 بسبب التجاذبات السياسية بين أقطاب السلطة.

وتملك سوناطراك ثالث أكبر احتياطيات من النفط الصخري في العالم وتجري محادثات مع شركة إكسون موبيل الأميركية وغيرها من الشركات لإجراء عمليات استكشاف لزيادة إيرادات التصدير لقطاع الطاقة التي تمثل 95 في المئة من إجمالي صادرات الدولة.

ولكن عمليات الاستكشاف تتطلب مهارات خاصة، وقال مدير في سوناطراك لرويترز إن عشرة آلاف من المهندسين وعمال الحفر وخبراء المكامن النفطية وغيرهم تركوا العمل بالشركة منذ العام 2010، بينما يبلغ عدد العاملين بشعبة النفط والغاز في الشركة حاليا نحو 40 ألفا.

وقد شجعت هؤلاء على ترك العمل مكافآت سخية تعرض على العاملين بالشركات الحكومية الذين يستقيلون لتخفيف أعباء الموازنة التي تضررت كثيرا في السنوات الأربع الأخيرة.

وتقول عدة مصادر إن وتيرة نزوح الكفاءات تسارعت هذا العام، إذ شجع ارتفاع أسعار النفط الخام الشركات في منطقة الخليج وغيرها على توظيف المزيد من العاملين.

ويعمل المئات من موظفي سوناطراك السابقين في منطقة الخليج ومن بينهم زهير شيخ أحد كبار المهندسين المتخصصين في مكامن النفط.

الجزائر احتلت العام الماضي المركز الـ18 عالميا بين أكبر منتجي النفط بحسب إدارة معلومات الطاقة الأميركية
الجزائر احتلت العام الماضي المركز الـ18 عالميا بين أكبر منتجي النفط بحسب إدارة معلومات الطاقة الأميركية

ونسبت روتيرز لشيخ قوله إن “أصدقاء وزملاء في سوناطراك يتصلون بي يوميا طلبا لوظيفة في الخليج”، مشيرا إلى الرواتب هنا تتراوح بين 5 و15 ألف دولار، في حين أن راتب رئيس سوناطراك لا يتجاوز 10 آلاف دولار”.

ويعتزم ولد قدور الذي أمضى جانبا كبيرا من حياته العملية في الولايات المتحدة وشركات للطاقة في الخليج وأفريقيا، تنفيذ برنامج للتوعية والتدريب عن طريق “أكاديمية سوناطراك للإدارة”. كما أنه سيعيد العاملين المتقاعدين لتوجيه الموظفين الجدد.

كما يسعى لاستحداث مكافآت خاصة للاحتفاظ بالمتميزين وذلك للالتفاف على هيكل أجور جامد يحصل بمقتضاه الموظف الإداري على مرتب يعادل مرتب مهندس الحفر في المياه العميقة.

ويخشى ولد قدور أن تؤدي زيادات مباشرة في الأجور للمهندسين إلى احتجاجات أوسع يصعب السيطرة عليها بعد أن أضرب الأطباء والمهندسون عن العمل أشهرا هذا العام للمطالبة بزيادات تعادل التضخم.

وقال وزير سابق للطاقة إن على سوناطراك أن توسع أنشطتها الخارجية للاحتفاظ بأصحاب الأداء المتميز، إذ أن الأجور في هذه الأنشطة أفضل من أجور العاملين محليا.

وتعمل سوناطراك بالفعل في النيجر وقال مسؤولون إنها تجري مباحثات مع العراق وليبيا بهدف إبرام تعاقدات لأعمال استكشاف وتطوير.

وربما يتوقف نجاح ولد قدور على ما إذا كان الموظفون الجدد المحتملون يرون أن بإمكانه البقاء في منصبه في بلد تشير فيه التغييرات المنتظمة في الأفراد إلى تحولات في النخبة التي تكتنفها السرية.

وخلال السنوات العشر الأخيرة تولى رئاسة سوناطراك عشرة رؤساء. كما أن ولد قدور نفسه قضى فترة في السجن قبل أن يتولى منصبه.

واحتلت الجزائر العام الماضي المركز الثامن عشر في قائمة إدارة معلومات الطاقة الأميركية من حيث حجم الإنتاج.

11