جهود جزائرية لترقيع فوضى تجميع السيارات

مساع لاحتواء الأزمة العميقة التي يمر بها مجال تركيب وتجميع المركبات بسبب التحفظ القضائي الذي شمل معظم المؤسسات الناشطة في هذا القطاع.
الجمعة 2019/08/30
صناعة في مهب رياح الفساد

أجبر تفاقم الخراب في صناعة تجميع السيارات بعد اعتقال رجال أعمال نافذين بشبهة الفساد الحكومة الجزائرية على إعادة فتح ملف استيراد السيارات المستعملة رغم العقبات الكثيرة، في محاولات مرتبكة لمعالجة أزمات القطاع المتراكمة منذ عقدين من الزمن.

الجزائر - تتجه الحكومة الجزائرية إلى إقرار قانون جديد، يقضي بالسماح للأفراد باستيراد السيارات والمركبات المستعملة، في خطوة لتغطية العجز الذي تعاني منه السوق المحلية.

وتراهن السلطات على الخطوة لاحتواء الأزمة العميقة التي يمر بها مجال تركيب وتجميع المركبات بسبب التحفظ القضائي الذي شمل معظم المؤسسات الناشطة في هذا القطاع.

وألمح وزير التجارة محمد جلاب، في آخر تصريح له، إلى أن القانون الذي يحدد دفتر شروط استيراد المركبات والسيارات المستعملة هو رهن دراسة وتشاور لدى اللجان الحكومية المختصة، ما يوحي بعودة الوصاية إلى الإجراء القديم من أجل تلبية طلبات السوق المحلية.

ويرتقب أن تصادق الحكومة على القانون قريبا ليدخل حيز التنفيذ مع مطلع العام المقبل، في تحرك الهدف منه لملمة تبعثر أوراق القطاع، الذي تحول إلى “أكذوبة” كبيرة روجت لها السلطة السابقة طيلة السنوات الماضية.

وأدرج القضاء مؤخرا معظم المؤسسات الناشطة في القطاع تحت التحفظ وتم اعتقال أصحابها بشكل مؤقت بشبهة الفساد وتهريب ونهب المال العام على غرار ممثلي علامات هيونداي الكورية الجنوبية محي الدين طحكوت وفولكسفاغن الألمانية مراد عولمي، ومحمد حسناوي ممثل شركة كيا الكورية الجنوبيو وغيرهم.

وكانت الحكومة قد تراجعت عن قانون استيراد المركبات المستعملة دون ثلاث سنوات مع مطلع الألفية تحت ضغط لوبيات الاستيراد، التي تحولت في ما بعد إلى مصدر احتكار للقطاع بعد دخول نشاط التركيب والتجميع حيز الخدمة منذ العام 2014.

10 بالمئة نسبة لم تتجاوزها المكونات المحلية لغياب الشفافية وتكاليف الاستيراد

ويتطلع الجزائريون إلى التحرر من هيمنة القطاع الخاص المحلي بسبب النوعية وارتفاع الأسعار مقارنة بنفس العلامات في دول منتجة أخرى إلى جانب السمعة السيئة التي لاحقت مصانع التركيب والتجميع، التي دخلت في أزمة خانقة منذ الزج بملاكها في السجن الاحتياطي، وتعطل عملية استيراد القطع من الخارج.

وذكر مصدر حكومي لـ”العرب” أن الحكومة تنوي العودة إلى النمط القديم تمهيدا للتخلص من تركة نظام الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة في هذا المجال، لاسيما وأن معظم المؤسسات الناشطة لم تحقق مردودية محترمة للخزينة العمومية.

وتشير التقديرات إلى أن نسبة الاندماج لا تزال ضعيفة لا تتعدى حوالي 10 بالمئة، فضلا عن غياب الشفافية في دورة الإنتاج والشكوك التي تحوم حول فوترة القطع والأجزاء المستوردة.

ولفت المصدر، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، إلى أن الحكومة بصدد وضع دفتر شروط “دقيق” لتلافي أخطاء وسلبيات النمط القديم، ووضع آليات صارمة في ما يتعلق بحركة رؤوس الأموال وضمان خدمات ما بعد البيع، فضلا عن الشروط التقنية وقطع الطريق على نشاط عصابات التزوير والسرقة العابرة للحدود.

وذكرت إحصائية رسمية صدرت مؤخرا عن الحكومة بأن السوق الجزائرية استقبلت 100 ألف سيارة ومركبة من المصانع المحلية، إلا أن ذلك لم يلب حاجياتها المتصاعدة، مما يؤكد حالة العجز التي تعاني منها السوق جراء تذبذب القطاع والظروف الاستثنائية التي يمر بها.

وكشف مصدر مطلع لـ”العرب” أن المصانع التابعة لعلامات يونداي وفولكسفاغن وكيا قد توقف النشاط بها، وأن الإدارات باتت تمتنع عن استلام الطلبيات منذ شهرين تحسبا لعدم الوفاء بها، في حين يعاني زبائن سابقون من صعوبات في استرداد أموالهم رغم أنهم استنفدوا المهلة القانونية لسند الطلب، بسبب الأوضاع التي تعاني منها تلك الشركات.

Thumbnail

وذهب الرئيس السابق لجمعية وكلاء السيارات يوسف نباش إلى وصف القطاع بـ”الكذبة الكبرى” التي عاش النظام السياسي وأذرعه المالية والاقتصادية على أنقاضها طيلة السنوات الماضية، رغم الأضرار التي لحقت بالخزينة العمومية وبالسوق الجزائرية التي تحولت إلى مكب نفايات.

وكان القطاع يستفيد من عدة مزايا جبائية وجمركية، نظير إعفاء ناشطيه من دفع الضريبة على القيمة المضافة المقدرة آنذاك بنحو 17 بالمئة، والحقوق الجمركية المقدرة بنحو 30 بالمئة، فضلا عن الرسم على النشاط والسعر التفضيلي للطاقة وللأوعية العقارية التي شيدت عليها المصانع.

وأفضت التحقيقات الأولية الجارية مع المسؤولين الكبار في نظام بوتفليقة، إلى ضلوع رؤساء حكومات ووزراء ومديرين تنفيذيين على غرار عبدالمالك سلال وأحمد أويحيى ويوسف يوسفي في ملفات فساد متصلة بقطاع التركيب والتجميع تعمل لصالح لوبيات نافذة في الحكومة ورجال المال والأعمال.

وتعتبر السوق الجزائرية من بين أكبر أسواق القارة الأفريقية حيث يصل سقف استهلاكها إلى 600 ألف سيارة ومركبة، وهو ما جعل الخزينة العمومية تتعرض إلى نزيف حاد في العملة الصعبة، حيث وصل مستوى الإنفاق في القطاع إلى حدود الستة مليارات دولار.

وفي خطوة لتقليص فاتورة الاستيراد، أعادت الحكومة في 2014 رسم خارطة المستفيدين من الريع حسب النفوذ والعلاقات تحت مسمى بعث نشاط التجميع والتركيب الذي استحوذ عليه رجال أعمال مقربون من السلطة. ومنذ ذلك الوقت بات القطاع رهن احتكار تلك اللوبيات التي فجرت الأسعار وتلاعبت بالنوعية وبالامتيازات الممنوحة لها.

11