جهود مضنية لتحسين أوضاع السجون في تونس

تبدو التحديات التي يعيشها قطاع السجون في تونس متشابكة، تنذر بتفاقم الوضع أكثر لجهة الظروف التي يعيشها المساجين وقلة الإحاطة بهم، تضاف إلى كل ذلك ظاهرة الاستقطاب التي ارتفع منسوبها. ووسط هذه الظروف تحذر المنظمات الحقوقية من تدهور الحالة أكثر، فيما تكثف الحكومة جهودها لتحسين ظروف هذا القطاع والنهوض به عبر اتخاذ جملة من الإجراءات أولها السوار الإلكتروني.
السبت 2017/12/09
محاولات للاحتواء

تونس - فرضت التحديات الأمنية التي عاشتها تونس إثر ثورة يناير عام 2011 والإطاحة بنظام زين العابدين بن علي على الحكومة معالجة نواقص المنظومة القضائية وأبرزها قطاع السجون والإصلاح.

وتعاني السجون التونسية من صعوبات على مستوى الإمكانات المادية والموارد البشرية، فيما تكشف الحكومة في كل مرة عن تحركها لتطوير القطاع بإعادة تهيئته وبناء وحدات سجنية جديدة، إضافة إلى جهود واسعة تبذلها للإحاطة المعنوية بالسجناء.

وقال محمد صالح بن عيسى، وزير العدل الأسبق في تونس لـ”العرب”، إن “تطوير المنظومة السجنية في تونس يتطلب الاعتناء بالمساجين من حيث ظروف الإقامة”. وأشار إلى أن “المساحة المخصصة للمساجين لا تفي بالغرض وينبغي تقليص عددهم”.

ودعا بن عيسى إلى “البحث على حلول بديلة لاحتواء أزمة اكتظاظ السجون خاصة مع ارتفاع عدد الموقوفين على ذمة التحقيق وتأخر محاكمتهم”.

وتعتزم وزارة العدل التونسية اتخاذ جملة من التدابير القانونية في إطار خططها لإصلاح القطاع.

وكان وزير العدل غازي الجريبي قد شدد في تصريحات صحافية على “حرص تونس على مضاعفة الجهود للارتقاء بالمنظومة السجنية والإصلاحية ومواصلة العمل على الإحاطة بالمودعين وتأهيلهم لحسن إدماجهم من جديد داخل المجتمع”.

وأشارت وزارة العدل إلى استكمالها إعداد مشروع قانون حول العقوبات البديلة مع نهاية العام القادم، يهدف بالأساس إلى الحد من الاكتظاظ في السجون من خلال استبدال عقوبة السجن بعقوبات بديلة.

وأعلن جلول شلبي المسؤول عن برنامج دعم إصلاح القضاء عن “تكوين لجنة للنظر في هذا المشروع وإيجاد بديل للعقوبة السجنية عن طريق السوار الإلكتروني، إضافة إلى تكوين لجنة لتعديل مجلة الإجراءات الجزائية وتعديل مجلة المرافعات المدنية والتجارية”.

محمد صالح بن عيسى:المساحة المخصصة للمساجين غير كافية وينبغي تقليص عددهم

ومن شأن كل هذه الإجراءات الحكومية أن تحد من ظاهرة الاكتظاظ في السجون التونسية، حيث يتجاوز عدد المساجين المودعين بالسجن المدني بمحافظة جندوبة مثلا ثلاثة أضعاف طاقة استيعابه الفعلية.

وتمثل فئة الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و30 سنة أكثر من ثلثي المساجين، وفق ما ذكره مسؤول بإدارة السجن ذاته لوسائل إعلام محلية.

وخصصت وزارة العدل اعتمادات تناهز 2.5 مليون دينار لإعادة تهيئة هذا السجن بهدف التخفيف من الاكتظاظ الحاصل وتلافي الأخطار التي تهدد انهياره بسبب تسريبات مائية.

وتعاني تونس من حالات اكتظاظ في السجون تصل إلى نسبة 150 بالمئة من طاقة استيعابها القصوى، حيث تضم بحسب إحصاءات وزارة العدل قرابة 24 ألف سجين، من بينهم أكثر من 1600 متورط في قضايا إرهابية.

ولفت بدرالدين الجلاصي الكاتب العام للنقابة الوطنية للسجون والإصلاح إلى أن “المنظومة السجنية تعاني نقصا ماديا كما لا تملك مقرا خاصا بها”.

وكشف الجلاصي في تصريحات لصحيفة “الصباح” المحلية عن “وجود نقص كبير في أعوان السجون”، ورأى أنه “حتى تتمكن تونس من تحسين خدماتها والارتقاء في الترتيب العالمي في ما يخص حقوق الإنسان يجب عليها توفير الأعوان”، مبينا أن “ضغط العمل واكتظاظ السجون يفوقان عدد الأعوان حاليا”.

وأضاف أن “الأعوان باتوا يتحملون أعباء إضافية بسبب ساعات العمل المجحفة التي تصل إلى 15 ساعة يوميا”. وبحسب الجلاصي فإن ذلك يستدعي “تحديد ساعات العمل وتوفير التجهيزات اللازمة”.

وأعلنت وزارة العدل الجمعة عن فتح مناظرة خارجية لاختبارات دخول مرحلة تكوين مئة ضابط إصلاح مساعدين بالمدرسة الوطنية للسجون والإصلاح للترفيع في عدد الأعوان. وعلى غرار النقص المادي والبشري يشكل الاستقطاب داخل السجون التونسية تحديا يضاف إلى حجم التحديات التي تتطلب معالجة سريعة وجذرية بالقطاع، ما أدى إلى فصل سجناء الحق العام عن السجناء المتورطين في قضايا إرهابية.

ويقبع المئات من السجناء الموقوفين بسجن المرناقية في قضايا إرهابية، في انتظار البدء في محاكمتهم. ويمكن أن تطول فترة الإيقاف لأشهر عدة ما يزيد من حالة الاكتظاظ ومن احتمال وجود مخاطر أمنية داخل السجن.

وقال سفيان مزغيش، المتحدث باسم إدارة السجون، إنه “من المهم تأمين سلامة السجناء ومنع حالات الاستقطاب والتطرف، دون أن يمس ذلك بحرية ممارسة الشعائر الدينية”.

كما أمضت كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس اتفاق تعاون في مجال التكوين والدراسات بين الكلية والإدارة العامة للسجون والإصلاح يدعم جهود المقاربة الأمنية للحد من التطرف. وينص الاتفاق على إنشاء ماجستير مهني في مجال علم الجريمة وعلم نفس الانحراف، وإحداث مركز للدراسات والبحوث حول السجون والإصلاح، إلى جانب إعداد دراسة علمية حول التطرف وإعادة الإدماج في المجتمع.

كما أعلنت وزارة العدل عن إجراءات جديدة للنهوض بالمنظومة السجنية والإصلاحية منها الاتفاق مع معد أكلات بوحدة سجنية على سبيل التجربة (سجن مرناق) يتولى إعداد الأكلة لكافة المودعين تحمل تكاليفها على ميزانية الوحدة السجنية وتوزع على المودعين مجانا.

4