جهيمان كامن في النفوس والعقول

السبت 2015/10/24

منذ حادثة جهيمان العتيبي، عام 1979، التي استباحت الحرم المكي تأسست قاعدة سلبية للإرهاب في كل العالم الإسلامي، فتلك الجماعة لم تنهض لما فعلت دون بواعث فكرية وعقدية هي ذاتها التي نلتمسها اليوم في فكر الجماعات الإرهابية المعاصرة التي تناسلت من رحم تلك الجماعة، وذلك يعني أن الفكر باق ويتمدد عبر الزمن، ليواصل اختراقا قاتلا للعقل الديني في ظل وجود خطاب حيوي تتعدد وجوهه وهو واحد.

منذ تلك الحادثة، وحتى حادثة سيهات الأخيرة، ونحن نتعايش في الواقع مع كوابيس فكرية وعقائد متوهمة تبتعد كثيرا عن الأبعاد الإنسانية إلى فضاءات متوحشة ومظلمة.. لماذا؟

لأننا ببساطة مازلنا نتعامل بفكر مسترخ لم يجرد تلك الأفكار من انحرافاتها وأوهامها، واحتفظنا بها في الوجدان والعقل الاجتماعي كموروث سيء في كل مجتمعاتنا.

وأفضل مبادراتنا هي تلك التي نجحت، ولو نسبيا، في إقصاء أمثال أولئك الذين يحملون وهما دينيا عن المنابر والخطاب الديني، لأن الأصل هو أن كل المسلمين يعرفون عباداتهم ومتطلباتها، وليسوا في حاجة إلى دعوات تفرط في تحييدهم عن الحق وتنزلق بهم في متاهات الباطل، فهي شعرة بين هذين المتلازمين وقليلون من يتجنبون قطعها، ومن قطعها دخل من الحالة اللاشعورية للتحول من الباطل إلى الحق، فحصدنا كل هذا القتل والدماء.

دخول أماكن العبادة وممارسة التطرف فيها أصبحا عادة تعبدية للمتطرفين، وكما بدأ الأمر في الكعبة يتصل تباعا ليضرب في عسير أو الأحساء أو الدمام وسيهات، وفي الكويت وغيرها، فهو فكر يخترق عقولا صغيرة ويضخم لها احتياجاتها الدينية بفعل الأوهام التي يتم غرسها، وذلك يجعل كل أولئك المتطرفين قنابل موقوتة تسير على قدمين.

لكن المشكلة تنحرف إلى مسارات أمنية يمكن التعامل معها، أما الأسوأ فهو أن يبقى ذلك الفكر ليضلل المزيد من الضحايا، بحيث يفسد عليهم دينهم ودنياهم، ويجعلهم أكثر تشويشا في ما يعتنقونه أو يعتقدون بصحته.

ذلك الانحراف العقدي والفكري يخرجهم من النطاق الإنساني، ويحولهم إلى أفراد أكثر وحشية، وقساة لا يترددون في سفك الدماء وترويع الآمنين الذين لا يتركون لهم خيارات مناسبة، فيما الدين في حقيقته يترك خيارات أوسع، بحيث يجعل الناس أحرارا في خياراتهم بأن يؤمنوا أو لا يؤمنوا بخطاب من الله الذي خلقهم ويحاسبهم.

القفز إلى مرحلة متوهمة في الحق الإلهي في حساب الناس وتحديد خياراتهم وتحديد العقاب والجزاء، من السمات المتبلدة للمتطرفين، ولعل سلوكيات وممارسات تنظيم متشدد وإقصائي مثل داعش يكفي لكشف أن الدين لا يمكن أن يكون عالة على أفكار الناس ويقينهم وإيمانهم، ذلك سلوك لا يمنح الكثير من الحقوق الإنسانية والدينية، ويجعل أتباعه مثل الشياه، وذلك أيضا لا يستقيم مع مقتضيات الخطاب الديني السديد، ما يضعنا أمام حالة من الغرابة في استمرارية هذا الخطاب والمنهج واصطفاف ضحايا في خنادق الموت الرخيص، فهم قتلى بلا قضية حقيقية، ويقتلون ويعذبون بلا مبررات منطقية. وعليه فذلك ليس سوى جنون يستمد جذوره من جهيمان العتيبي، وكل من على شاكلته من أصحاب الخطاب المتطرف، الذي يهيئ الكثيرين للدخول في منظومة متوحشة باسم الدين.

والتفسير الوحيد لبقاء ذلك الموروث القاتل هو بقاء ذات الخطاب الديني المضلل، ومن يخطبون من الساعين إلى الفتنة على المنابر، لأننا في الواقع نظل نعيد بناء أكثر من مثال من جهيمان الذي يكمن في دواخلنا النفسية والعقلية، ولا حاجة لنا لاستكشاف المزيد من الخلل العقدي الذي ينتهي تطرفا وطائفية، لأن ذلك الخلل مقيم بيننا، ولكن تختلف الوجوه، فللتطرف والإرهاب أكثر من وجه..

فمتى نزيح تلك الأقنعة، ونضع حدا لخطاب ظاهره ديني وباطنه متطرف بأتم معنى الكلمة؟

كاتبة سعودية

8