جوائز ابن بطوطة لأدب الرحلة.. أن ترى العالم بعيون كثيرة

الأربعاء 2013/11/27
أدونيس يسلم إحدى جوائز ابن بطوطة للفائزة مليكة نجيب

احتفلت جائزة ابن بطوطة للأدب الجغرافي بتوزيع جوائزها للدورة التاسعة للموسم 2013 ـ 2014 التي تقام بمناسبة مرور عشر سنوات على إطلاق المركز العربي للأدب الجغرافي ومشروعه "ارتياد الآفاق"، وقد اكتسب الاحتفال طابعا خاصا إذ استضافته مؤسسة دبي الثقافية في إطار التعاون المشترك بينها وبين مشروع "ارتياد الآفاق"، والذي يأمل أن تنتج عنه أعمال تصل أطراف العالم العربي بعضها ببعض، وتترجم شعار المركز العربي للأدب الجغرافي في أن يكون جسرا بين المشرق والمغربي وبين العرب والعالم.

"أن ترى العالم بعيون كثيرة" هي العبارة التي وسم بها الشاعر النوري الجرّاح المشرف على مشروع "ارتياد الآفاق" التابع للمركز العربي للأدب الجغرافي، كلمته الافتتاحية التي قال فيها: "هو ذا المشروع الجغرافي العربي الأول من نوعه، "ارتياد الآفاق" يواصل إنجازاته الأدبية والعلمية بفضل نخبة كبيرة من الباحثين الأكاديميين والأدباء العرب مشارقة ومغاربة" هكذا قدّم الاحتفال الذي شهدته مدينة دبي وحضرته نخبة متميزة من الكتاب والباحثين والأكاديميين والمثقفين والمبدعين العرب، من بينهم وزير الثقافة المصري صابر عرب والشاعر سيف المري المدير العام ورئيس تحرير مجلة دبي الثقافية والشاعر أدونيس والأكاديمي حاتم الصكر والروائي واسيني الأعرج ونبيل سليمان ومحمد برادة ونواف يونس وغيرهم، أكد الدور المحوري الذي تلعبه الإمارات في الحراك الثقافي العربي عبر شراكات مؤسساتها الثقافية المتنوعة.

بوابة الذات على الآخر

اسفرت قائمة الفائزين بفروع جائزة ابن بطوطة للأدب الجغرافي عن الأسماء الآتية: تيسير خلف في فرع تحقيق المخطوطات عن مخطوطة "رحلات البطريرك ديونيسيوس التلمحري في عهد الخليفتين المأمون والمعتصم"، ونور الدين شوبد عن تحقيق "الرحلة الحجازية لأبي عبد الله محمد بن الطيب الشرقي الفاسي" وفي الرحلات المعاصرة فاز عبد العزيز الراشدي عن "سندباد الصحراء" ، وباسم فرات عن "مسافر مقيم"، وفي فرع اليوميات فازت "بطاقة إقامة في برج بابل" لشاكر نوري، وفي فرع الدراسات فازت مليكة نجيب عن "المرأة في الرحلة السفارية المغربية".

وقد شارك الشاعر أدونيس في الاحتفاء بالفائزين من خلال تسليم الجوائز لهم إلى جانب الروائي المغربي أحمد المديني وبحضور محمد برادة، وكانت لحظات طيبة اجتمع فيها المغرب والمشرق على جسر "ارتياد الآفاق" في ترجمة لشعار المركز الأول الفريد من نوعه في الثقافة العربية. وقد سبقت الاحتفال ندوة حول أدب الرحلة بوصفه أدب تثاقف وفضاء للتواصل بين الثقافة العربية والثقافات الأخرى.

كلمة نوري الجراح أثنى فيها على المثقف الإماراتي محمد أحمد السويدي ودوره في رعاية المركز العربي للأدب الجغرافي وأنشطته المختلفة، ومؤسسة دبي الثقافية والشاعر سيف المري لتعاونها واستضافتها للجائزة، وتطرق لدور وتأثير الجائزة وإنجازاتها العلمية والأدبية وعلامات الرحلة العربية قديمها ومعاصرها، مؤكدا أن هناك كنزا من نصوص الرحلة والأدب الجغرافي يجب أن تستدخل في النسق الثقافي إبداعا وتحقيقا، فالرحالة كان يسافر في العالم ليقرأ العالم / الآخر ويقرأ ذاته من خلال العالم.

هناك كنز من نصوص الرحلة والأدب الجغرافي يجب أن تستدخل في النسق الثقافي إبداعا وتحقيقا، فالرحالة كان يسافر في العالم ليقرأ العالم الآخر ويقرأ ذاته من خلال العالم

وأشار الجراح إلى أن الأعمال المشاركة في دورة هذا العام بلغت 37 مخطوطة من مختلف البلدان العربية وتوزعت بين الرحلة المعاصرة والقديمة، وهي الأقل عددا بالنسبة إلى الدورات السابقة، ربما نتيجة الظروف التي تمر بها بعض البلدان العربية، وأن النصوص الفائزة، الرحلات المحققة: رحلات البطريرك ديونيسيوس التلمحري التي ترصد رحلتين في عهد الخلفتين المأمون والمعتصم، والرحلة الحجازية لأبي عبد الله محمد بن الطيب الشرقي الفاسي، والرحلات المعاصرة سندباد الصحراء مشاهدات من جينيف وباريس والمنامة وعمان ودمشق والقاهرة وبيروت ومراكش ومدن أخرى لعبد العزيز الراشدي، ومسافر مقيم.. عامان في أعماق الأكوادور لباسم فرات، وبطاقة إقامة في برج بابل.. يوميات باريس لشاكر نوري،، وأخيرا البحث القيم لمليكة نجيب عن المرأة في الرحلة السفارية المغربية بين القرنين 18 و19.

رحب الشاعر سيف المري المدير العام رئيس تحرير مجلة دبي الثقافية بالمثقفين والمبدعين والباحثين العرب حضور الندوة، وقال إن أدب الرحلات هو المبحث العلمي الوحيد الذي يرتبط فيه الأدب بالعلم، فالرحلات على اختلاف أنواعها نوع من السياحة والبحث في الأرض، وفي الفكر الإسلامي القديم كانت الدعوة إلى السير في الأرض عبارة عن البحث العلمي الآن "أفلم يسيروا في الأرض فينظروا" إذن السير في الأرض هو نوع من البحث العلمي والإبداع الأدبي، وهناك تداخل وتشابك ما بين الأدب والسياحة والجغرافيا وشتى أنواع العلوم، واحد من علمائنا القدامى، وهو الكندي، كان أثناء الطريق في رحلة الحج، يشير في الصحراء إلى القواقع والحفريات الموجودة ويقسم بأن هذه الأرض كانت بحرا، وهذا نوع من الجغرافيا، الأمر الذي يعني أن الرحالة العربي أدرك هذا الأمر وبحثه ووثقه لكن ليس بالمنهج العلمي المعاصر".

مقاربات الرحلة

وسمى الجراح أعضاء لجنة التحكيم وهم الباحثون والمفكرون الطائع الحدادي و خلدون الشمعة، ومفيد نجم وعبد النبي ذاكر ونوري الجراح، الذين تحدثوا كل منهم عن فرع من فروع الجائزة، حيث تساءل الطائع الحدادي عن المقاربة المنهجية التي وظفها الباحثون والمحققون في تحقيق الرحلة؟ مؤكدا أن المقاربات والمناهج التي اشتغلوا عليها تتمثل في المقاربة السردية، والمقاربة السيميائية والمقاربية التكوينية وتقارب الصور ومفاهيم الصورة والأيقونة والإدراك الذي يندرج تحته بحث المرأة في الرحلة السفارية المغربية لمليكة نجيب، ولافتا أيضا إلى أن هناك نقصا في المقاربات الأسلوبية واللغوية والشعرية واللسانية.

وأوضح الحدادي أن الباحثين والمحققين جمعوا بين هذه المناهج، إذ يسهل على الباحث أن يقوم بعمله، وقال إن منجز الدراسات الأكاديمية والعلمية للمركز منجز مشرف، إذ يغطي مختلف أرجاء الوطن العربي، وحيا المركز الذي فتح آفاق البحث والتحقيق والكتابة الإبداعية للشباب وعرّف بأسماء لم تكن معروفة من قبل على الساحة العربية.

نوري الجراح يسلم تمثال ابن بطوطة للشاعر سيف المري

عبد النبي ذاكر رأى أن المركز العربي للأدب الجغرافي أبلى بلاء حسنا في تقديم مخزون معرفي عظيم للمكتيبة العربية يصل إلى 370 عنوانا شملت نصوصا محققة وإبداعات رحلة جديدة، وقال إن الأعمال أكاديمية جادة ولا تحتاج إلى تقويم أو جوائز، وأن الرحلات المعاصرة تكشف أن المخيال العربي بدأ ينتعش في الكتابة الرحلية، وأن فرضية موت الرحلة نتيجة تحول العالم لقرية صغيرة، فرضية ثبت كذبها وعدم صحتها.

زاد التخييل

وأشار مفيد نجم إلى أن الناظر إلى ما أنجزه المركز من الرحلات المعاصر والرحلات المحققة يتصور أن هناك كادر وهناك مؤسسة كبيرة تقوم على هذا المشروع في حين أن هذا المشروع يقوم عليه أفراد عددهم لا يتجاوز أصابع اليد، وهذا يعطينا صورة حقيقية عن طبيعة الجهد الذي يبذل لإيجاد هذا العمل وهذا المشروع الذي استطاع أن يستقطب خيرة من الباحثين والأكاديميين العرب.

وطالب نجم أن يتوسع المركز في الرحلة المعاصرة وألا يكتفي بما أنتجه الرحالة العرب حتى يتم تطوير هذا الجنس الأدبي بحيث نقدم صورة جديدة عن الرؤية الجديدة للإنسان العربي إلى العالم الذي يتغير ويتبدل وتتغير وتتبدل معه علاقتنا وصورته لدينا.

شارك الشاعر أدونيس في الاحتفاء بالفائزين من خلال تسليم الجوائز لهم إلى جانب الروائي المغربي أحمد المديني وبحضور محمد برادة

أعقب ذلك تقديم الجوائز للفائزين، قدمتها لجنة التحكيم يرافقها الشاعر أدونيس، ليتلوها الاحتفاء بالفنان والنحات السوري العربي عاصم الباشا الذي نحت تمثال ابن بطوطة واضطر كون النسخصصة الأصلية في أتيليهه الخاص بسوريا أن ينحت نسخا منه ليقدمها للجائزة.


رحلة في أدب الرحلة

الفائزون بجوائز ابن بطوطة أفرد له الاحتفال مساحة وافرة للحديث عن أعمالهم حيث قال تيسير خلف محقق "رحلات البيطريرك ديونيسيوس التلمحري أن النص الذي تركه التلمحري المعاصر لأربعة خلفاء من بني العباس هم هارون الرشيد ومحمد الأمين وعبد الله المأمون وأبي إسحاق محمد المعتصم، ينفرد بأنه الشهادة المعاصر الوحيدة المكتشفة على الكثير من الوقائع والأحداث التاريخية المفصلية، والتي دونت وقائعها في كتب التاريخ العربية نقلا عن روايات شفهية بعد عقود طويلة. وقال المحقق نور الدين شوبد أن الرحلة الحجازية واحدة من أمهات الرحلات المغربية إلى الحج في القرن 18، وأن أهميتها لا تقتصر فقط على كون كاتبها عالما متصوفا ولكن أيضا لكونها تصور النشاط الثقافي الذي عرفته بلدان شمال أفريقيا والحجاز خلال القرن 12 الهجري. وحيت الباحثة الأكاديمية مليكة نجيب الجائزة مؤكدة أن هذه هي المرة الأولى التي تتطرق فيها دراساتها إلى أدب الرحلات، وأن الجائزة فتحت الباب أمامها تحفيزا وتشجيعا.

كما تحدث كل من شاكر نوري وعبد العزيز الراشدي وباسم فرات عن تجاربهما في هذا السياق من أدب الرحلة المعاصر ورصدهم للوقائع والمشاهد وطبيعة الحياة في تلك الأماكن من العالم العربي والغربي.

هذا، وتجدر الإشارة إلى دعوتين وجهتا إلى منظمي الجائزة وندوتها واحدة من المغرب وأخرى من الكويت لاستضافة احتفالها في العام القادم في المغرب والكويت، وهو ما جعل المشرفين على المركز وجائزته يبدون اعتزازهم بهذا الاحتفاء بالمركز ومشروعه الإحيائي، وبأدب الرحلة بوصفها المتن الذي يصل الجغرافيات العربية ببعضها وبالعالم.

14