جوائز الأوسكار: سحر لامع يتسابق عليه الجميع كل عام

يستقطب حفل توزيع جوائز الأوسكار سنويا العشرات من الملايين من شتى أنحاء العالم، ومنهم كثيرون ممن لا يبدون اهتماما حقيقيا بالسينما عادة، أو لا يشاهدون إلّا القليل من الأفلام، لكنهم ينجذبون إلى النجوم وظاهرة النجومية عموما التي لها سحرها وبريقها، فظاهرة الأوسكار ظاهرة كونية، وعادة ما يصبح النجوم الذين يفوزون بجوائزها، أكثر شعبية من رؤساء الدول وأقطاب السياسة في العالم، حيث ترتبط هذه الجوائز بفلسفة صناعة الإعلام والترويج السلعي في الولايات المتحدة.
الجمعة 2016/02/12
براندو رفض استلام الأوسكار عن دوره في "الأب الروحي"

"الأوسكار" ليس مهرجانا سينمائيا دوليا كما يعتقد البعض، تمنح جوائزه لجنة تحكيم مكونة من عدد محدد من السينمائيين والنقاد تعلن أسماؤهم مسبقا كما تعلن أسماء الأفلام المتسابقة، بل هو مسابقة أميركية محلية مخصصة أساسا للأفلام الأميركية والأفلام الناطقة باللغة الإنكليزية، التي تعرض في دور العرض الأميركية على مدار العام السابق لمنح الجوائز. و“الأوسكار” اختراع أميركي من جانب “أهل الصناعة” لتكريم “أهل الصنعة” والاحتفاء بهم، وقد بدأ هذا التقليد، أو المسابقة عام 1928.

ومنذ عام 1947 بدأت الأكاديمية المنظمة للحدث الكبير في منح جائزة لأحسن فيلم أجنبي أي غير ناطق بالإنكليزية.

ويبلغ عدد جوائز الأوسكار 24 جائزة في كل فروع العمل السينمائي، ويعتمد نظام منح الجوائز على الاقتراع السري الذي يشارك فيه جميع أعضاء الأكاديمية الأميركية لعلوم وفنون السينما، وهي الكيان الذي يمنح الجوائز ويضمّ عددا من النقابات الرئيسية في السينما الأميركية، ويبلغ عدد أعضائها نحو ستة آلاف عضو.

مرة أخرى سيجتمع عمالقة السينما ونجومها في الحفل الكبير الذي سيقام في لوس أنجليس -بالقرب من قلعة صناعة السينما الأميركية هوليوود- وهم يحبسون أنفاسهم انتظارا لإعلان جوائز المسابقة الـ88 في الليلة الثامنة والعشرين من فبراير الجاري، إذ الفوز بإحدى جوائز الأوسكار يحقق الكثير من الرواج سواء للممثلين أو السينمائيين أو الأفلام الفائزة بها، مما يترجم في سوق السينما التجاري، إلى مئات الملايين من الدولارات، فسعر النجم الفائز بجائزة التمثيل يرتفع، كما يرتفع سعر مخرج الفيلم الفائز، وترتفع أسعار التقنيين وكتاب السيناريو ومؤلفي الموسيقى، إلخ.

دعاية وترويج

عادة ما ينفق المنتجون والموزعون مبالغ فلكية في الترويج لأفلامهم لدى أعضاء الأكاديمية الذين يمنحون أصواتهم في الفروع المختلفة للسينما. فمع اقتراب موعد إعلان الجوائز، ينظم هؤلاء عددا من العروض الخاصة لأفلامهم، كما ينظمون حفلات الكوكتيل أو العشاء في فنادق الدرجة الأولى، ويرسلون بنسخ من الأسطوانات المدمجة للأفلام من أعضاء الأكاديمية، وهي مسألة أصبحت مؤخرا، محفوفة بالمخاطر بعد تسرب هذه الأسطوانات المخصصة للمشاهدة الشخصية إلى مواقع على شبكة الإنترنت تتيح لمن يرغب مشاهدتها أو تحميلها، كما حدث هذا العام مع فيلمي “العائد” لغونزاليس إيناريتو، و“الأعداء الثمانية” لكوينتين تارانتينو، الأمر الذي يؤدّي إلى خسائر كبرى للشركات المنتجة.

المخرج أورسون ويلز لم ينل ولو مرة واحدة الأوسكار، وهو المعروف بكونه الابن العاق للسينما الأميركية

ومع ذلك، هناك اعتقاد راسخ بأن الكثير من أعضاء الأكاديمية لا يشاهدون كل الأفلام، بل ينتقون منها ما يتفق مع مزاجهم الشخصي، خصوصا الأفلام التي يلعب فيها نجوم السينما أدوارا رئيسية.

وليس بالدعاية وحدها يضمن أصحاب الأفلام الفوز حتى لو كانوا قد أنفقوا عشرات الملايين من الدولارات على الدعاية، كما حدث عندما خرجت أفلام شهيرة مثل “إي تي” أو “إنديانا جونز” دون الحصول على جوائز.

كان المنهج المتّبع أن يتمّ اختيار خمسة أفلام في كل فروع السينما مثل الإخراج والتمثيل والمونتاج والتصوير والصوت وكتابة السيناريو، وغير ذلك، لكي يتم التصويت على أفضلها للحصول على الأوسكار، لكن قبل نحو 4 سنوات، زاد عدد الأفلام المرشحة لجائزة أحسن فيلم بدعوى إتاحة الفرصة أمام عدد أكبر من الأفلام للتنافس، في حين أن الغرض الأساسي هو الترويج التجاري لها، فمجرّد ترشيح الفيلم، يضمن له دعاية كبيرة في السوق حتى لو لم يفز، وكثيرا ما تضمنت القوائم أفلاما محدودة المستوى، لكن بمجرّد ترشيحها وجدت الكثير من الصحافيين السينمائيين وهواة عرض الأفلام، الذين يتحمسون لها ويأخذون في الإشادة بجوانبها المختلفة رغم ما تكشفه النظرة النقدية الدقيقة من تهافت مستواها الفني.

تأسست الأكاديمية الأميركية للفنون والعلوم السينمائية عام 1927، ونظمت أول مسابقة لمنح جوائز للأفلام الأميركية في العام التالي 1928، وكان لويس ماير، مدير شركة مترو الشهيرة وراء تأسيس الأكاديمية والمسابقة، وكان هدفه الأساسي منح رجال صناعة السينما قوة خاصة تمكنهم من التصدّي لما كان يعرف بـ“النقابات المشاغبة”، خاصة نقابة كتاب السيناريو التي كانت معروفة بانتماء الكثير من أعضائها إلى اليسار.

ويصوّر لنا فيلم “التايكون الأخير” لإيليا كازان، المقتبس ببراعة عن رواية سكوت فيتزجيرالد، ذلك الصراع الشهير، بين شركات هوليوود ونقابة كتاب السيناريو، من خلال المواجهة بين روبرت دي نيرو الذي يقوم بدور المنتج السينمائي مونرو ستار المعادل لشخصية إرفنغ ثالبرغ المدير الفني لشركة “مترو”، ورئيس نقابة كتاب السيناريو بينيت (الذي يقوم بدوره جاك نيكلسون).

الأوسكار أصبح رمزا للقوة والتفوق

وراء التمثال

بطبيعة الحال توسعت الأكاديمية في ما بعد وأصبحت تضمّ ممثلين لجميع النقابات السينمائية، وأصبح دورها يقتصر على تشجيع ودعم الفيلم الأميركي ومنح جوائز الأوسكار، غير أن كلمة أوسكار لم يكن لها وجود حتى عام 1932 عندما ظهرت للمرة الأولى رغم أن التمثال الشهير كان موجودا من البداية، وهو من تصميم سيدريك جيبونز، المستشار الفني لشركة مترو، وقام بتنفيذه النحات جورج ستانلي، ويمثل فارسا يحمل سيفا مصوبا إلى أسفل، يقف على قاعدة علبة من علب الأفلام.

ويبلغ طول التمثال الأسطوري حوالي 32 سم، وهو مطلي بالذهب، ولكن ليس معروفا على وجه التحديد من المسؤول عن إطلاق اسم أوسكار عليه.

وكانت الممثلة بيتي ديفيز، قد نسبت لنفسها هذا الفضل، ولكن الصحافي الفني سيدني سكولسكي زعم أنه صاحب التسمية، أما القصة الشائعة في الصحافة السينمائية فهي أن إحدى الموظفات في مكاتب الأكاديمية صاحت بعد أن شاهدت التمثال قائلة “إنه يشبه عمي أوسكار”، وكانت السبب بالتالي في التصاق هذا الاسم بالجوائز الشهيرة.

كان العرف المتّبع خلال الأحد عشر عاما الأولى من عمر الأوسكار أن يتمّ إبلاغ الصحافة بنتائج المسابقة قبل إعلانها لإتاحة الفرصة لنشرها تفصيلا في اليوم التالي، وكان المتفق عليه أن تبقى النتائج في نطاق السرية إلى حين الإعلان عنها في المساء، ولكن صحيفة “لوس أنجليس تايمز” خالفت هذا الاتفاق عام 1939، ومنذ ذلك التاريخ أصبحت الجوائز تحاط بالسرية الشديدة حتى اللحظة الأخيرة.

لم تمرّ جوائز الأوسكار دون ضجة واحتجاجات، بل وغضب أحيانا، بسبب تجاهل أعضاء الأكاديمية لكثير من الأفلام الجيدة البارزة في تاريخ السينما، وتفضيل أفلام أقل براعة وقيمة وأهمية، كما حدث عندما تجاهلت الأكاديمية فيلم “الصقر المالطي” لجون هيستون، ثم “المواطن كين” لأورسون ويلز وهو أحد أهم الأفلام في تاريخ السينما، بل ولم يحصل صاحبه ويلز على الأوسكار عن أيّ فيلم من أفلامه ولا حتى عن تمثيله، فقد كان معروفا بأنه الابن العاق للسينما الأميركية، وكان ينشد حريته أكثر من خلال العمل في أوروبا.

ومن ضمن المواقف الأخرى التي أثارت غضب الكثيرين حصول فيلم الإثارة البوليسية “الرابطة الفرنسية” على جائزة أحسن فيلم عام 1971، بينما تمّ تجاهل فيلم مرموق هو “البرتقالة الآلية” لستانلي كوبريك.
مارلون براندو أرسل فتاة من الهنود الحمر لإعلان رفض الجائزة وقراءة بيان إدانة لهوليوود

رفض واحتجاجات

صحيح أن الغالبية العظمى من السينمائيين ونجوم التمثيل يتطلعون بلهفة ولو لمجرّد الترشح لنيل جوائز الأوسكار، فهي تكفل لهم مزيدا من الشهرة والمال، لكن تاريخ الأوسكار عرف أيضا من رفضوا تلك الجوائز، أو استغلوا حفل إعلان الجوائز للنيل من هوليوود ومن السياسة الأميركية عموما، وقد روي عن الكاتب الإنكليزي الشهير برناردشو أنه أعرب عن شعوره بالإهانة عندما أبلغوه بفوزه بجائزة الأوسكار عن سيناريو فيلم “بغماليون” (1938).

وفي عام 1970 ذهلت الأوساط السينمائية داخل وخارج هوليوود، عندما رفض الممثل جورج سكوت استلام جائزة أحسن ممثل التي فاز بها عن دوره في فيلم “باتون”.

وكان سكوت قد ظل لسنوات طويلة يحلم بالحصول على الجائزة، وكان يتوقعها عاما وراء عام، خاصة وأنه قام بعدد من الأدوار البارزة من قبل دون الحصول عليها، بل وكان قد رفض قبول ترشيحه لجائزة أحسن ممثل ثانوي عن دوره في فيلم “الصعلوك” (1962)، ولكنه قابل فوزه بجائزة أحسن ممثل عن “باتون” بتعليقات لاذعة مثل “الموضوع كله ليس سوى استعراض للأجساد، لا أود أن أصبح جزءا منه”.

وكانت الحادثة التالية المدوية عندما أبلغ مارلون براندو بفوزه بجائزة أحسن ممثل عن دوره في فيلم “الأب الروحي” (1972)، لكنه فاجأ الجميع بالامتناع عن حضور حفل توزيع الجوائز، وأرسل فتاة من الهنود الحمر صعدت بدلا منه على المنصة وأعلنت رفض براندو قبول الجائزة، ثم قرأت رسالة منه يندد فيها بشدة بما وقع للهنود الحمر في أميركا وفي أفلام هوليوود، من إبادة وإساءات وتشويه.

ومنذ حادثة براندو توقف تقليد إبلاغ السينمائيين بفوزهم مسبقا، وترك الأمر حتى اللحظة الأخيرة، وعندما فازت فانيسا ريدغريف بجائزة أحسن ممثلة ثانوية عن دورها في فيلم “جوليا” عام 1978 بعد أن رشحت ثلاث مرات من قبل لنيل الجائزة، صعدت واستلمت الجائزة معلنة سعادتها بعدم خضوع أعضاء الأكاديمية لابتزازات اللوبي الصهيوني الذي كان قد حشد ضدّها بسبب إنتاجها لفيلم “الفلسطيني”، ثم أعلنت إهداء الجائزة إلى الشعب الفلسطيني مما أثار غضب الأوساط اليهودية النافذة في هوليوود، ودفعت فانيسا ثمن موقفها هذا باهظا في ما بعد، فقد تم تجاهلها من قبل شركات الإنتاج الأميركية لسنوات.

قوة الأوسكار أصبحت أكبر الآن بلا شك، بعد أن قفزت ميزانيات الأفلام إلى أرقام فلكية، وبعد أن اشتدّت شراسة السباق للحصول على الجائزة التي يمكن أن تفتح أبواب المجد، ويظل بريق حفل الأوسكار هو الأكثر جاذبية في العالم لجمهور السينما وغير السينما.. لننتظر حتى نرى من الذي سيدخل تاريخ الأوسكار.

16