جواب الماضي

الثلاثاء 2017/06/06

ترتهن الثقافة العربية بالماضي بوصفه المرجعية التي يمكن من خلالها أن تكتسب الظواهر الجديدة في حياتنا المعاصرة شرعيتها. هذه العلاقة تعبير عن حالة الاستلاب التي تسم علاقتنا به. على الجانب الآخر ثمة من يحاول دائما أن يبرهن على كمال هذا الماضي. لا جديد إذا تحت شمس الحاضر.

المفارقة في هذا الموقف أن العالم يتسابق على المستقبل ويخطط للعشرات من السنين القادمة. على خلاف ذلك نحن لا نعترف بشرعية ما هو مطروح علينا إن لم نجد له سندا في ماضينا. الحضارة الغربية عندما استوعبت منجزات الحضارة العربية لم تسأل عن هويتها، ولم تبحث في ماضيها ما يبرر هذه العلاقة أو ينفيها؛ وجدت تراثا علميا هاما بنت عليه وطورته.

ظواهر كثيرة في حياتنا الثقافية والفكرية تعكس هذه الحالة من الوعي. البعض من كتابنا المسرحيين ظلوا مشغولين بالبحث في تراثنا القديم عن ظواهر مسرحية تؤكد علاقة العرب العريقة بالمسرح منذ القديم. ما يثير الدهشة أن بعض هذه الظواهر التي يستندون إليها في كشوفهم كمسرح خيال الظل ليست عربية الأصل، وقد وفدت إلينا من بلدان إسلامية مجاورة.

هذا الوعي المسكون بنزعة ماضوية هو في حقيقته تعبير عن اختلال العلاقة مع الحضارة الإنسانية المعاصرة من جهة، ومن جهة أخرى هو محاولة للتعويض من خلال البحث عمّا يمكنه إخراجنا من المأزق الحضاري الذي نعيشه. هذا الموقف برز في بعض محاولات الكتابة الروائية التي استخدمت لغة المقامات والمرويات التاريخية في الكتابة.

لا أحد يختلف مع مشروعية البحث والتأصيل إن كان شكل الكتابة يمتلك القدرة على التطور واستيعاب أشكال الفنون الجديدة. الرواية لم تعرفها أوروبا قديما، نشأت مع نشوء المدينة في الغرب. وهي على خلاف المسرح وليدة التحولات الكبرى لعصر النهضة الصناعية والفكرية.

محاولات جادة ظهرت للمزاوجة بين أشكال الفرجة القديمة في تراثنا، والمسرح، لكنها على غرار ما حدث في السرد الروائي، لم تؤسس لعلاقة قابلة للحياة والتطور، لذلك انتهت مع غياب أصحابها.

السؤال هو ألا يمكننا البحث عن خصوصية في الإبداع نابعة من التفاعل مع أشكال الكتابة الراهنة؟ إن محاولة الإجابة عن تحديات أشكال الكتابة الحديثة بإحياء أشكال بعيدة عن منجزات الكتابة السردية بثرائها وتنوعها الجمالي والفني، هي محاولة للقفز فوق المنجزات الكبيرة والهامة التي بلغتها تجارب الكتابة الحديثة.

هناك ما يمكنه أن يحقق حضورنا الإبداعي. إنه الإبداع الذي نضيفه ونتشارك فيه مع المنجز الجمالي لعصرنا من خلال وعينا بذاتنا وبالعالم الذي نعيش فيه.

كاتب سوري

15