جواد كاراحسن يفوز بجائزة غوته

كاتب بوسني يقيم وساطة ثقافية بين الإسلام والمسيحية والشرق والغرب من خلال رواياته ومسرحياته ومقالاته.
السبت 2020/05/09
غريب في ليله الطويل يستعيد ذكرى وطن مشتهى

فاز الكاتب البوسني جواد كاراحسن بجائزة غوته لعام 2020، والتي تمنحها مدينة فرانكفورت بقيمة 50 ألف يورو كل ثلاثة سنوات لشخص بارز على أعماله الإبداعية، وبذلك خلف كاراحسن المخرجة المسرحية الفرنسية أريان منوشكين التي فازت بالجائزة في العام 2017.

فرانكفورت – منحت مدينة فرانكفورت الألمانية الخميس الكاتب البوسني جواد كاراحسن جائزة غوته لعام 2020. وقال عمدة فرانكفورت بيتر فيلدمان “في ظل أوقات تنامي النزعة القومية، في أوروبا أيضا، يقف الفائز بجائزة هذا العام، جواد كاراحسن، متجاوزا الحدود بشكل دائم، سواء كانت سياسية أو ثقافية”.

وتتضمن قائمة أعمال كاراحسن روايات ومسرحيات ومقالات للوساطة بين الشرق والغرب وبين الإسلام والمسيحية. ومن بين أكثر أعماله أهمية “سارة وسيرافينا” و”سولاس أوف ذا نايت سكاي”.

وتمنح مدينة فرانكفورت جائزة غوته التي تبلغ قيمتها 50 ألف يورو (54 ألف دولار) كل ثلاث سنوات لشخص بارز على أعماله الإبداعية التي تستحق شرف أن تخلد بذكرى الكاتب الألماني يوهان فولفجانج فون غوته.

يشار إلى آخر الفائزين بالجائزة كانت المخرجة المسرحية الفرنسية أريان منوشكين في عام 2017.

والكاتب البوسني جواد كاراحسن اهتم في جل روايته بنبش الغبار عن الخراب الذي لحق بلاده أواسط تسعينات القرن الماضي إثر الحرب التي دارت ببلده، وما لحق المسلمين من إبادة جماعية في العام 1995، علاوة على حنينه للوطن وهو المنفي.

عالم مظلم

أصدر جواد كاراحسن في العام 2007 كتابا حمل عنوان “تقارير من العالم المظلم”، وهو بمثابة تقارير تراوح بين الخيال والواقع عن معاناة البوسنيين في غربتهم وعن تداعيات الحرب على حياتهم.

وشمل كتاب كاراحسن خمسة نصوص نثرية، تأرجحت بين الخيال والحقيقة. قام فيها الراوي برحلة داخل سراديب “عالم مظلم”، عالم لا ملامح له، عالم قائم بين أشخاص وحيدين اقتُلعت جذورهم، يعيشون في حالة غيبوبة، “بعيدين عن النوم بُعدهم عن اليقظة”. فدوّن كاراحسن قصصهم ومعايشاتهم وأفكارهم وخرج بمجموعة تقارير متسلسلة حول الحياة “في الغربة في أوقات المحن”.

ويتحدّث في كتابه عن أشخاص شهدوا بأم أعينهم اختفاء مدينتهم سارييفو بفعل الدمار، تلك المدينة التي عاشوا فيها سنوات حياتهم، ولكن بدأ الشك يساورهم إن كانوا حقا قد عاشوا تلك الحياة التي تسكن ذاكرتهم أم أنها مجرد خيال. لقد تلاشت الحقيقة أمام أعينهم وأصبحت بعيدة المنال.

وتشبه هذه التقارير أجزاء صورة مبعثرة، إنها عالم خيالي ينتقل من خلاله القارئ إلى البوسنة التي تسكن الذاكرة وإلى ذلك العالم الذي كان يحلم به البوسنيون.

كاراحسن ظل يسطر باستمرار ذكرياته في كتبه التي لا تكاد تخلو من ذكر مدينته، منذ هروبه من البوسنة في العام 1993

ينهار العالم وتتبعثر أشلاء الذكريات يوما بعد يوم، وتتوالى على الذاكرة جميع القصور التي دُمرت خلال إعادة إعمار سراييفو القديمة في السنوات الأخيرة، ويكتب كاراحسن “في مكان ما في داخلي ما زلت أسمع حتى الآن خرير نافورة المياه.. ألا تزال تلك الأقدام تمشي على درج الخشب، ألا يزال صدى ضحكة تلك الفتاة يدوي؟ إنهم يعيدون تشكيل حياتهم الماضية بدقة بالغة تصل حد الجنون، يدافعون عن كل ذكرى صغيرة، ليثبتوا لأنفسهم أن العالم الذي عاشوا فيه حقيقة وليس خيالا”.

ورحلة الراوي ههنا، هي بمثابة رحلة في غياهب الماضي أيضا. تلامس ذكرياته الخاصة الذكريات التاريخية في تاريخ البوسنة، وعن ذلك قال في مقابلة صحافية “أحداث من ماضي شعبي العريق، لا أريد أن أعلم عنها شيئا أو أمعن التفكير بها لأنها تضم أحداثا كثيرة كئيبة وخطيرة ومعقدة”.

ويصادف الروائي في معسكر الاعتقال السابق في مدينة ثيريسيينستاد آثار غافريلو برينسيب، المجرم الذي أشعل نار الحرب العالمية الأولى باغتياله وريث العرش النمساوي في سراييفو وزوجته رميا بالرصاص في العام 1914.

أما في إسطنبول فيصادفه تاريخ جلال الدين علي باشا، أحد أكثر وزراء البوسنة ميلا للقتل والدم، ذلك الرجل الذي خلّد حبه الرقيق لفيله الذي مات في خريف العام 1821 بلوحة من الخط “أنت أيضا يا أخي غريب مثلي في هذا المكان”.

نصوص نثرية تأرجحت بين الخيال والحقيقة
جمال الحياة في سراييفو والتنوّع الذي يميّز البوسنة

أسئلة بعد أسئلة تطالع القارئ خلال رحلته مع الكاتب، أسئلة عن قابلية عرض ونقل هذا العالم عندما “يكون وراء كل ما كُتب وجه آخر قوي وعلى نفس الدرجة من الأهمية، لكنه يتناقض تماما مع هذا المسطور، كيف يمكن وصف ذلك؟”.

في كتاب “كيف كانت البوسنة وسراييفو وما الذي تبقى منهما؟” الصادر عام 2007 يبعث جواد كاراحسن بـ”تقارير من العالم المظلم” وهي تقارير بين الخيال والواقع عن معاناة البوسنيين في غربتهم وعن تداعيات الحرب على حياتهم.

يقول في أحد فصوله “بدأ حصار سراييفو في العام 1992 عندما تم تدمير معهد الاستشراق فيها وما يحتويه متحفه من أثريات قيمة. إن البربرية تبدأ عندما يُشطب الماضي، وتاريخ مشطوب يعني ذكريات ممحيّة”.

لقد ظل الكاتب كاراحسن يسطر باستمرار ذكرياته في كتبه التي لا تكاد تخلو من ذكر مدينته، منذ هروبه من البوسنة في العام 1993 وبداية حياته في المنفى. فهو يتحدث في كتبه عن جمال الحياة في سراييفو والتنوّع الذي يميّز البوسنة، ذلك التنوع الذي يشبه لوحة من أحجار موزاييك دمرتها براثن الحب. ويضيف أنه ينحو في ما يكتبه “نحو المثالية، نحو الذكريات، تحت الظلال”.

غوته التسامح

رحلة في غياهب الماضي
رحلة في غياهب الماضي

الشاعر اليوم وفقا لرؤية غوته “ليس مجرد وريث للغته الخاصة وحدها، وإنما هو وريث كذلك للغات كلها وللكون كله”، هذا ما قاله الشاعر السوري أدونيس في كلمة بمناسبة استلامه جائزة غوته في فرانكفورت سنة 2011. فغوته لم يكن حبيس ثقافة واحدة، وإنما اطلع على ثقافات متعددة كاليونانية والصينية والفرنسية والفارسية والعربية، وغيرها من الثقافات.

وجائزة غوته التي تمنحها مدينة فرانكفورت الألمانية كل ثلاث سنوات لشخص بارز على أعماله الإبداعية التي تستحق شرف أن تخلد بذكرى الكاتب الألماني يوهان فولفجانج فون غوته (1749 – 1832)، لم تأت من فراغ، فالشاعر الألماني غوته على عكس أدباء وشعراء أوروبيين نظروا إلى الإسلام نظرة منغلقة، جاء هو بنظرة تتميز بالانفتاح على الثقافة العربية والإسلامية.

واهتمام غوته وحبه للثقافتين العربية والإسلامية لم يتجليا فقط في عمل واحد وإنما في عدة أعمال، بل وفي عدة مراحل من تكوين هذا الشاعر. لكن يبقى “الديوان الشرقي الغربي” عمل غوته الأهم الحامل للمسة إسلامية وعربية وفارسية أيضا.

تقارير بين الخيال والواقع عن معاناة البوسنيين في غربتهم
تقارير بين الخيال والواقع عن معاناة البوسنيين في غربتهم

ويلمس المتتبع لأعمال غوته من غير شك التأثير العربي والإسلامي على أعماله، لكن الباحثين يختلفون حول مدى قوة ذلك التأثير. فالبعض يعتبر المكون العربي – الإسلامي في أدب غوته مكونا ثانويا، بينما يرى آخرون أنه مكوّن أساسي في أعمال شاعر ألمانيا الكبير، كما هو الشأن بالنسبة للباحثة الألمانية – الأميركية كاترينا مومزن.

وترى مومزن في كتابها “غوته والعالم العربي” أن غوته ما كان ليصل إلى ما هو عليه لولا اطلاعه على الثقافة العربية والإسلامية، كما أثبتت الباحثة الألمانية اطلاع غوته الواسع على القرآن الكريم وحكايات ألف ليلة وليلة والمعلقات الشعرية العربية، والشعر الفارسي المتمثل في شعر حافظ الشيرازي، وغيرها من روافد الثقافة العربية والإسلامية. “ربما لم يحدث في أي لغة هذا القدر من الانسجام بين الروح والكلمة والخط مثلما حدث في اللغة العربية”، وهو وصف غوته ذاته للغة العربية.

وبرز غوته في فترة تاريخية تميزت بحضور قوي للاستشراق الألماني، حيث تم اكتشاف حكايات ألف ليلة وليلة بعد ترجمتها إلى الألمانية، كما ظهرت دراسات حاولت أن تقرّب الألمان من الثقافة العربية والإسلامية، بالإضافة إلى ظهور معجم المستشرق الألماني كارل بروكلمان الذي اهتم بالأدب العربي. فانفتح القراء الألمان على عالم آخر بلغته وخياله وتصوّره للعالم، الأمر الذي أحدث دهشة لدى القارئ الألماني.

وانفتاح غوته على الثقافة العربية والإسلامية أعطى لشعره نوعا من الدفء والروحانية، كما يشرح عبدالرحمن طنكول العميد السابق لكلية الآداب في جامعة فاس والناقد المغربي الذي يرى أن هذا الدفء امتد إلى الشعر الأوروبي ككل، وعن ذلك يقول “غوته هو من الشعراء الألمان والأوروبيين القلائل الذين استطاعوا أن يعلوا بالمدرسة الشعرية الألمانية والأوروبية بفضل التأثير المشرقي”.

وما الجائزة الموقّعة باسم غوته والتي تحصل عليها الخميس الكاتب البوسني المسلم جواد كاراحسن، إلاّ تكريس لهذا الانفتاح الثقافي والتسامح الفكري الذي آمن به الشاعر الألماني طوال حياته.

15