جودة عبدالخالق.. عدوّ الإخوان والفساد والسيطرة الأجنبية

أستاذ الاقتصاد الذي يشهد على أصعب لحظات مصر في مذكراته بعنوان “من الميدان إلى الديوان، مذكرات وزير في زمن الثورة” .
الأحد 2020/03/01
نموذج مثالي لصنف آخر من المعارضة

يقول الكاتب البريطاني جورج برنارد شو “السلطة لا تفسد الرجال، وإنما الأغبياء إن وضعوا في السلطة فإنهم يفسدونها”. وتبقى المقولة صالحة لقراءة تجارب رجال كُثر عارضوا السلطة ثم انخرطوا فيها، فمنهم من انقلب على تاريخه وثوابته، ومنهم مَن استغنى فصار أكبر من السلطة بقيمه ومبادئه وأفكاره.

الاقتصادي المصري جودة عبدالخالق، مثال نموذجي للصنف الثاني. وقف الرجل أمام السلطة معارضا طوال حقبة الرئيس حسني مبارك من خلال عضويته في حزب التجمع الاشتراكي، فلما جاءته السلطة وصار وزيرا، عقب ثورة يناير 2011، ظل قابضا على قيمه، حريصا على مبادئه، لا يتغير ولا يبدل مواقفه رغم علمه أن ذلك قد يكون ضد مفهوم السياسة التي تقتضي ملاينة البعض وإرضاء البعض الآخر، ما جعل الوزارة خلفه لا أمامه، تطارده هي وتسعى إليه كلما تغيرت حكومة.

في مذكراته التي صدرت قبل أيام بعنوان “من الميدان إلى الديوان، مذكرات وزير في زمن الثورة” يستعرض بصدق شديد تجربته كوزير في حكومة أحمد شفيق، ثم مع حكومة عصام شرف، واستمراره في منصبه خلال حكومتي كمال الجنزوري، وهي فترة توصف بأنها صعبة جدا، شهدت تحديات جمة وصراعات قاسية، وشدا وجذبا وضغوطا وسياسة وحزما ولينا وتغيرات ومفاجآت لا حدود لها.

يقول عبدالخالق لـ”العرب” إنه استهدف بتلك المذكرات تقديم شهادة تبين للناس حقيقة الصراع الذي دار بين تيار الثورة وأركان الدولة العميقة خلال المرحلة الانتقالية، وقراءة دور الوزير في أي حكومة، ورغم كل شيء فهو دور محدود ومقيد.

شهادة رجل الضد

تبدو تجربة “استوزار” الرجل من الـ23 من فبراير 2011 وحتى الـ30 من يوليو 2012، وهو الاشتراكي العتيد منذ الصبا، والمطبق للاشتراكية في حياته شديدة الغرابة من عدة وجوه، أولها أن الرجل يمثل نموذجا في التمسك بالأفكار الاشتراكية، ومع ذلك شارك في أربع حكومات متتالية، جميعها ليبرالية تؤمن بالقطاع الخاص وتبشّر به وتدافع عن دوره في التنمية.

شهادة تبين للناس حقيقة الصراع بين تيار الثورة وأركان الدولة العميقة خلال المرحلة الانتقالية
شهادة تبين للناس حقيقة الصراع بين تيار الثورة وأركان الدولة العميقة خلال المرحلة الانتقالية

الوجه الثاني له يأتي من أنه كان رجلا مختلفا في التوجه الفكري والسمات الإنسانية، بدءا من اعتياد التنقل بالمواصلات العامة والإصرار على عدم ارتداء “الكرافتة” في المناسبات السياسية، وحتى قيامه بفتح أبواب مكتبه لبسطاء يرتدون الجلباب دون مواعيد مسبقة.

ثالث وجوه الغرابة يتمثل في قدرته المدهشة على التعامل بقوة مع المزايدين عليه من معسكر اليسار، كاشفا زيف شعاراتهم وقاطعا عليهم طريق الاسترزاق السياسي.

عمل عبدالخالق أستاذا للاقتصاد في جامعة القاهرة، وكان شديد الحرص على الوقوف في الضفة الأخرى لنظام الرئيس الأسبق حسني مبارك، في أوج قوته، كما وقف وهو وزير في مواجهة علنية مع جماعة الإخوان المسلمين، وهي تحتفل باستيلائها على السلطة في مصر، غير خائف من عقاب ولا حريصا على مكسب.

يرجع مفتاح تجربة عبد الخالق لسنوات الستينات من القرن العشرين عندما كان معيدا في الجامعة، فرغم الشعارات المتداولة بشأن الاشتراكية، كان يعي أن كثيرا من المبشرين بها غير اشتراكيين في الحقيقة، هم مجرد حفنة من المتسلقين يسترزقون بنفاق السلطة.

وتذكّر تلك الحكاية التي تؤسس لطريقته المختلفة في التعامل مع من حوله، ففي منتصف الستينات أقامت الدولة المصرية منظمة الشباب للترويج لسياساتها الاشتراكية وانضم هو إليها، ليخبروه بأن المنظمة ستعقد اجتماعا مع علي صبري، رئيس الوزراء في ذلك الوقت. وطلب المسؤولون بالمنظمة من كل شاب أن يكتب سؤالا، لكنّهم أخبروهم أنه سيتم جمع الأسئلة وإعادة توزيعها على الحاضرين بشكل عشوائي ليسأل كل شاب سؤال زميله كنوع من إنكار الذات.

كتب هو سائلا عن سبب تأخر الحكومة في إعلان الخطة الخمسية، وحصل على سؤال آخر، لكنه انتظر أن يسأل أيّ من الزملاء سؤاله ولم يحدث، وانتهز الفرصة عندما حان دوره فسأل سؤاله المستبعد وتجاهل السؤال المقدّم له، ما آثار غضب قيادات المنظمة وقاموا باستجوابه بعد اللقاء، لكنه بادر إلى إعلان الخروج من المنظمة، وأخبرهم أنه راهن نفسه أن يكونوا مدلسين ولا يشرفه البقاء معهم.

قبل عبدالخالق عرض شفيق بالتكليف بوزارة التضامن الاجتماعي والتموين، لكنه اشترط تبديل اسم الوزارة إلى “التضامن والعدالة الاجتماعية” للتأكيد على هدف الوزارة بالسعي لتحقيق أحد شعارات ثورة يناير، ويبقى على طبيعته ولا يلتزم بارتداء الكرافتة، وألا يتم وضع حراسة على بيته كي لا يزعج جيرانه، ويذهب إلى عمله كما كان دوما في مترو الأنفاق، ووافق رئيس الحكومة على شروطه عدا الأخير، نظرا لوجود خطة تأمين للوزراء تستدعي عدم استخدام المواصلات العامة.

إيمان بالدولة القوية

وقف أمام السلطة معارضا طوال حقبة مبارك، فلما جاءته السلطة وصار وزيرا، عقب ثورة يناير 2011، ظل قابضا على قيمه.
وقف أمام السلطة معارضا طوال حقبة مبارك، فلما جاءته السلطة وصار وزيرا، عقب ثورة يناير 2011، ظل قابضا على قيمه

علم يقينا أن وجوده كوزير اشتراكي ضمن حكومة ليبرالية يجعله عاجزا عن تطبيق أفكاره عمليا، ورأى أن الفرصة متاحة ليحاول ويقاوم ما يراه مناقضا لمبادئه، على الأقل في الوزارة التي يديرها، وهنا تجلّت تطبيقاته العملية في ضغط مصروفات الوزارة لأقصى درجة ممكنة، ما دفعه إلى مراجعة أعداد المستشارين ودراسة الاحتياج الحقيقي لكل منهم، ثم الاستغناء عن معظمهم، والإصرار على دفع قيمة وجبة الغذاء التي يتناولها في مكتبه.

كان الاحتكاك الفعلي الأوضح بين فكر الرجل والواقع في أزمة شهيرة عرفت بأزمة الأرز عندما رفع تجار الأرز أسعار التوريد لوزارة التموين، فطلب الوزير من مساعديه تعديل نظام مناقصات الأرز بما يقلل احتمال المضاربة، ويحقق استقرارا أكبر للسعر، ويجعل السوق مفتوحا أمام القطاعين العام والخاص.

وعلم التجار بالأمر فهددوا بالإضراب إن لم يتم قبول الأسعار، واجتمع الوزير مع رئيس شعبة صناعة الأرز وسأله عن صحة التهديد، فأكّده، فقال له الوزير “إن الأرز قضية أمن قومي، وإذا أضرب المورّدون فلدينا أماكن خالية في عدة سجون في مصر، وشعر كبير صناع الأرز بالتهديد، فعاد وقال “صناع الأرز رفضوا الإضراب”.

لجأ الوزير الاشتراكي هنا إلى التهديد بالسجن إيمانا منه بضرورة أن يكون للدولة دور رئيسي قويّ في مواجهة أزمات يدبرها أصحاب المصالح. وكان انتقد لجوء الحكومة إلى التفاوض في أزمة اعتصام أهالي قنا رفضا لتعيين الحكومة لمحافظ مسيحي، إذ كان من رأيه أن تنفّذ الحكومة قرارها وتفض اعتصام الأهالي المعترضين بالقوة، ولو أدى ذلك إلى سقوط ضحايا.

يؤمن عبدالخالق أن الدولة يجب أن تكون حازمة في التعامل مع أيّ شيء يمس الناس، وبنفس القدر عليها حفظ صورتها ككيان حاكم قوي قادر على إنفاذ القانون على الجميع.

عدو التمويل الأجنبي

المثير أن الاقتصادي اليساري يبدو صلبا وعمليا في مواجهة زملائه أنفسهم من رافعي رايات اليسار عندما يتعلق الأمر بمصالح البلاد العليا، ففي الشهور التالية لثورة يناير حدثت حالة سيولة في المجتمع وتكاثرت المطالب الفئوية والاعتصامات والاضرابات، وكان من الخطير أن يهدد عمال شركة مطاحن مصر العليا بالإضراب لو لم تتم زيادة أجورهم.

لم يكن بوسع الوزير الاستجابة لمطالبهم غير المقنعة، ووجد نفسه أمام قنبلة موقوتة إذ اختفى الدقيق من بعض المدن، وقرّر نقل الدقيق من القاهرة وبعض المحافظات إلى جنوب مصر كي لا يخضع لابتزاز عمّال الشركة، واتفق مع المشير محمد حسين طنطاوي، رئيس المجلس العسكري على تأمين عمليات النقل، وقرر تحويل جميع العمال إلى النيابة، ما دفعهم إلى التراجع ولم يقبل بعودتهم للعمل إلا بعد توقيعهم تعهدات بعدم التوقف.

واجه عبدالخالق زملاء له في حزب التجمع اليساري كانوا يحرضون العمال على الإضراب، وقالوا عنه إنه تغير بعد الوزارة، لكنه ذهب إليهم وقال إنه لم يتغير لكن العدالة الاجتماعية تعني أن يصل الدقيق المدعّم إلى الفقراء في جنوب مصر، وما يفعله عمال الشركة لا علاقة له بالعدالة.

على مستوى السياسات الخارجية كان الرجل معبّرا عن توجه صلب وقوي يرفض التدخل الأجنبي في شؤون البلاد، متشككا في نوايا الدول الغربية، ما دفعه أن يكون رأيا رافضا للتمويل الأجنبي للجمعيات الأهلية، وباعتباره الوزير المسؤول عن النشاط الأهلي أثار فور توليه منصبه قضية قيام سلفه في آخر يوم له في الوزارة بالموافقة على منحة قطرية لجمعية أنصار السنة المحمدية بمبلغ 38 مليون دولار.

وطالب بالتحقيق في استخدامات تلك الأموال، وفيما بعد اكتشفت الجهات الأمنية أن بعض مساجد تلك الجمعية قامت بتخزين الأسلحة فيها، بما يكشف حجم التواطؤ القطري مع هذه الجمعيات.

اختيار الإخوان له، رغم اصطدامه المباشر معهم، لا يقدم له عبدالخالق أيّ تفسير، لكنه يؤكد لـ"العرب" أنه كسياسي مخضرم يعرف تماما أن قوى الإسلام السياسي تعادي الفكر الاشتراكي، ويعتقد بترجيح كبير أن اختياره كان يستهدف توريطه

رفض عبدالخالق فيما بعد إعلان هيئة المساعدات الأميركية توجيه 50 مليون دولار من مساعداتها لمصر إلى الجمعيات المعنية بالنشاط السياسي، معتبرا ذلك تدخلا سافرا. مع أن السفيرة الأميركية مارغريت سكوبي كانت أول من زاره بعد توليه الوزارة، ومعها المستشار الزراعي للسفارة الأميركية في القاهرة، لكنه كان يرى أن الهدف من وراء ذلك هو رصد ما يحدث في مصر بدقة.

يشير الرجل إلى اعتقاده بأنه كأستاذ اقتصاد الأولى له أن يتولى حقيبة المالية، لكنه يعي تماما أن صاحب هذا المنصب يصبح ممثلا لبلده في مجلس محافظي صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، لذلك لن تقبل المنظمات الدولية بشخصية يسارية مثله لها رؤية مناقضة، كما أن الولايات المتحدة باعتبارها المهيمن لن ترحّب به.

ورغم منطقية هذا الكلام النظرية، فإنه ليس قاطعا لأن الولايات المتحدة أو المنظمات الدولية لم تعترض من قبل على وزير مالية للصين أو أيّ دولة اشتراكية لديها عضوية في المؤسسات المالية، ولا تملك حق الاعتراض على شأن داخلي.

وبدا نفور الوزير من فكرة السيطرة الأجنبية واضحا إلى حد تكليف مساعديه بإزالة لافتة تحمل اسم “اللجنة العامة للمساعدات الأجنبية” وهي إحدى اللجان التابعة للوزارة، حيث آلمته الكلمة وآلمه أن تكون اللافتة بارزة كأن الدولة تحتفل بتلقي المساعدات.

بادر حزب التجمع الذي ينتمي إليه جودة عبدالخالق بترشيح المستشار هشام بسطاويسي لرئاسة الجمهورية، وفوجئ بزيارة من قيادات حزب “حراس الثورة” طالبوه فيها بالترشح للرئاسة، مع إصرار بعض المواطنين على تمويل حملته الانتخابية، لكنه اعتذر وشكرهم.

لم يكشف الرجل سبب اعتذاره، ما دفع لسؤاله عن السبب في عدم الترشح لا للفوز ولكن لتقديم تجربة ديمقراطية معبّرة عن اليسار، فقال لـ”العرب”، “كان ينبغي لليسار أن يتفق على مرشح واحد، لأنّ تعدد المرشحين يفتّت الأصوات ويصبّ في صالح مرشّح الإخوان”. وكان يعي جيدا أن وصول هؤلاء إلى الحكم يقود البلاد إلى خراب.

صدام مع الإخوان

التمويل الأجنبي من الأمور التي يرفضها عبدالخالق رفضاً جذرياً
التمويل الأجنبي من الأمور التي يرفضها عبدالخالق رفضاً جذرياً

مثلما اصطدم الرجل بالفاسدين من فلول نظام مبارك، اصطدم بالإخوان المسلمين أفرادا وقيادات، وكان السبب المباشر أنه اكتشف في أزمة إسطوانات البوتجاز كيف يستغلونها لتحقيق مصالح شخصية لهم.

وعندما ذهب إلى البرلمان ليردّ على تساؤلات النواب لاحظ إصرار نواب الإخوان على تقديم طلبات شخصية له، مثل الموافقة على إنشاء مخبز أو زيادة الحصص من الدقيق، ورفض الاستجابة لهم، ما دفع النواب إلى التكالب ضده ومهاجمته في إحدى الجلسات، فرد بأن كلامهم لا يصح ولا يليق بنواب برلمان، وفوجئ بصياح النواب مطالبين إياه بالاعتذار، لكنه رفض تماما.

في المرحلة الثانية من الانتخابات الرئاسية التي تلت ثورة يناير، لم يجد الرجل بدّا من منح صوته إلى شفيق في منافسته محمد مرسي، رغم إصرار أصدقائه اليساريين على فكرة إبطال الأصوات. وعندما تولى مرسي، كان عبدالخالق اتخذ قراره بالرحيل من الحكومة لإيمانه بنجاح الإخوان في سرقة الثورة، ويقينه بعدم إمكانية التعامل معهم.

في أول لقاء للرئيس الإخواني بالحكومة، طلب عبدالخالق التعليق على كلام الرئيس بحل مشكلات مصر خلال مئة يوم، وقال “من يتحدث عن حل أزمة الخبز في مئة يوم إما أنه لا يفهم مشكلات البلاد ويقول أيّ كلام، وإما أنه يفهم المشكلات بتعقيداتها لكنه يقول أيضا أيّ كلام، لذا أنا غير مسؤول عن حلّ مشكلة الخبز في مئة يوم”.

وأخرج عبدالخالق ورقة ورفعها قائلا “لديّ دليل على أن أعضاء جماعة الإخوان يحاولون السيطرة على توزيع الخبز في بعض المناطق، وهذه استمارة طبعوها زورا باسم مديرية التموين في الإسكندرية لتجميع الخبز لديهم، ولن أسمح للإخوان بالتحكم في تموين مصر، وهذه مسألة بين المواطن والدولة ولا دخل لأيّ فصيل سياسي فيها لا الوفد ولا التجمّع ولا الإخوان”.

بعد قيام مرسى بتكليف هشام قنديل بتشكيل حكومة جديدة في الـ24 من يوليو 2012 فوجئ عبدالخالق باتصال من قنديل عرض عليه تولي منصب وزير التموين.

في المذكرات لم يقدم الرجل تفسيرا لاختيار الإخوان له رغم اصطدامه المباشر بهم، لكنه قال لـ”العرب”، إنه كسياسي مخضرم يعرف تماما أن قوى الإسلام السياسي تعادي الفكر الاشتراكي، ويعتقد بترجيح كبير أن اختياره كان يستهدف توريطه في أيّ أمر ثم إقالته وحرقه سياسيا. ولذلك كان شديد الرفض لهذا العرض الملغوم.

8