جودت سعيد مؤسس فلسفة اللاعنف في سوريا والعالم العربي

السبت 2014/02/22
سعيد شيخ إسلامي وديمقراطي

لم تشغل قضية الاعتدال والتسامح واللاّعنف مفكرا إسلاميا معاصرا، كما شغلت فكر الشيخ جودت سعيد وأطروحاته الإسلامية، حتى أصبح يمثل تيارا خاصا من تيارات الفكر الإسلامي المعاصر المناهض لفكرة العنف والتطرف، في وقت صعدت فيه الأفكار الجهادية والمتطرفة للحركات الإسلامية السلفية إلى واجهة النشاط السياسي الإسلامي لتلك الحركات، خلال العقود الثلاثة الأخيرة.

لكن ذلك ومع هذه الدعوة للاّعنف لم يمنعه من أن يقف ضد الاستبداد والديكتاتورية على خلاف الكثيرين من رجال الدين، وإن ظل ينادي بالمقاومة السلمية لتلك الديكتاتوريات العسكرية، كما هو الحال بالنسبة إلى موقفه من الثورة السورية الذي اعتبر ملهما للكثيرين من الناشطين السلميين الذين قادوا الانتفاضة السلمية في شهورها الأولى ضد النظام، والذي لم يتورع عن ممارسة كل أشكال العنف لإسكات صوت الثورة والقضاء عليها.


تأثير مالك بن نبي ومحمد إقبال


تعود بدايات فكر الاعتدال عند الشيخ سعيد إلى تأثره بمفكرين إسلاميين مهمين، هما الجزائري مالك بن نبي الذي قام بتدريس كتبه شروط النهضة والأفريسيويه وتأملات لطلابه، والباكستاني محمد إقبال، ما جعله يشكل امتدادا لمدرستهما على هذا الصعيد.

هذا الافتتان بفكر مالك بن نبي جعله يتعرف إليه في أواخر فترة إقامته في مصر بعد انتهائه من دراسة الأدب العربي في جامعة الأزهر.

صاغ فكر الاعتدال واللاعنف في أهم مؤلفه الذي صدر في منتصف الستينات وحمل عنوان مذهب ابن آدم أو مشكلة العنف في العمل الإسلامي، حيث ناقش فيه علاقة العنف بالإسلام، معتبرا أن التوحيد مسألة سياسية اجتماعية، وليس مجرد قضية ميتافيزيقية إلهية.

كما ناقش في هذا الكتاب مسألة الزيادة في الخلق التي رأى أنها تقوم على قاعدة أن العالم لم يخلق وانتهى، بل هي مرتبة وجود الشيء كقانون وسنّة حتى قبل وجود العالم بالفعل. كذلك تُبرز أطروحاته حول فكرة النفعية التي يركز عليها كثيرا، اعتمادا على النص القرآني الذي يقول( كذلك يضرب الله الحق والباطل، فأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض).


الإسلام والمعاصرة


شغلت فكر جودت سعيد قضايا العالم الإسلامي المعاصرة، ومنها موضوع الانفصام الاجتماعي الذي يعاني منه المسلمون اليوم، حيث يدفع ذلك بهم إلى الانسحاب من الحياة أو الذوبان فيها.

كذلك يناقش موضوع اللباس الإسلامي الذي يجد أنه يتطلب من الثقافة والروح ما يعطي المبرر والمسوغ له، بحيث يؤدي ذلك إلى حل الكثير من المشكلات التي يعاني منها المسلمون. كذلك يعالج في فكره موضوع أهمية المرأة الذي كان يسيطر على تفكيره، وهو ما تجلى في أولى ممارساته مع شقيقاته اللواتي كن يشاركنه في الحياة عملا وفكرا، بصورة كانت النتائج من خلال تلك التجربة إيجابية جدا.

بعد انسحاب الاحتلال الإسرائيلي عن قريته بموجب اتفاقية فصل القوات بين النظام وإسرائيل عام 1974 عاد إليها وظل هناك يمارس نشاطه في الزراعة وتربية النحل

هذا التأثير الإيجابي لفكره كان واضحا عندما التقيت لأول مرة بابنة أخيه التي كانت تدرس الموسيقى في أحد معاهد دمشق، ولم يكن في مظهرها ما يدل على التعصب، على الرغم من أنها عرّفت عن نفسها بأنها ابنة شقيق المفكر الإسلامي جودت سعيد دلالة على الاعتزاز بفكره.


كن كابن آدم


وللشيخ جودت سعيد الكثير من المؤلفات والمطبوعات التي يعالج فيها قضايا مختلفة، تخصّ الواقع الإسلامي المعاصر، ولكن برؤية تاريخية قرآنية وعلمية في آن معا. ومن تلك المؤلفات كتابه الشهير “كن كابن آدم” الذي يناقش فيه مسألة التغيير في العالم الإسلامي متبعا في تحليله وعرضه لتلك القضايا الملحة منهجه الخاص، البعيد عن المغالاة، الأمر الذي جعله يهاجم فكر ابن تيمية بصورة خاصة، باعتباره المرجع الذي اعتمدت عليه حركات الإسلام السياسي العنفية والجهادية، ما استدعى من تلك الحركات الهجوم عليه. فلقد رأى في مفهوم التغيير سنّة من سنن الحياة التي أوجدها الله على هذه الأرض، إلا أنه وضع شرطا لازما لتحقيق هذا التغيير هو تغيير ما في النفوس.

يقوم المنهج الفكري للشيخ سعيد على قاعدة أساسية ترى ضرورة التفريق بين النظرية والتاريخ، وبين الإسلام كدين والمسلمين كتطبيق، انطلاقا من أن النظرية تشكل القاعدة، في حين أن التاريخ هو التطبيق. لذلك يحاول في سلسلته الفكرية “سنن تغيير النفس والمجتمع″ البحث عن حل لمشكلة تخلف المسلمين وتدني مستوى الوعي عندهم وغياب فاعلياتهم على مستوى أحداث العالم من جهة، ومن جهة عجزهم عن مواجهة الأطماع الاستعمارية التي تستغل ضعفهم للسيطرة عليهم ونهب ثرواتهم. وهو يرى أن العنف في المجتمعات الإسلامية يعد أمّ المشكلات ورأس الفتن. ولا تختلف أطروحاته المتقدمة في مؤلفاته الأخرى عن هذه الرؤية المنفتحة على الحياة والعصر، فهو دائم الدعوة إلى قيام مجتمع إنساني يعيش فيه البشر جميعا على قدم المساواة وفي جو تسوده المودة والتسامح. لم تختلف أطروحاته في كتبه الأخرى “مذهب ابن آدم الأول” و”اقرأ وربك الأكرم” و”حتى يغيروا ما بأنفسهم”، و”العمل قدرة” و”إرادة ورياح التغيير” عن أطروحاته السابقة الرافضة للعنف، والداعية إلى الانفتاح على الحياة المعاصرة والأخذ بأسباب العلم، وهو ما تجلى في دعوته إلى التمسك بالعقل والابتعاد عن التفسير الجامد للنصوص المكتوبة.

سارع الشيخ سعيد إلى الوقوف إلى جانب الثورة في سوريا على طريقته التي قاد مظاهراتها السلمية الكثير من أتباعه


نحن والآخر


لا يخفي الشيخ سعيد إعجابه بالتجربة الديمقراطية في أوربا وبفكرة الاتحاد الأوروبي، التي لم يستطع المسلمون تحقيق مثيل لها، على الرغم من أن تلك الفكرة تبلورت بعد تاريخ طويل ودامٍ من الحروب والصراعات الأوربية، القومية منها والدينية.

هذا الفشل الإسلامي في تحقيق نموذج مشابه للنموذج الأوروبي يعيده إلى غياب التوافق بين جميع الأطراف في المجتمعات الإسلامية على وقف استخدام السلاح والعنف لفرض الأفكار بالقوة وبالتخويف.

وفي هذا السياق يقدم سعيد مثالا راهنا على هذا السلوك العنفي ويتجلى ذلك في مثال النظام السوري الذي استخدم سياسة العنف والإكراه لإخضاع الناس وتخويفهم، لكنه رغم ذلك لم يتمكن من تركيعهم، أو يقضي على ما كان يدور في عقولهم وقلوبهم من توق إلى الحرية، والثورة من أجل التحرر من سلطة القمع والإكراه.


الثورة السلمية


منذ انطلاق الثورة السورية سارع الشيخ جودت إلى الوقوف إلى جانب الثورة التي قاد مظاهراتها السلمية الكثير من أتباعه، وفي مقدمتهم أيقونة الثورة السورية السلمية غياث مطر الذي قاد الحراك الشبابي في منطقة داريا، وكان يوزع مع شباب داريا الماء والورود على الجنود السوريين الذين دفع بهم النظام لقمع انتفاضة الشباب السلمي هناك، الأمر الذي دفع بأجهزة النظام إلى العمل أولا على تصفية قادة هذا الحراك السلمي، وفي مقدمتهم غياث مطر، وذلك بالتوازي مع نهج العنف والمجازر المتنقلة والاغتصاب الذي كان يمارسه النظام لدفع ما تبقى من الحراك الشبابي نحو استخدام العنف وسيلة للرد على عنف النظام، الذي كان يسعى إلى تحويل النضال السلمي من أجل الحرية والكرامة، إلى معركة مفتوحة ذات طابع طائفي مع قوى مسلحة يمتلك فيها جميع عناصر القوة لتبرير عنفه المتصاعد بهدف القضاء على هذه الثورة.

مشاركة الشيخ سعيد في الثورة لم تقتصر على الدور الذي لعبه أتباعه فيها بل كانت له مشاركاته المعروفة من خلال الدعوة الصريحة إلى جهاد الكلمة في محاضرته التي ألقاها في منطقة جاسم جنوب سوريا والتي زارها أثناء الشهور الأولى للثورة، وفي مدينة دوما بريف دمشق.

وعندما اضطر لمغادرة سوريا إلى اسطنبول ألقى العديد من المحاضرات في كندا وأوروبا والولايات المتحدة الأميركية حول الثورة السورية ومطالبها المشروعة في الحرية والتخلص من الاستبداد.

لم يخف الشيخ سعيد إعجابه بالتجربة الديمقراطية في أوروبا وبفكرة الاتحاد الأوروبي، التي لم يستطع المسلمون تحقيق مثيل لها


نهج متوازن


يعد الشيخ جودت المولود من عائلة شركسية في العام 1931 في قرية بئر عجم الواقعة في الجولان السوري المحتل واحدا من أعلام الدين الإسلامي المعاصرين الذين يتميزون بالحفاظ على توازنهم في سلوكهم ومواقفهم وفكرهم، فهو لم يهادن نظام الاستبداد ما جعله عرضة للاعتقال مرات عديدة كان آخرها عام 2000 أثناء انتخابات بشار الأسد الوريث، حين قام بكتابة كلمة “لا” في بطاقته الانتخابية معبرا عن معارضته لسياسة التوريث، ما دفع بالقائم على صندوق الاقتراع إلى شطب كلمة لا واستبدالها بكلمة موافق الأمر الذي دفعه للاعتراض على هذا التزوير الفاضح ، فما كان من عناصر الأمن إلا القيام باعتقاله.

تنقل في مراحل حياته الأولى بين مصر والسعودية التي أقام فيها عاما واحدا. وعندما احتلت إسرائيل قريته عام 1967 انتقل إلى دمشق للعيش فيها، وهناك مارس نشاطه الفكري الذي دفع بنظام البعث إلى اعتقاله وتسريحه من وظيفة التدريس في نهاية الستينات بعد أن ظل يعمل في مهنة التدريس كمدرس للغة العربية حتى ذلك التاريخ. بعد زوال الاحتلال الإسرائيلي عن قريته بموجب اتفاقية فصل القوات بين النظام وإسرائيل عام 1974 عاد إليها وظل هناك يمارس نشاطه في الزراعة وتربية النحل إلى جانب نشاطه الفكري، حتى قيام الثورة التي اضطرته مواقفه منها إلى مغادرة سوريا.

14