جورج أورويل مبتكر الحرب الباردة والأخ الأكبر ووجهه الآخر

السبت 2014/05/24
أورويل ذو مقدرة خارقة على فهم واقع الفظاعات السياسية التي ينكرها الآخرون

وقع بروفسور أميركي شاب على كنز أدبي، مائة رسالة غير منشورة كتبها جورج أورويل إلى وكيله ليونارد مور. كان قد مضى على وجودها في ركن مهمل في مكتبة جامعة إنديانا الأميركية سنوات عديدة.

جذلاً بهذا الاكتشاف كتب ذلك الأكاديمي المغمور مقالاً عن لقياه وأرسل به إلى التايمز ليتراري سبليمينت، وبالفعل نشر مقاله وبعد شهور ألفى ناشراً يقف عند عتبة بيته يحمل معه حذاء سندريلا. فقد دُعي هذا الشاب ليكتب السيرة الذاتية الجديدة لجورج أورويل.

من الواضح أن مايكل شيلدن كان أوفر حظاً من جميع الراغبين من كتاب السير الذاتية. ففي أثناء عمله في سيرة أورويل الذاتية جَعل يجد مزيداً من اللقى. فقد غنم العديد من الحقائق المتعلقة ببدايات أورويل وأجرى القدر الكبير من الأبحاث كي يبني صورة أكمل عن الفترة التي عاش فيها في بورما. فها هو يستشهد بمقطع بقي طيّ الكتمان من إحدى رسائله يحيي فيه علاقة مع إليانور جاك في ساوثولد، ويستخدمه لربط ممارستهما للحب في العراء، مع قصة حب في رائعته 1984. ويمضي ليكشف عن علاقته المعقدة مع ناشريه، وعن زواجه الأول من إلين وعن الفترة التي تعامل فيها مع البي بي سي.


محامي الدفاع عن أورويل


رغم أن بعض ما اكتشفه شيلدن كان مثيرا،ً فهو لم يضف شيئا يسوّغ به وضع كتاب، فما بالك الكتابة عن حياة كاملة. إن الحقائق لا تصنع سيرة ذاتية. بل كتّاب هذه السير هم من يصنعون تلك الحياة.

الطامة الكبرى في كتاب شيلدن ارتداؤه زي محامي الدفاع وخلعه رصانة الكاتب. فعلى سبيل المثال، كان أورويل مغرماً بالصور البذيئة ودائم الاحتفاظ بها، حتى أنه جعلها مادة لأكثر مقالاته أهمية. رغم ذلك لم يتطرق شيلدن إلى أي من ذلك. فقد بدا الأمر وكأنه يحرص على سمعة أورويل.

ولا تقف مجاملة شيلدن عند حدود الجنس أو البذاءة في حياة أورويل، بل تعدتها إلى نزوع هذا الأخير إلى العنف. فقد ذكر راينر هبينستال أن أورويل هاجمه وهو يبتسم بعصا “وعلى وجهه نظرة سادية ” وذلك عندما عاد مخموراً في إحدى الليالي إلى الشقة التي كانا يتقاسمانها.

رغم ذلك يتابع شيلدن دفاعه عن أورويل ويروي الحكاية بكلماته هو، مُحوّلاً الأفعال من صيغة المعلوم إلى صيغة المجهول مع إعادة ترتيب للتفاصيل. يقول هبينستال “هناك وقف أورويل، بعصاه. دفعني بها مصوباً الطرف المعدني منها إلى معدتي”. عند شيلدن تتحول الجملة إلى: ” كان أورويل واقفا أمام هبينستال ومعه عصا استخدمها لدفعه إلى الغرفة”. كما تحولت عبارة هبينستال ” سبب لي ضربة موجعة ما بين ساقي” إلى عبارة شيلدن ” ضُرِبَ بين ساقيه بالعصا”. ويستمر هبينستال ليصف كيف أن أورويل وبعد أن رفع العصا فوق رأسه، أمسك بكرسي ورفعه ” ليتلقى عليه الضربة الأولى النازلة من الطرف المعدني للعصا”. أما في نسخة شيلدن فيصبح الأمر: ” نظر إلى الأعلى ليرى ضربة أخرى في طريقها إليه. وتمكن من أن يتفاداها بكرسيه”.

أورويل لم يعارض الثورات، بل ضلالاتها. فقد كتب في مقال له: 'في مرحلة من المراحل سيكون من الضروري أن نمارس العنف'. وفي قصيدة أثارت الكثير من الجدال، كتب أورويل بأنه 'لا يمانع في قتل تشرشل بيديه بعد أن يتم كسب الحرب، وربما يقتله الآن لو أن هناك من يخلفه'

بتغييره تفاصيل العصا المجهزة بالمعدن إلى مجرد عصا بطرف من الألومنيوم، يقترب من تحويل سلاح مميت إلى مجرد عصا خشبية لا تسبب أذى. والأكثر أهمية أنه جعل من الشخص الذي اعتدى على هبينستال يختفي فعلاً لا قولاً من خلال تحويل الأحداث من صيغة المعلوم إلى صيغة المجهول. ففي آخر جملتين يغيب أورويل بشكل كامل، بمعجزة نحويّة عندما تكتب الضربة الأخيرة “عنفها هي”.

بعد أن خفف من وطأة الحدث وعتّم عليه من خلال إعادة سرده، يشير شيلدن إلى أن هبينستال حاول أن يضرب أورويل في البداية. ومن ثم لم يكن ممكنا لهبينستال أن يلمح النظرة السادية على وجه أورويل بما أنه كان ثملاً. إن الهدف من رواية شيلدن برمتها هو إزاحة مسؤولية العنف عن أورويل وإلصاقها بهيبنستال.

هنا نجد من الصعوبة بمكان تجاهل نصيحة أورويل التي ضمّنها مقاله ( السياسة واللغة الإنكليزية): ” لا تستخدموا صيغة المجهول في الوقت الذي تستطيعون فيه أن تستخدموا المبني للمعلوم”. وتزداد الصعوبة هنا، في أثناء نقاش مقال أورويل، فلدى شيلدن ما يقوله: ” إن صيغة المبني للمجهول الباردة الموضوعية تصنع العجائب لأي شخص يريد أن يكتب إنكليزية سيئة(………) فهي تساعد في التعمية على سؤال المسؤولية المربك”.


شخصية أورويل من الداخل


كان يمكن لمساعي شيلدن في التخلص من هبينستال كشاهد موثوق أن تكون مقنعة لو أنه صوّر أورويل وكأنه يتصرف من خارج شخصيته. لكن الصعوبة تكمن في أن أورويل يتصرف من ضمن شخصيته.

في الوقت الذي كان أورويل خصماً عنيداً للطغيان وذا مقدرة خارقة على فهم واقع الفظاعات السياسية التي ينكرها الآخرون، فإنه كان هو نفسه عنيفاً. ففي بورما وتبعاً لروايته هو، كان يضرب الخدم والعمال بقبضة يده. وأثناء دراسته في هايس كان يحتفظ بهراوة ضخمة قرب مكتبه، ومرة ضرب بها أحد الطلاب بشدة. ومرة، مزّق أفعى بسكين الجيب. وفي مناسبة أخرى جلد ولداً أمسك به ينفخ ضفدعا بمنفاخ دراجة هوائية.

إريك آرثر بلير كان الاسم الحقيقي لجورج أورويل الصحفي والروائي البريطاني، عرفت كتاباته بالوضوح والذكاء وخفة الدم والتحذير من غياب العدالة الاجتماعية ومعارضة الحكم الشمولي وإيمانه بالاشتراكية الديمقراطية، كتب أورويل في النقد الأدبي والشعر الخيالي والصحافة الجدلية، أشهر أعماله روايته المستقبلية 1984 والتي كتبها في العام 1948 وروايته الرمزية مزرعة الحيوان، والتي حققت أعلى نسبة مبيع أكثر من أي كتاب آخر في القرن الحادي والعشرين، في العام 2008 وضعته صحيفة التايمز في المرتبة الثانية في قائمة أعظم 50 كاتبا بريطانيا منذ عام 1945 واستمرت تأثيرات أعمال أوريل على الثقافة السياسية السائدة.

ومصطلح أورويلية الذي يصف ممارسات الحكم الاستبدادي والشمولي والتي دخلت في الثقافة الشعبية مثل ألفاظ عديدة أخرى من ابتكاره مثل الأخ الأكبر، التفكير المزدوج، الحرب الباردة وجريمة الفكر وشرطة الفكر.

إن الدفاع عن الضفادع ضد المتنمرين بحد ذاته يكاد يكون شكلاً من أشكال السياسة. ووحشية أورويل في قضايا المظلومين تشير إلى واحدة من أعظم السخريات في تاريخ القرن العشرين. ذلك أنه وفي الوقت الذي أدرك معظم البشر، بعون من أورويل، بأن العنف متأصل في الستالينية، فإن القلة القليلة منهم كانوا قادرين على جعل أنفسهم يصدقون أن العنف يشكل جانباً من رؤية أورويل السياسية.

أورويل لم يعارض الثورات، بل ضلالاتها. فقد كتب في مقال له: ” في مرحلة من المراحل سيكون من الضروري أن نمارس العنف”. وفي قصيدة أثارت الكثير من الجدال، كتب أورويل بأنه “لا يمانع في قتل تشرشل بيديه بعد أن يتم كسب الحرب، وربما يقتله الآن لو أن هناك من يخلفه.”

كل هذا غاب عن السيرة الذاتية التي كتبها شيلدن، واكتفى بالتنويه بأن بعضاً من أفكار أورويل “ربما لم تكن جذابة”. وبأنه ” ربما كان قاسياً في الحصص الدراسية دون مبرر”. مؤكد أن عنف أورويل سيدهش الذين يعتقدون أن القسوة هي شيء غير عادي عند البشر”. إن البشر الذين أظهروا أفضل فهم للفاشية، هم الذين عانوا من وطأتها أو أنهم من يمتلكون مسحة أو أثراً منها”. كتب أورويل ذلك في العام 1941.

من نافل القول إن السيرة الذاتية التي خطّها شيلدن ينقصها الكثير. وتكاد لا تقارن جودة وصدقاً بالسيرة الذاتية التي كتبها برنارد كريك عن أورويل والتي خرجت بعنوان “حياة”. شيء وحيد لم يفتقده شيلدن في كتابه، ثقته بنفسه. ففي أحد المواقع يسرد حكاية أورويل الشاب وكيف أسرّ لناشره الأميركي برغبته في كتابة سيرة ذاتية قصيرة عن مارك توين: “بدا بأنه غير مدرك، أن الاقتراح كان ضرباً من خيال. فقد كان يطلب من دار نشر أميركية كبيرة أن تفوضه في كتابة سيرة ذاتية لكاتب أميركي عظيم الشأن، رغم أنه كان كاتباً إنكليزيا مغموراً لم يطرق باب السير الذاتية من قبل، كما أنه لم يكتب شيئاً ذا أهمية عن توين من قبل”.

لكن المفارقة هنا هو أن شيلدن الأكاديمي الأميركي المغمور فوّضه ناشر إنكليزي ليكتب سيرة ذاتية رسمية عن أحد أعظم الكتّاب السياسيين في العالم.

14