جورج أورويل يدين الدكتاتورية ويقدس نبتة الصبار

شاب ينتمي إلى الطبقة الوسطى يقرر هجر وظيفته "الجيدة" ليتفرغ للكتابة والشعر.
السبت 2019/11/16
ليس سهلا أن تكون شاعرا (لوحة للفنانة سارة شمة)

وصفت صحيفة التايمز البريطانية جورج أورويل بأنه ثاني أحسن الروائيين البريطانيين من بين خمسين روائيا منذ عام (1945)، حيث يُنسب إليه إدخال الكثير من المفردات للثقافة الغربية مثل: الأخ الأكبر، شرطة الفكر، التفكير المزدوج، وجريمة الفكر، وذلك لوصف سياسات القمع في النظم الشمولية. ورغم مرور عقود على رحيله يبقى أورويل من أكثر الروائيين تأثيرا.

القاهرة - رغم أن جورج أورويل (1903 - 1950) اشتهر بكتابته للرواية، فإنه كتب أيضا المقال والنقد والصحافة الجدلية. وتميزت أعماله علاوة على الفصاحة والبلاغة، بوعي عميق بالظلم الاجتماعي، كما تميزت بالعداء الشديد للدكتاتورية والنظم الشمولية، ومناصرة الاشتراكية الديمقراطية. يلاحظ القارئ كيف اصطبغت كتاباته القصصية وغير القصصية بإيمانه المستمر بآداب السلوك التي تميز المجتمع الإنكليزي. وفضلا عن ذلك ذكَّرت أعماله الشعوب بقدرتهم الهائلة على مواجهة محاولات فرض السيطرة من قبل السلطة والمهيمنين عليها.

نقد مجتمعي

يعد أورويل من أهم الروائيين البريطانيين المؤثرين في القرن العشرين. كما أنه يعد من المؤرخين لهذه الحقبة، ويظهر عامل السيرة الذاتية جليا في رواياته، وفي أحداث معظم قصصه، حيث يرى النقاد أن أبرز أعماله هي رواية “مزرعة حيوانات” (1945)، ورواية “ألف وتسعمئة وأربعة وثمانون” (1949). أما كتابه “الطريق إلى ويجان بيير” (1937) وهو من أعماله غير القصصية فهو يوثق حياة الطبقة العاملة في شمال بريطانيا. وبالنسبة لكتابه “تقديرا لكاتالونيا” (1938)، الذي يسرد فيه تجربته في الحرب الأهلية الإسبانية فهو من أكثر أعماله تميزا، وكذلك مقالاته في الأدب والسياسة واللغة والثقافة.

رمز للمجتمع الانكليزي
رمز للمجتمع الانكليزي

تعتبر رواية “تحيا نبتة الصبار” من الروايات الناقدة للمجتمع الإنكليزي بقسوة وخاصة في ثلاثينات القرن العشرين، ذلك المجتمع الذي كان يبجل مظاهر الترف والرفاهية الفارغة، كما كانت تسيطر على المجتمع أنماط الإنفاق غير المُرشَّد والتباهي والتفاخر بين الطبقات المختلفة التي كان التفاوت بينها واضحا، فقد ظهرت فطنته وبراعته الأدبية في اختيار النموذج الاجتماعي المناسب الذي يمكنه أن يجسد رؤيته للطبقة الوسطى ومشكلاتها.

تدور أحداث الرواية حول جوردون كامستوك الذي يبلغ من العمر تسعة وعشرين عاما، ورغم مستواه التعليمي وثقافته، وبالرغم من انتمائه إلى الطبقة الوسطى، فإنه يقرر هجر وظيفته “الجيدة” التي كان يعمل بها ليتفرغ للكتابة والشعر.

كان جوردون يعمل بوكالة إعلانات قبل بداية أحداث الرواية، لكنه يرى أن الإعلانات التجارية قائمة على مبدأ الاحتيال. كما يرى أن الحضارة البريطانية الممتدة بجذورها في شتى أنحاء العالم قائمة أيضا على مبدأ الاحتيال لاعتمادها على الرأسمالية والاستعمار. كان دخل جوردون في وظيفة بائع الكتب أقل بكثير من وظيفته السابقة، حيث كان يعمل بائعا في أحد متاجر بيع الكتب بلندن، وكان كل ما يتقاضاه هو جنيهان في الأسبوع، لكنه على عكس كل أبناء جيله كان يفضل تلك الوظيفة عن وظيفته السابقة، بالرغم من تميزه في مجال كتابة الإعلانات التجارية كما شهد له الجميع بذلك في ما سبق.

إنه يرى نفسه شاعرا واعدا بالرغم من عدم نشر أي قصائد له سوى ديوان واحد فقط يسمى الفئران، وبالرغم من عدم رواجه، فإنه يرى أن النقد الذي كُتب في ديوانه في بعض الصحف في ذلك الوقت كان كافيا لإرضائه، كان جوردون يريد أن يعيش وفقا لمبادئه وألا يخونها مهما كلفه ذلك. إنه يعتقد أن الحياة التي يعيشها أقرانه تطغى عليها المادية الشديدة مما يسحق أرواحهم ووجدانهم. لكنه أبدا لم يجد السعادة والهناء عندما ترك القيم التي يحيا بها الآخرون، عندما بدأ يعيش في نُزل كريهة مع سيدة متطفلة كثيرة التدخل في شؤون نزلائها، كان جوردون كثيرا ما يشعر بالضيق في تلك الحياة. وحاول أن يستكمل ديوانا آخر قد بدأه وأسماه ملذات لندن إلا أنه لم يكتمل أبدا.

كره الصبار

لوحة: حسين جمعان
لوحة: حسين جمعان

ظن بطل الرواية أن الناس أصبحوا يتحاشونه بسبب فقره. اعتقد أن صديقه رافلستون وحبيبته روزماري يحتقرانه لنفس السبب. أراد أن يقضي يوما هو وحبيبته في الريف ليستمتعا معا، لكن فقره ورثاثته سببت له عدة مشكلات وأوقعته في حرج بالغ. كان لتلك الحادثة مع الكثير من الأحداث التي تلتها أثر عميق في تغيير نمط تفكير جوردون، بعد ذلك بفترة ليست كبيرة حصل على بعض المال من قصيدة نشرها في إحدى المجلات الأميركية، فقرر أن يدعو صديقه وحبيبته إلى العشاء في أحد المطاعم الفاخرة، لكن إسرافه في الشراب جعله يفقد أعصابه ويتصرف كالأحمق. أدى به الإفراط في السكر إلى قضاء الليلة في زنزانة شرطية لوقوع مشادة بينه وبين الشاويش.

كان جوردون يرى نفسه شاعرا يقطن العِلِّية ويتضور جوعا، لكنه أفضل من أقرانه الذين يقدسون المال إلى درجة تصل إلى العبادة. لكنه بدلا من أن يطور موهبته، أصبح ينظر إلى أشعاره على أنها أقزام ميتة، أو كأطفال مجهضة في الحضّانات. كانت الصبَّارة بالنسبة إليه رمزا للطبقة الوسطى بأفكارهم البرجوازية الرتيبة، حيث كان أفراد تلك الطبقة يتباهون بوضع نباتات الصبار في النوافذ والشرفات، لكنه في بعض سطور الرواية يراها رمزا أكبر يمثل المجتمع الإنكليزي بأكمله، حيث يؤكد أنه يمكن وضعها على العلم الإنكليزي نفسه.

الجدير بالذكر أن كتاب ”تحيا نبتة الصبار”، صدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، وقام بالترجمة الدكتور عزة إبراهيم خليل، ومراجعة الدكتور محمد عناني.

14