جورج براك أول من استعمل الرمل ونشارة الحطب في فن اللوحة

الأحد 2013/11/10
براك مبتدع التكعيبية والكولاج الذي همشته شهرة بيكاسو ودالي

حدث الخريف الباريسي معرض ضخم يقام من (18سبتمبر الماضي إلى 6 يناير 2014) في "القصر الكبير" للفرنسي جورج براك، هذا الفنان الذي يعد من أبرز رموز التوحشية ومبتدع التكعيبية وفن الكولاج، ولكنه لم يلق حظه من النجومية بسبب بيكاسو أولا وسلفادور دالي ثانيا، فقد ألقيا بظلالهما عليه بما يملكانه من حضور إعلامي وقدرة على الإثارة وخطف الأضواء. وبرغم نبوغه وثراء تجربته، ظلت أعماله بعيدة عن الأنظار، حتى أن آخر معرض أقيم له يعود إلى سنة 1973. وقد وجد المهتمون بالشأن الثقافي في مرور نصف قرن على وفاته مناسبة للاحتفاء بفنه وتكريم ذاكرته.

انبهر براك (1882 – 1963) في صغره بالانطباعيين الذين كانوا يلتقون في أرجنتوي مسقط رأسه، وكان يتأمل بشغف كبير كايبوط ومونيه وهما يلتقطان تجليات الطبيعة على ضفاف السين، ثم ازداد بهم انبهارا عند انتقاله إلى باريس عام 1900، والتحاقه بإحدى أكاديميات الفنون، واطلاعه على لوحات أوجين بودان وكميل كورو وفان غوخ، فاختار السير على خطى أولئك الأعلام.

وفي خريف 1905، لم يكن براك قد تخطى عامه الثالث والعشرين حين اكتشف لوحات ماتيس ودوران وفلامينك ذات النزعة التوحشية، وانبهر بها إلى حدّ جعله يتلف محاولاته السابقة وينخرط صحبة صديقه أوتون فريز في هذه الثورة التصويرية، فسافر إلى أنفرس ثم إلى جنوب فرنسا، التي كانت قبلة أنصار النور واللون.


عين واحدة


في ميناء الأستاكة، قرب مرسيليا، حيث أبدع سيزان أروع أعماله، أنجز براك لوحات لمناظر طبيعية بحرية زاهية الألوان، اعتمدت في البداية على تقسيمية تتجاور فيها الألوان بلمسات من اللون الصافي، ثم صارت اللمسة منسابة والخطوط مقعرة أو متعرجة، على طريقة ماتيس.

وقع التغاضي عن براك، وباستثناء المعارض التي أقيمت له في ألمانيا وسويسرا وإنكلترا والولايات المتحدة، لم يحظ بمعرض استعادي في بلده فرنسا طوال أربعين عاما

ولكن شيئا فشيئا بدأ يهجر الألوان ويميل إلى تثبيت الأشكال والأحجام، حتى كان لقاؤه ببيكاسو عام 1907، وهو لقاء شكّل منعطفا في مسيرته، إذ قطع مع الكلاسيكية الجديدة، وأقبل مع الفنان الإسباني المهاجر على تحطيم المنظورية التقليدية perspective، لخلق طريقة مبتكرة لتمثل فضاء لا يكون كما يُرى بالعين المجردة، بل كما هو معروف في الأصل، لأن المنظورية التقليدية في تصورهما تنطلق من نقطة نظر ما لا تغادره، مثل من يداوم رسم صور جانبية ليوهم الناس بأن الإنسان لا يملك سوى عين واحدة. وتلك هي التكعيبية التي لم يحسم بشأن واضعها، فبعضهم يردّها إلى بيكاسو في لوحة "آنسات أفينيون"، والبعض الآخر يزعم أنه براك في لوحة "العري الكبير".

والحقيقة كما يرددها مؤرخو الفنون ونقادها أن التسمية وُلدت في نوفمبر 1908 خلال أول معرض ضم لوحات لبراك، وكانت عبارة عن مشاهد ذات أحجام هندسية مرصوصة، تمثل بيوتا عارية تقع على هضبة وتحيط بها أشجار الصنوبر.

وصفها ماتيس بـ"مكعبات صغيرة"، فنشأ مصطلح التكعيبية، الذي تحول إلى تكعيبية تحليلية بتفتيت الأشكال وتحويلها إلى أوجه مستوية، وتغيير اتجاهها وجعل الألوان تجرّدية camaïeux (وهي طريقة في الرسم يستعمل فيها الفنان لونا واحدا متدرجا من الغامق إلى الفاتح أو العكس) حتى موفى عام 1912، حين ابتكر براك الورق الملصق، قبل أن يمر إلى التكعيبية التوليفية، أو ما أسماه هو نفسه "النحت داخل اللوحة" باستعمال عناصر طبيعية كالرمل ونُشارة الحطب وبُرادة الحديد، إلى صيف 1914، حينما التحق بالجبهة وجرح وكاد يفقد بصره ولم يعد إلى ممارسة فنه إلا عام 1917. وكانت الحرب نقطة افتراق الصديقين، فقد مضى كل واحد إلى وجهة تخصه، فازداد نجم بيكاسو سطوعا فيما انطفأ بريق براك وخمد ذكره، نظرا لانطوائه وخجله ورهافة حسه وصلته بأبرز أعلام الأدب والفن في تلك الفترة مثل الشاعر روني شار والرسام شاغال.
براك يصوغ منحوتات ولوحات يطغى عليها سواد الحزن


الفنان المنسي


بعد الحرب انخرط براك طوال عشر سنوات في رسم لوحات "طبيعة ميتة" من منظور تكعيبي، كانت مشفوعة بتجربة موازية مثلت لوحات عري ومناظر داخلية وحاملات قرابين، وامتدت حتى بداية الحرب العالمية الثانية، عندما انسحب إلى مدينة فرانجفيل الساحلية بمقاطعة نورمانديا، وصاغ منحوتات ولوحات يطغى عليها سواد الحزن والفجيعة التي ضربت البلاد تحت وقع جزم القوات النازية الغازية.

ولما وضعت الحرب أوزارها انصرف إلى ما سماه "المراسم" التي مثلت تجربة باطنية عميقة بالنسبة إليه، قبل أن يعود إلى ثيمة الطير التي كان بدأها في أواسط عشرينات القرن الماضي، ودعّمها عند تزيين قاعة الأتروريات Les étrusques بمتحف اللوفر. ومنذ مطلع الخمسينات، هجر المرسم نهائيا، وظل حتى آخر حياته يرسم المناظر الطبيعية في الهواء الطلق، من سواحل نورمانديا وجبل سانت فكتوار والحقول المنبسطة والعصافير المحلقة في السماء الصافية، وتحول هو نفسه إلى معلّم انبهر به الجيل الجديد مثل نيكولا دو ستائيل وجان بازين وخصوصا ألبرتو جاكوميتي انبهاره هو بسيزان.

عند وفاته، أبّنه أندري مالرو نفسه، وبرغم المعرض الذي أشرنا إليه، طوى النسيان خبره، ولم يعد إلى الذاكرة إلاّ الآن.

تقول بريجيت لِيالْ مندوبة المعرض: "لقد وقع التغاضي عن براك، وباستثناء المعارض التي أقيمت له في ألمانيا وسويسرا وإنكلترا والولايات المتحدة، لم يحظ بمعرض استعادي في بلده فرنسا طوال أربعين عاما. فقد ظل ينظر إليه من زاوية التكعيبية كتابع لبيكاسو، وننسى أن له أعمالا مستقلة بالغة الفتنة ظل ينجزها باقتدار حتى وفاته. لذلك حرصنا على أن يكون المعرض شاملا لكل أوجه فنه، منذ المرحلتين التوحشية والتكعيبية والرسوم الميثولوجية والطبيعة الميتة وحاملات القرابين ولوحات العري إلى المناظر الطبيعية والطيور، مرورا بالأوراق الملصقة والمرحلة النورماندية زمن الحرب العالمية الثانية والطبيعة الميتة وسلسلة المراسم التسع" .

16