جورج بهجوري المستعاد كما لو أنه الآخر الذي يرسم نفسه

الأحد 2015/11/22
جورج بهجوري العائد إلى بهجورة بعد ليلة باريسية

ستوكهولم - "من بهجورة إلى باريس" هو عنوان كتابه. فإما أن يكون ذلك الكتاب حسب عنوانه وصفا لرحلة أو أن يكون سيرة شخصية. أما أن يكون الاثنين معا، فذلك يعني أن طفلا برقة وشراسة جورج بهجوري صار يمزج الجغرافيا بالتاريخ في عجينة تشبهه، ليعبث بها من أجل استخراج صورته التي لا يصدق أحد أنها ليست من اختراعه. فجورج الذي يُرسم لا يشبه جورج الذي يرسم فحسب، بل وأيضا جورج كما يعيش حياته اليومية.

لا بيت له سوى الرسم

ولكن أين تقع بهجورة، لئلا يذهب السؤال إلى باريس التي عاش فيها جورج نصف حياته منتحلا شخصية الرسام العابر لأنواع الرسم وهو الذي قفز من الرسم إلى النحت؟

تقع بهجورة وهي قرية صغيرة وإحدى ضواحي نجع حمادي في محافظة قنا المصرية. صنع منها ابنها أسطورة، هي بشكل أو بآخر المرآة التي عبث جورج بزئبقها، فصارت مكانا لحكايات متخيلة تجري وقائعها في زمن لا ذاكرة له، بحيث لا يصدق مَن ينصت إلى حكايات بهجوري أن تلك القرية موجودة أصلا.

لقد صنع جورج منها كرة تنساب عليها خيوط النسيج الذي تصنع منه الخرائط، وهو ما يعني أن الرسام الضاحك بيأس قد فصّل من قريته ثوبا، في كل مرة يرتديه يظهر كما لو أنه كان جديدا. فجورج الشغوف بالرسم، كما لو أنه يعد طبخة لضيوف لن يخمّن أحد عددهم ولا متى يأتون أو يغادرون كان يعيد رسم الرسمة الواحدة العشرات من المرات، من غير أن تشبه رسمة منها الرسمة التي سبقتها أو تلك التي تلحق بها. يكرر غير أن رسومه لا تتكرر.

لوحات بهجوري تضع متلقّيها على معاناة سؤال

ذيّل ذات مرة صورة رسمها لي بتوقيعه. يومها شعرت أن ذلك التوقيع قد وهب صورتي خيالا مختلفا. بالنسبة إليّ لم أكن أفكر في ما إذا كانت تلك الصورة تشبهني أم لا، بقدر ما كنت أفكر بما كانت تحمله من شبه برسوم بهجوري، بل ببهجوري نفسه.

بهجوري كان يقيم هناك دائما. في تلك المسافة الآسرة التي يتحقق من خلالها تطابقه مع ذاته. وهي المسافة التي تفصل بين بهجورة وباريس، حيث أقام باعتباره مسافرا، لا بيت له سوى الرسم.

المصري الذي كان مواطنا بلا حدود

ولد بهجوري عام 1932. بدأت مسيرته الفنية عام 1953 حين صار ينشر رسومه الساخرة في مجلتي “صباح الخير” و”روز اليوسف” وتعرّف يومها على إحسان عبدالقدوس، الروائي المصري الشهير الذي قدمه إلى الوسط الفني.

في العام نفسه بدأ دراسة الفن أكاديميا في كلية الفنون الجميلة بالزمالك وكان محظوظا إذ التقى هناك أستاذه حسين بيكار الذي ترك الكثير من الأثر عليه. غير أن الحدث الأهم في حياته، وقع عام 1970، حين انتقل إلى باريس ليدرس الفن هناك. يومها انتسب إلى مدرسة الفنون التابعة لمعهد اللوفر ليتعلم فن الطباعة على الحجر (ليثوغراف) والنحت. قضى بهجوري ربع قرن في العاصمة الفرنسية، لم تنقطع صلته أثناءه بالقاهرة.

كان رساما مشهورا حين أقبل على الدراسة ثانية وكان من اليسير عليه أن يجد عملا في الصحف والمجلات العربية التي كانت تصدر يومها هناك.
لذلك لم يكن ليجد صعوبة في العيش، إضافة إلى أن الغربة أضفت عليه طابع المتشرد وهو ما ينسجم مع شخصيته المتمردة بكل ما تنطوي عليه من سخرية. كان غزير الإنتاج، عميقا في تأملاته، إنسانيا في نزعته الرافضة لكل شكل من أشكال التعصب.

غير أن مصريته كانت حاضرة دائما، بالرغم من أن المغني الشهير جورج موستاكي وهو جاره في السكن قد أطلق عليه اسم إحدى أغنياته (ميتك) ما يعني مواطنا بلا حدود. في حقيقته فإن بهجوري، كان نبيلا يرتاح إلى حياة حانات ومقاهي الأرصفة. هناك كان يجد أبطاله، وهو حكائي عظيم يذكرني دائما بمواطنه ألبير قصيري، الروائي الذي عاش جلّ حياته في فندق بباريس صديقا لأكبر صناع التحولات الفنية في عصرنا من أندريه بريتون إلى بابلو بيكاسو، وكم كان بيكاسو مهما في حياة بهجوري.

بهجوري هو رسام أطفال. هذا ما عرفته يوم تعرّفت عليه نهاية سبعينات القرن الماضي. بعد ذلك تعرّفت على جوانب أخرى من شخصيته العميقة. كان رساما ساخرا (كاركتيريست) في المجلات الأسبوعية الشعبية، وهو نحات ورسام لوحات وممثل، غير أن صفته كروائي هي التي كان في إمكانها أن تضع كل صفة من تلك الصفات التي سبق ذكرها في مكانها المناسب. هذا الرجل ولد ليحكي.

وإذا ما كانت صنعة الرسم قد تمكّنت منه، فإنها لم تجهض حلمه في أن يكون روائيا، سواء من خلال الرسم أو من خلال الكتابة أو من خلال مزجهما، ليكون الرسم مفتتحا للتحريض على الكتابة ولتكون الكتابة بابا للدخول إلى حقول الرسم. وهو في كل ما فعله لا يفارق حكايته الشخصية.

لم يكن بهجوري يفارق ذاته ولو للحظة واحدة. الهامه كله يقيم في بهجورة. ولأنه يحمل بهجورة معه أينما رحل فإن تلك القرية المنسية كانت تحضر على هيئة بلد أو مجرّة وما بينهما تتحرك الكواكب والأمم والشعوب والقارات.

لم تكن لديه سوى حكاية شخصية، هي في حقيقتها حكاية الشخص الذي عاش بهجوري حياته وحكاية الشخص الذي لم يعش بهجوري حياته وقد امتزجتا لتكونا حكاية حياة واحدة. لوحات بهجوري تضع متلقّيها على الطريق التي تعينه على معاناة سؤال من نوع “ماذا لو كنت آخر ونظرت إلى حياتي؟” بهجوري الذي ينظر إلى حياته من خلال رسومه يحرض متلقيه على

التماهي مع فكرة النظر إلى حيواتهم بطريقة نقدية.

هل كانت الحكاية هي هدفه؟ أعتقد أنه كان يتسلى بالحكاية وهو يرسم. الحكاية كانت سببا للرسم. لو لم تكن حكاية لما كان الرسم. وهو ما يمكن أن نتوقعه من كل رسام مصري. وكان بهجوري مصريا بعمق.

10