جورج جرداق وصعود الفنون الأدائية العربية الرفيعة وانحسارها

السبت 2014/11/15
جورج جرداق لم ينكر أن قصيدة "هذه ليلتي" سبب شهرته

بعد “فتعال، أحبّك الآن أكثر” كنّا نغنيها صغاراً وتتخلل رسائلنا إلى حبيباتنا دون معرفة هذه الكلمات الأربع لمن تعود ومن صاحبها.. رسائل العاشقين، وهمسات المراهقين، وأصالة اللحظات الجميلة، كنا نسمعها من ثغور الأمهات كلما دخل الآباء البيوت منهكين عائدين من أعمالهم، الأغنية التي احتفظ كثيرون بـ”كاسيت” لها في درج سياراتهم، يضعونه في المسجلة كلما انطلقوا للسفر الطويل:


“هذِهِ لَيلتي وَحُلْمُ حَيَاتي

بَينَ مَاضٍ من الزّمانِ وَآتِ

الهَوَى أَنَتَ كُلُّه والأمَانِي

فَاملأ الكأسَ بِالغَرامِ وَهَاتِ”.


القصيدة-الأغنية، التي لم ينكر صاحبها بأنها سبب شهرته ومحبة الناس له من خلالها رغم كثرة القصائد التي قدمها وتغنى بشعرها وديع الصافي ونجاة الصغيرة وماجدة الرومي وهبة القواس وغيرهم، إلا أن كوكب الشرق أم كلثوم كانت الوشم الأبدي للشاعر اللبناني جورج جرداق الذي فاجأ العالم العربي بوفاته وهو الذي سهّرهم لعقود من الزمن بقصيدة واحدة دون علمهم به.


حديث في الشفتين


الحق أن هذه القصيدة لم تشأ أن تفارق ذاكرتنا ودندناتنا كلما خلونا مع أنفسنا،”وحديث يذوب في شفتينا”، فأضحت من أشهر أغاني أم كلثوم في بساطة كلماتها وروعة لحنها مع مدى صعوبته، حيث يقول ملحنها محمد عبدالوهاب سنة 1968: “إنّ في شعر جورج جرداق من الموسيقى ما لا يستطيع اللحن أن يجاريه، أو يدانيه”، و كان عبدالوهاب قد أقام في صيف العام 1967، عاماً كاملاً في لبنان، وسكن إلى جوار جورج جرداق، وذات يوم، قال عبدالوهاب لجورج جرداق: “تحدثت اليوم مع أم كلثوم عبر الهاتف، وسألتني عنك وعن إطالة غيابك عن مصر. تهديك تحياتها وتريد منك أغنية للموسم الجديد”، ويروي جرداق: “صار كل ليلة يسألني أين أضحت القصيدة؟ وفي إحدى الليالي، وكان معنا يوسف وهبي وإحسان عبدالقدوس ونجاة الصغيرة وفريد الأطرش، وشوشني عبدالوهاب بأن نخرج إلى الشرفة المطلّة على الوادي. وهناك رحت أدندن بعض أبيات الشعر، فطلب إليّ أن أعيدها على مسمعه، وصاح هذه القصيدة التي نبحث عنها”. وكان يحلو دائماً لجرداق الحديث عن هذه الأغنية وعن مدى ارتباطه بمحمد عبدالوهاب سواء في القاهرة أو بيروت، ومدى عشقه لصوت أم كلثوم التي كانت دائمة الاحتفاء به عندما يحط رحاله في القاهرة، فتدعوه إلى بيتها وتستمع إلى المزيد من أشعاره وتسمعه الجديد من أغنياتها.

قصيدة هذه ليلتي
هذِهِ لَيلِتي وَحُلْمُ حَيَاِتي

بَينَ مَاضٍ من الزّمانِ وَآتِ

الهَوَى أَنَتَ كُلُّه والأمَانِي

فَاملأ الكأسَ بِالغَرامِ وَهَاتِ

بَعدَ حِينٍ يُبدّلُ الحُبُّ دَارَا

وَالعَصَافِيرُ تَهجُرُ الأوكَارَا

وَدِيارٌ كَانَت قَدِيمًا دِيارَا

سَتَرَانَا، كَمَا نَرَاهَا، قِفَارَا

سَوفَ تَلهُو بِنا الحَياةُ وتَسخَر

فَتَعَالَ أُحِبُّكَ الآنَ أكثَر

وَالمسَاءُ الذِي تَهَادَى إِلينَا

ثُمَّ أصغَى وَالحُبُّ في مُقلَتينَا

لسُؤَالٍ عَنِ الهَوَى وَجَوَابٍ

وَحَدِيثٍ يَذُوبُ في شَفَتينَا

قَد أَطَالَ الوُقُوفَ حِينَ دَعَانِي

لِيَلُمَّ الأشواقَ عَن أَجفانِي

فَادن منّي وخُذ إِليكَ حَنَاني

ثُمُّ أَغمضْ عَينيكَ حَتَّى تَرَاني

وَليَكنُ لَيلُنا طًوِيلاً طَويلاً

فَكثيرُ اللقِاءِ كَانَ قَليلاَ

سَوفَ تَلهُو بِنَا الحَياة وَتَسخَر

فَتَعَالَ أُحُبّك الآنَ أَكثَر

يَا حَبيبِي طَابَ الهوَى مَا علينَا

لَو حَمَلنَا الأَيَّامَ في راحَتَيْنَا

صُدفَةٌ أَهدَتِ الُوجُودَ إِلَينَا

وَأَتاحَت لَقاءَنَا فالتَقينَا

فِي بِحارٍ تَئنُّ فيهَا الرّياَحُ

ضَاعَ فِيَها المِجدَافُ والملاَّحُ

كَم أَذلَّ الفِرَاقَ مِنَّا لقاءُ

كُلُّ ليلٍ إِذَا التقينَا صَباحُ

يَا حَبِيبًا قَد طَالَ فِيِه سُهَادي

وَغَريبًا مُسافِرًا بفُؤادِي

سَوفَ تَلهُو بِنَا الحَيَاةُ وَتَسخَر

فَتَعَالَ أُحبُّكَ الآنَ أكثر

سَهَرُ الشَّوقِ في العُيُونِ الجميلة

حُلمٌ آثَرَ الهوَى أَن يطِيلَه

وَحَديثٍ في الحُبِ إن لم نَقُلهُ

أَوشَكَ الصَّمتُ حَولَنا أن يقُولَهْ

يَا حَبيبي وَأنت خمرِي وكأسي

وَشراعِي فوقَ البحَارِ وشَمسِي

فيكَ صمْتي وَفيكَ نطقِي وَهمسِي

وَغَدي في هَوَاك يَسبِق أمسِي

كَانَ عُمري إلى هَواكَ دليلاً

واللَّياليِ كَانَت إِليكَ سَبِيلاَ

سَوفَ تَلهُو بِنَا الحَيَاةُ وَتَسخَر

فَتَعَالَ أُحبُّكَ الآن أكثر

هَلَّ في لَيلَتي خَيَالُ النّدامَى

والنُّواسِيُّ عَانق الخَيّامَا

وَتسَاقَوا مِن خَاطِرِي الأحلامَا

وَأَحَبُّوا وَأسكرُوا الأيّامَا

رَبِّ مِن أين للِزمَانِ صِباهُ

إن صَحونَا، وَفَجْرهُ ومَساهُ

لَن يرَى الحُبُّ بعدَنَا مَن هَوَاهُ

نحنُ لَيلُ الهَوَى ونَحنُ ضُحَاهُ

مِلءُ قَلبي شَوقٌ وَملُّ كيانِي

هَذه لَيلتي فَقِفْ يا زَمَاني

سَوف تَلهُو بِنا الحَياةُ وتَسخَر

فَتَعَالَ أُحبُّك الآن أكثَر.

كما عشق جورج جرداق صوت عبدالوهاب وألحانه خاصة بعد أن استمع إلى ألحان قصيدة “الكرنك” فكتب فيه قصيدة أرسلها له، وما إن حلّ الموسيقار في مصطافه ببحمدون، حتى أرسل أحد المطربين إلى بيروت للبحث عن جرداق. وأمره ألا يعود إلى بحمدون إلا وفي يده هذا الشاعر. ومن يومها رسخت العلاقة بينهما.

رحل جورج جرداق خلال الأيام الأخيرة عن عمر تخطّى الثمانية عقود، وعن عمر تجاوز الخامسة والأربعين لمعلقته “هذه ليلتي”.. رحل وهو يردد: “سوف تلهو بنا الحياة وتسخر.. فتعال، أحبّك الآن.. الآن.. أكثر”.


جعبة جرداق


جرداق من مواليد مرجعيون 1931، وفي الثامنة عشرة من عمره، كتب باكورته “فاغنر والمرأة” عن الموسيقي والفيلسوف الألماني في العام 1950، ونظرا لأهمية الكتاب، قرر الدكتور طه حسين عميد الأدب العربي إدراجه ضمن لائحة الكتب التي يجب على طلاب الدكتوراه في الأدب قراءتها بإمعان، كذلك أصر أحد المستشرقين الألمان على مقابلة جرداق وأخذ إذنه في ترجمة كتابه إلى اللغة الألمانية.

في عام 1953 بعد تخرجه من الكلية البطريركية، انتقل جورج جرداق إلى التأليف والكتابة في الصحف اللبنانية والعربية من جهة، وإلى تدريس الأدب العربي والفلسفة العربية في عدد من كليات بيروت من جهة أخرى.


مع علي ونهج البلاغة


عمل في صحف ومجلات كثيرة ومتنوعة، منها الصياد والشبكة والأنوار والكفاح العربي والجمهور الجديد والأمن والمجلة السعودية والوطن والقبس الكويتية. ولعل أكثر ما يلفت الاهتمام هو مؤلفه عن الخليفة الراشدي الرابع علي بن أبي طالب المعنون “علي صوت العدالة الإنسانية ” في خمسة أجزاء وأتبعها فيما بعد بملحق أسماه “روائع نهج البلاغة” مستنداً إلى كتاب نهج البلاغة للشريف الرضي، مما دفع بعض المتنطعين في الأوساط الحزبية اللبنانية للقول بعلاقة الشاعر بحزب الله خاصة بعد نعيه بأحد بياناته بوصف جرداق “عاشق الإمام علي (ع) ” وكتب عنه أحد صحفييهم: “في عاشوراء الإمام الحسين سليل الإمام علي صوت العدالة الإنسانية وفي محرّم هذا العام غادرنا جورج جرداق مؤلف أشهر كتاب عن الإمام علي (عليه السلام) الموسوم (الإمام علي صوت العدالة الإنسانية) عن عمر ناهز الـ83 عاما أمضاها في التأمل بشخصية علي والتفكر في الأبعاد الفلسفية والربانية والسياسية والقيمية لهذه الشخصية العبقرية الفذة لم يمضها أقران له في مجال الكتابة من العرب والمسلمين”، ورغم أن ذلك المؤلَف كان قد أنجز في سبعينات القرن المنصرم، أي قبل أن يكون هناك ما يدعى بـ”حزب الله”، لكنهم، وكالعادة، يحتكرون كل ما يتعلّق بشخص علي بن أبي طالب وتاريخه وأدبياته، لا سيما وأن الصحفي نفسه أردف يقول: “حين كنا نلتقيه في بيروت أيام المعارضة العراقية كنا نتذكر أيامنا الجرداقية في حزب الدعوة الإسلامية ولم أكن أتعامل معه بوصفه كاتبا مسيحياً بل كنت أعكس تركيزي في الإمام علي تركيزاً مماثلا في (علوية) جرداق”.


القصائد- الأغاني


تسابق المطربون والمطربات على غناء قصائده التي تجاوزت الخمسين قصيدة، لينافس بذلك معاصره ومواطنه الشاعر بشارة الخوري أو الأخطل الصغير. فغنّت له ماجدة الرومي سمراء النيل التي لحنها إيلي شويري، وغنت نجاة الصغيرة من شعره أغنية أنا لياليك التي لحنها حليم الرومي:


“تعال واسهر على غنائي



ونادم الشوق في ندائي



وسامر النجم في سمائي



أنا لياليك يا حبيبي



يا حبيبي



فخمرة الليل في دناني



وحانة الليل في جناني



وغربة الليل في حناني



أنا لياليك يا حبيبي



وآهة الحلم أو صباه



والشِعر والبين جانحاه



والخمر والكأس والشفاه



أنا لياليك يا حبيبي



يا حبيبي”


وكذلك وديع الصافي في قصيدة “نغم ساحر” التي لحنها العملاق رياض السنباطي وغناها أيضاً بصوته على العود:


“نـغـمٌ سـاحـرٌ ولـيـلٌ فـريــدُ

وقديـمٌ مـن الهـوى وجديـدُ

ونجـومٌ وعاشقـانِ وعــودُ

صوتُ أوتـارِهِ قريـبٌ بعيـدُ

ذكرياتٌ تمشي بهِ ووعودُ

وليـال عـلـى صــداه تـعـودُ”.



الفنون العربية في الخمسينات


قد يتساءل باحثو اليوم، ما الذي دفع بالفنون الأدائية إلى الوصول إلى مستويات رفيعة في نصف القرن الثاني من القرن العشرين؟ ولمَ انحدرت في ما بعد؟ ولا يمكن أن يكون الجواب بعيداً عن فهم علاقة الطبقات البرجوازية بالفن، تلك الطبقات التي رعت الفنون، قبل وصول العسكر إلى الحكم، في أنحاء مختلفة من العالم العربي، وكذلك البلاط الملكي في مصر والعراق والأردن والخليج، حيث كان الفن كما هو في الأساس ترفاً إنسانياً، وليس على الصورة التي قدّمتها به الاشتراكية، كتعبير عن المعاناة والألم، ومن تلك الفنون كانت القصائد والأغاني والتعبيرات البصرية والتجسيدية والرقص وسواه، ومع انقلاب مفاهيم المجتمع، وخلخلة الطبقات فيه، صعدت فنون الأرياف والطبقات الفقيرة، بينما تم التنكيل برعاة الفنون الرفيعة، والانتقام منهم بحكم كونهم إقطاعيون كانوا يستغلون الشعب كما قيل، فتوارى المستوى الخاص الذي انتهجته الفنون، حتى وصل إلى أغان مثل “بحبك يا حمار” الشهيرة في مصر، وأغان كثيرة لا قيمة لها، وكانت الستينات آخر عشرية لفظت فيها البرجوازيات العربية أنفاسها، فماتت معها مساحات كبيرة من تلك الفنون.

15