جورج شتاينر: أوروبا مازالت ترفض مواجهة جذورها البربرية

الجمعة 2014/11/28
شتاينر: أنا حتما ابن المفكر الفرنسي بيندا صاحب كتاب "خيانة المثقفين"

يحمل جنسيّتين: الفرنسيّة والبريطانيّة، ويتكلّم أربع لغات هي الهنغارية والفرنسيّة والألمانيّة والأنكليزية، ذلك هو الكاتب جورج شتاينر الذي يتنقّل بيسر بين الثقافات القديمة والحديثة، وبين الأدب والفكر والتاريخ ليبلور أفكاره ورؤاه حول العديد من القضايا المتصلة بالخصوص بأوروبا المتحضّرة و”البربريّة” في نفس الوقت. أوروبا التي عاشت أهوال حربين عالميّتين وكوارث ومجازر كادت تقودها إلى الدمار والانقراض.

ولد جورج شتاينر في فيينا عام 1929. والواضح أن التأثيرات الأولى جاءته من جانب والدته التي تنتمي إلى إحدى أرقى العائلات في العاصمة النمساويّة. وهو يتحدث عنها قائلا: «عبقرية أمي هي التي حدّدت مسار حياتي؛ فقد كانت تتكلم لغات عدّة مثل الفرنسيّة والهنغاريّة والإيطاليّة والأنكليزيّة، وكان لها كبرياء جنونيّ خاصّ، وثقة عالية بالنفس”.


الأنكليزية هي المستقبل


أمّا والد جورج شتاينر المدعو فردريك، فكان محاميا لدى البنك المركزيّ النمساويّ. وعندما بدأت النازيّة تهدّد ألمانيا مطلع الثلاثينات من القرن الماضي، هاجرت عائلة شتاينر إلى فرنسا لتستقر في باريس، وكانت الحرب الكونيّة الثانية على وشك الاندلاع عندما شاهد الطفل جورج من شرفة الشقة التي كانت تقيم فيها عائلته، تظاهرات “شوفينيين” فرنسيين كانوا يدعون إلى مناصرة النازيين. وفي لحظة ما اقترب منه والده ليهمس له بهدوء: «هذا يسمّى التاريخ، وليس عليك أن تخشى ما أنت ترى!».

وفي نهاية الحرب الكونيّة الثانية،عبّر الفتى جورج عن رغبته في العودة إلى باريس لمواصلة تعليمه، غير أن والده نصحه قائلا: «انتبه يا ولدي العزيز، المستقبل للغة الأنكليزيّة، وإذا ما فكّرت في أن تكتب ذات يوم كتابا فعليك ان تكتبه بلغة شكسبير وليس بلغة موليير!”.

لا أمتلك الذكاء الذي يحتمه العمل من أجل إسعاد الآخرين، الذكاء ليس الكلمة المناسبة

وقد استجاب الابن لنصيحة والده. وأول كتاب ألفه كان بالأنكليزيّة، وكان عن تولستوي ودستويفسكي.

أما كتابه الثاني “موت التراجيديا” فقد سمح له بأن يحتل مكانة بارزة في مجال النقد الأدبي لا في أوروبا وحدها، وإنما في الولايات المتحدة الأميركيّة أيضا. وفي هذا الكتاب هو يبحث انطلاقا من أعمال إبداعيّة قديمة وحديثة،عن الجوانب البربريّة في الحضارة الأوروبيّة التي أشعّت على العالم بعد القرون الوسطى.

انطلاقا من ستينات القرن الماضي، وبفضل الشهرة التي أصبح يتمتع بها، عيّن شتاينر أستاذ كرسيّ في جامعة “كامبريدج”، ثم في العديد من الجامعات، مواصلا الكتابة في النقد، والتاريخ، والفكر الفلسفي.

ومحدّدا رؤيته الفكريّة يقول: «أنا حتما ابن المفكر الفرنسيّ جوليان بيندا صاحب كتاب “خيانة المثقفين”، وكتاب “نهاية اللانهائي” الذي أعتبره أجمل وأروع من الأوّل. وهم يقولون بأن إصلاح خطإ في مخطوط لبيندا أهمّ من الحيلة ذاتها. وغريزيّا أنا أومن بهذه القصّة الحمقاء. هناك رجال ونساء يمتلكون عبقريّة، وفي الآن ذاته هم يعرفون كيف يكونون مبدعين أو مفكرين، وكيف يظهرون قوّة أخلاقيّة وسياسيّة كبيرة.

أعلم أنه لن يكون باستطاعتي أن أفعل شيئا للميؤوس من شفائهم وبالتالي ليست لي القدرة على أن أمسك محتضرا بيدي. وأنا لم أعمل قط في قسم خاصّ بالمعوقين. أمام “طبيب بلا حدود” قد يكون اختار هذا المسار عوض أن يصبح مرشحا لجائزة نوبل للطب، أنا أصمت، وليس لي الحق في أن أفتح فمي إذ ليست لي القوة، ولا أمتلك الذكاء الذي يحتّمه العمل من أجل إسعاد الآخرين. الذكاء ليس الكلمة المناسبة.

أفضل “الغيريّة”. في مكتبي الخاص، يحتلّ أرخميدس مكانا مفضّلا . وقد حذّروه بأنه يمكن أن يقتل. وكان باستطاعته أن يهرب، غير أنه ظلّ يعمل لحلّ مشكلة لم تحل إلى حدّ هذه الساعة. وكان يقول: “اتركوني أعمل في سلام!”. وهكذا قتل».


الجذور البربرية

أول كتاب ألفه بالأنكليزيّة عن تولستوي ودستويفسكي


بعد أن أصدر فوكوياما، المفكر الأميركي من أصل ياباني، كتابه الشهير “نهاية التاريخ، وذلك عقب انهيار جدار برلين، علّق جورج شتاينر على ذلك قائلا: «النظريات بشأن نهاية التاريخ تبدو لي عبثيّة، نحن حيوانات جدّ عنيدة وجدّ صلبة.

ونعاني من كوارث، ونتكبّد خسائر في الأرواح. هذا صحيح. لكن الشيء المدهش هو أننا بعد 100 مليون ضحيّة في أوروبا بين شهر أغسطس 1914 وشهر مايو 1945، ما زلنا هنا جالسين مع بعضنا البعض، معافين تقريبا. ولا تزال الحياة متواصلة إلى حين نحن نقول: إنها النهاية.

ومن المؤكد أن التاريخ يتقدّم بسرعة على المستوى العلمي والتكنولوجي غير أنه بطيء التقدم في النواحي الأخلاقيّة. مع ذلك هناك عدد كبير من الناس يموتون بالسرطان وبأمراض أخرى. ولا يزال الزكام شرسا مثلما كان حاله في عهد يوليوس قيصر الذي كان يعاني من زكام شبه دائم.

ما الذي تغيّر؟ وفي أيّ وقت؟ مع ذلك حين أقرأ مع طلبتي نشيدا من أناشيد هوميروس، أو قصيدا من قصائد بيندا، أو مسرحيّة لإريستوفان، أشعر أنا وهم، أننا نعيش نفس الزمن الذي كانوا يعيشون فيه، ومعهم نضحك ونبكي. وإذن يمكن القول إن هناك تغيّرات حدثت لكن على مستوى السطح فقط، أما الروح البشريّة فلم تتغيّر!».

وبشأن الجانب البربري في الحضارة الأوروبية، يقول شتاينار: «إلى حدّ هذا الوقت لا تزال أوروبا ترفض مواجهة جذورها البربريّة. الحديقة الآسرة لـ”غوته” تقع بجانب معسكر “بوخنفالد” الرهيب الذي قضى فيه الكثيرون خلال الحقبة النازية.

وإذن علينا أن نتساءل عن العلاقة بين تاريخنا الثقافي الهائل، والكبرياء التي بلا حدود لحضارتنا، وبين البربريّة. وأنا أعتقد أن أوروبا المجسّدة في فلورنسا، وفي سانت بطرسبورغ، وفي فايمار حملت في طيّات تاريخها السري والعلني بذورا لا إنسانيّة عميقة تتوجب دراستها، واستجلاء خلفياتها وتبعاتها».

14