جورج قرداحي إعلامي يدفع من رصيده بسبب آرائه الإشكالية

أراء الإعلامي اللبناني السياسية الداعمة للنظام السوري تسبب في منغصات كثيرة لإدارة قناة “إم بي سي” دفعته لتقديم استقالته بشكل طوعي.
الأحد 2020/01/26
جورج قرداحي يسبح ضد التيار

هناك عدد قليل من الإعلاميين المؤثرين الذين لديهم خبرة عملية في السياسة، أو بمعنى أصح رجال سياسة وإعلام في آن واحد. وإن ظهر هؤلاء على الساحة يصيبون غالبا الجمهور بالصدمة، خاصة إذا جاهروا بآرائهم التي قد لا تتوافق مع العامة وتبنّوا مواقف لا يحيدون عنها، وسط التقلبات السريعة للسياسة.

من هؤلاء الإعلامي اللبناني جورج قرداحي الذي يصنف كأحد أشهر الإعلاميين في العالم العربي، ويحظى بحضور في كثير من المناسبات والفعاليات. وتظل مشكلته أنه يسبح ضد التيار ويبوح بمواقف وآراء سياسية في أوقات صعبة ودقيقة، ومساندة طرف على حساب آخر، استنادا إلى قدراته في إجادة التجديف الإعلامي.

يبرر قرداحي جرأته في التعبير عن رأيه بأنها من باب الحرية الشخصية. لكنه لم يدرك بعد، أن البعض قد يغيّر آراءه لمسايرة الظروف والتداعيات خشية الصدام مع الشارع. هو لا يقتنع بهذا الأسلوب ويرى أن احترامه للجمهور يفرض عليه أن يكون صاحب مبدأ مهما كانت الخسائر.

قرداحي يُحسب له أنه عندما يظهر على الشاشة لا يكون أسيرا لانتمائه السياسي. يقدم القضية التي يتناولها بشكل موضوعي، معتبرا أن القناعات السياسية خاصة بالشخص، ولا يجب أن يقنع بها جمهوره

قال ذات مرة عن الجهر بمواقفه السياسية “من واجب الإعلامي إبداء رأيه في القضايا الوطنية والقومية”. وبرغم قناعته بأن الإعلاميين يدفعون ثمن آرائهم متى اختلفت مع سياسات الدول لم يبرّئ الإعلام بأنه كان المحرض الرئيسي على مسار ما سمّي بالربيع العربي وكان مطية وأداة في أيدي بعض الجهات.

لا ينسى معارضو الرئيس السوري بشار الأسد، كم وصف قرداحي ثورتهم بأنها “مؤامرة كبرى” لإسقاط الدولة في يد المسلحين. ولم يكتف بذلك، بل وضع الأسد في مرتبة البطل الذي يستحق التكريم، ولولاه لما ظلت سوريا موجودة على الساحة، وما استمرت لبنان تقاوم، وكان من الممكن أن يطول الخراب الأردن وغيره.

هذا رأيه بالطبع، لكن عليه ألاّ ينسى أن هناك آراء أخرى مغايرة تماما، وترى عكس ما ذهب إليه سواء بالنسبة إلى وضع الأسد في السلطة أو غيره من القيادات التي تطرق إليها، وبدا فيها قرداحي يسبح ضد التيار.

ظهير لحزب الله

قناعات قرداحي، بأن الوقوف إلى جانب بشار الأسد، وأيّ نظام عربي مهدد من قوى داخلية وخارجية، يمكن ردها إلى أن لديه موقفا معاديا لثورات الربيع العربي عموما، إذ يرى أنها مؤامرة تستهدف التخريب. وقد يشفع البعض له أن رفضه مبدأ الثورات يهدف إلى الحفاظ على الدول العربية من الضياع وقت الاحتجاجات المتهورة. لكن ما لا يغفره له جمهوره، أنه ما زال يتمسك بدعم حزب الله اللبناني، واختياره حسن نصرالله أمين عام الحزب قبل عامين شخصية العام في لبنان، ما وضعه في ورطة، وأخفق في الدفاع عن نفسه وسط أمواج الانتقادات الجماهيرية.

يصنفه البعض على أنه الظهير الإعلامي الخفي لحزب الله. وترسّخت هذه القناعات عندما لم يخف انبهاره بالنظام الإيراني، لدرجة أنه وصف علي خامنئي بعدما التقى معه في طهران، قبل أربعة أعوام بأنه “القائد الحكيم”، ما عرّضه لهجوم ضار، ووصف بالإعلامي الذي يستثمر جماهيريته لتقديم دعم سياسي لنظام إيران المعروف بتدخلاته السافرة في شؤون دول عربية.

رفضه لمبدأ الثورات بهدف الحفاظ على الدول العربية من الضياع قد يشفع لقرداحي أمام منتقديه. لكن ما لا يغفره له جمهوره، أنه ما زال يتمسك بدعم حزب الله اللبناني، واختياره حسن نصرالله أمين عام الحزب قبل عامين شخصية العام في لبنان
رفضه لمبدأ الثورات بهدف الحفاظ على الدول العربية من الضياع قد يشفع لقرداحي أمام منتقديه. لكن ما لا يغفره له جمهوره، أنه ما زال يتمسك بدعم حزب الله اللبناني، واختياره حسن نصرالله أمين عام الحزب قبل عامين شخصية العام في لبنان

ولأن مواقفه تتناقض أحيانا مع الرغبة الجماهيرية في أن يبتعد الإعلامي عن السياسة، صنع لنفسه المزيد من المعارضين بالثبات على آرائه ورفض الاعتذار عنها، أو الإيحاء بأنها لم تكن مقصودة أو تسرّع في التعبير عنها. وهو ليس كذلك، لم يسبق له تقريبا التبرّؤ من موقف اتخذه وتسبب له في منغصات على الصعيدين السياسي أو الإعلامي.

تظل أكبر أزماته أنه خارج الشاشة، شخص متسرّع في الحكم على الآخرين، ولا يعرف جيدا طريق المواءمات. فهو الذي وصف الإعلامية المصرية ريهام سعيد بأنها تستحق الضرب بالحذاء، بعدما أدلت بتصريحات انتقدت فيها النساء البدينات، ورغم الغضب من إساءته رفض الاعتذار، وقال إن الضرب بالحذاء مصطلح يسمعه في مصر ولا يستحق هذه الضجة.

في ذروة ارتفاع منسوب الغضب ضد الحكومة المصرية، خلال شهر سبتمبر الماضي، وخروج مسيرات احتجاجية تطالب بالإصلاح ومحاربة الفساد وتحسين الأوضاع الاجتماعية، ظهر مدافعا عنها، وقال إن مصر تعيش حالة غليان في المشروعات والإنجازات، ويرأسها رجل دولة لا ينام ويستحق التحية لا الاحتجاج.

فهم كثيرون، دفاع قرداحي عن الحكومة وقت تصاعد الغضب ضدها، أنه يريد تثبيت أقدامه بقوة في الإعلام المصري، ويصبح من أصحاب النفوذ والكلمة العليا داخل المنظومة برمّتها، بعد أن تحدث بشجاعة كداعم للسلطة، وقت أن صمت عدد كبير من مؤيديها، واتُهم بأنه يجيد اقتناص أنصاف الفرص.

برّر البعض موقفه بأنه اضطر للإدلاء بتصريحات مساندة للحكومة لأنه يعمل مذيعا في إحدى القنوات التي تمتلكها، لكن في الحقيقة، هو ليس كذلك، لأن مواقفه لدعم أنظمة سياسية وقت أزماتها أظهرت خفايا شخصيته التي تميل لحرية الرأي لحد مخالفة الوجدان العام.

لا انتماءات على الشاشة

قرداحي الذي يصنف كأحد أشهر الإعلاميين في العالم العربي، يحظى بحضور كبير في كثير من المناسبات والفعاليات. ولكن تظل مشكلته أنه يسبح ضد التيار
قرداحي الذي يصنف كأحد أشهر الإعلاميين في العالم العربي، يحظى بحضور كبير في كثير من المناسبات والفعاليات. ولكن تظل مشكلته أنه يسبح ضد التيار

عندما تعرّض لهجوم ضارٍ من مغردين سعوديين عقب تكريمه في المهرجان الذي أقامته هيئة الترفيه السعودية في أكتوبر الماضي، بسبب آرائه الداعمة للنظام السوري وعلاقته بإيران، اكتفى بالصمت، ورفض الرد، على اعتبار بأنه من حقه أن يؤيد أو يعارض أو حتى يهاجم بقسوة، وذلك حرية شخصية يجب تعميمها في المحيط العربي.

يحيد قرداحي أحيانا عن حرية الرأي المنضبطة التي يطالب بأن تبتعد بأصحابها عن ارتكاب أفعال من شأنها هدم الدول والمؤسسات، ما جعله يرفض الثورات والاحتجاجات عموما، ويرى أن الشعوب التي تغيّر أنظمة الحكم بهذه الطريقة لا تستحق أوطانها. وهو يعلل ذلك بأن هناك الكثير من الأطراف التي يمكن أن تستثمر الحدث لافتعال أزمات سياسية، وتنفذ بحسن نية أجندة عناصر وتيارات تريد الخراب والدمار. ويرى أن الحوار والتفاوض السلمي الحل الوحيد لتغيير أوضاع الدول إلى الأفضل.

ما يُحسب لقرداحي، أنه عندما يظهر على الشاشة لا يكون أسيرا لانتمائه السياسي، ويقدم القضية التي يتناولها بشكل موضوعي، معتبرا أن القناعات السياسية خاصة بالشخص، ولا يجب أن يقنع بها جمهوره الذي يفترض أن يكون من مختلف الطبقات والفئات العمرية والتوجهات الفكرية والثقافية والسياسية.

يصرّ على أن يفرّق بين حياده كمذيع، وقناعاته وتوجهاته كضيف يجيب على أسئلة من يحاوره. ويحسب له أنه لم يستثمر برنامجه ليكون منصة للدفاع عن حكومة يدعمها، أو شخصية يراها نموذجا. لكنه يتحدث بأريحية عندما يحل ضيفا على صحيفة أو برنامج تليفزيوني أو إذاعي، ويقول “هنا أتحدث كمواطن لديه مطلق الحرية ولا يخشى أحدا”.

قد يرى البعض، أن قرداحي لديه ازدواجية شديدة، واعتاد الهجوم على الإعلاميين الذين يحيدون عن الموضوعية ويغيّبون الاستقلالية لخدمة جهات بعينها، لدرجة أنه اتهم الكثير من وسائل الإعلام اللبنانية بأن الطائفية تسيطر عليها، ما انعكس سلبا على الشارع.

كبرى أزمات قرداحي أنه خارج الشاشة، شخص متسرّع في الحكم على الآخرين، ولا يعرف جيدا طريق المواءمات. كما حين وصف الإعلامية المصرية ريهام سعيد، بأنها تستحق الضرب بالحذاء، بعدما أدلت بتصريحات انتقدت فيها النساء البدينات، ورغم الغضب من إساءته، إلا أنه رفض الاعتذار

يؤمن بأن السبيل الوحيد لصناعة مجتمع متحضر ومتسامح أن يكون الإعلام نواة لهذه الأفكار. ويرى أن الإعلام الإماراتي “مرآة لهذا الواقع، حيث رسّخ لدى المجتمع كيف يكون التسامح والتعايش السلمي، بعيدا عن الطائفية والانتماءات الدينية المختلفة”.

يحب قرداحي أن يكون تعامله مع الجمهور، كأنه سفير للتسامح، أكثر من كونه مذيعا. ورغم اعتناقه للديانة المسيحية، لكنه لا يكفّ عن استخدام آيات قرآنية وأحاديث نبوية عندما يخاطب الضيوف والمشاهدين، لدرجة أن البعض شكك في إمكانية إسلامه سرا، لكنه نفى ذلك بشكل دبلوماسي، وقال إن الانتماء للديانة الإسلامية شرف لأيّ إنسان.

ومعروف أنه كإعلامي يجيد انتقاء كلماته على الشاشة بعناية، ويخرج من المواقف المحرجة منتصرا. فهو عندما سُئل إذا كانت الديانة الإسلامية شرف، لماذا لا تعتنقها؟ أجاب “أنا أهتم بالإنسانية ولا أجد فرقا بين المسيحية والإسلام، والأديان وجدت لخدمة الإنسان وتحصيل حقوقه وحمايته في الدنيا والآخرة”.

يكشف قاموسه أنه لم يجهر بخطأ في حياته تقريبا سوى بالتقارب مع يوسف القرضاوي القيادي الإخواني البارز ورئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين السابق، حيث كان على علاقة قوية به. ووصفه بأنه “ضلّ الطريق وأصبح يبرر القتل وسفك الدماء ويدعم التنظيمات المتطرفة التي تعادي الإنسانية”.

استطاع قرداحي أن يستثمر الجماهيرية والشعبية التي يتمتع بها في الأوساط العربية، لنشر التسامح بين الناس، عن طريق تقديم برنامج يحمل اسم “المسامح كريم”، حيث تعامل خلاله بشخصية كبير العائلة الذي تفرض عليه المسؤولية الاجتماعية أن ينهي المشكلات والخصام والقطيعة بين الناس والأقارب وأفراد الأسرة الواحدة.

وسام إميل لحود

قرداحي يحب أن يكون تعامله مع الجمهور، كأنه سفير للتسامح، أكثر من كونه مذيعا
قرداحي يحب أن يكون تعامله مع الجمهور، كأنه سفير للتسامح، أكثر من كونه مذيعا

ولأنه يتمتع بقدر كافٍ من المرونة والهدوء ونبرة الصوت المميزة وانتقاء الكلمات المؤثرة، نجح في إنهاء خصومات دموية بين العائلات، بعدما أقنع المتخاصمين بالصلح داخل البرنامج. وتقوم فكرة البرنامج، الذي ما زال يُعرض على قناة “سي بي سي” المصرية، على استضافة اثنين بينهما خصومة أو قطيعة، وتقريب وجهات النظر بينهما، والضغط على الطرف المتضرر لقبول الصلح والتسامح مع الآخر، ونجح في ترميم علاقات أسرية كثيرة، بين الأصدقاء والأزواج والآباء والأبناء.

يصعب فصل شخصيته عن الأسرة التي نشأ فيها، حيث ولد لعائلة تقدس القيم الدينية والاجتماعية والانفتاح المنضبط على مختلف الثقافات والديانات ومحبة الغير، باعتبار أن الديانة المسيحية تقوم على ذلك، ما جعله يكبر على هذه القناعات التي لم يغيّرها أو يتبرأ منها، رغم حياته التي عاشها في بلدان عربية وغربية كثيرة.

انعكست البيئة التي تربى فيها على مسيرته الإعلامية في مجال البحث عن نشر القيم الخيرية في المجتمعات العربية، حيث عمل على استقطاع أجزاء من وقته لدعم حق البسطاء في العيش بأمان وسلام من خلال الترويج دون مقابل للجمعيات الخدمية، وشغل منصب سفير النوايا الحسنة للأمم المتحدة وحصد الكثير من المناصب الفخرية الأخرى.

قرداحي يؤمن أن السبيل الوحيد لصناعة مجتمع متحضر ومتسامح أن يكون الإعلام نواة لهذه الأفكار
قرداحي يؤمن أن السبيل الوحيد لصناعة مجتمع متحضر ومتسامح أن يكون الإعلام نواة لهذه الأفكار

يحمل وسام الأرز من الرئيس اللبناني السابق إميل لحود، برتبة قائد، كما أنه حائز على العديد من الجوائز من منظمات إنسانية دولية لإسهاماته وإنجازاته الخيرية في المجتمع، وسلك هذا النهج منذ بداية حياته المهنية عام 1974 عندما عمل في التلفزيون اللبناني وجريدة “لسان الحال”، قبل أن ينضم بعد خمس سنوات لإذاعة “مونت كارلو” الفرنسية.

اكتسب قرداحي طوال مسيرته خبرات إعلامية أثقلته بالتجارب والتنوع في المعارف. فقد عمل في هيئة إذاعة الشرق بباريس، قبل أن يصبح مشهورا عقب تقديم برنامج “من سيربح المليون” على قناة “إم بي سي” منذ نحو عقدين، وعاد بعد أربعة أعوام لهيئة الإذاعة اللبنانية ليقدم برنامج “افتح قلبك”، وأصبح المذيع التلفزيوني العربي الأعلى أجرا.

عندما عاد مجددا إلى “إم بي سي”، لتقديم برنامج “أنت تستاهل”، تسببت آراؤه السياسية الداعمة للنظام السوري في منغصات كثيرة لإدارة المحطة، دفعته لتقديم استقالته بشكل طوعي. لكن عندما انتقل ببرنامج “من سيربح المليون” إلى فضائية الحياة المصرية، مارس هوايته في استقطاب الجماهير بحكم امتلاكه جاذبية في الحديث.

من المؤكد أن عناد قرداحي في تبني بعض المواقف السياسية يسحب الكثير من رصيده وشعبيته لدى متابعيه، لكنه أثبت قدرته على إدارة أزماته بحكمة جعلته ضمن الإعلاميين الذين يتابعهم قطاع عريض من الجمهور العربي رغم آرائهم حيال ما يتبناه من قناعات.

9