جورج قرم: طالما نقحم الدين في كل شيء فلن يغادرنا التخلف

المفكر اللبناني يرى أن المنطقة العربية تمر بإحدى أسوأ فتراتها منذ انطلاق ثورات ما سمي بالربيع العربي عام 2011 وتتعرض إلى تدخلات قوى إقليمية.
الجمعة 2018/04/13
أتطلع إلى لبنان المنتج فكريا وفنيا وأدبيا وشعريا هذا لبنان الذي نحبه

تمتاز كتابات المفكر اللبناني جورج قرم، وزير مالية لبنان السابق، بعمق وشمولية رؤيتها، ودقتها في التحليل، وواقعيتها في تناول القضايا والمشكلات الاقتصادية، حيث يقدم رؤية مستقبلية استشرافية وتصورات تعيد النظر في العديد من المسلمات، بالإضافة إلى كونها تتابع التطورات والتحولات الخارجية على المستوى الأقليمي والدولي.

وصدرت لجورج قرم العشرات من المؤلفات سواء بالفرنسية أو العربية التي تتناول قضايا الشرق الأوسط سواء كانت تلك القضايا اقتصادية أو سياسية أو إنسانية، وخصّ لبنان بالكثير منها، وهو الذي يردد دائما مقولة جبران خليل جبران «لكم لبنانهم ولي لبناني».

عن لبنان، بدأ حوار “العرب” مع جورج قرم، الذي التقيناه مؤخرا، على هامش فوزه بجائزة سلطان العويس الثقافية في مجال حقل الدراسات الإنسانية وذلك عن مجمل أعماله. وباعتباره وزيرا سابقا للمالية، كان السؤال حول ما يدور من أخبار في الأيام الأخيرة عن لبنان الذي أصبح قاب قوسين من الإفلاس، وإمكانية التشابه بين وضعه والوضع اليوناني.

لبنان الثقافي والفني

رغم إقراره بصعوبة الوضع المالي في لبنان إلا أن قرم يعتقد أن لبنان الذي استطاع أن يتجاوز أزمات مماثلة سابقا قادر على أن يتجاوز محنته الحالية. وقال “لا أعتقد أن لبنان على حافة الانهيار وفقا لبعض التوقعات المتشائمة، ولا مقارنة بين الوضعين اللبناني واليوناني من ناحية المديونية، لسبب بسيط هو أن أكثر من 80 في المئة من الدين اللبناني بأيادي المصارف اللبنانية والبنك المركز اللبناني، وليس هناك دائنون خارجيون يمكن أن يطالبوا بتدخل صندوق النقد الدولي”.

لبنان، الذي تضرر من حرب مستمرة منذ سبع سنوات في الجارة سوريا ويستضيف أكثر من مليون لاجئ سوري، يحتاج إلى دعم مالي كبير من أجل الاستثمار في إصلاح بنيته التحتية وزيادة النمو الاقتصادي الآخذ في التراجع، لكن بنظرة أكثر عمقا يقول المفكر اللبناني جورج قرم وزير المالية السابق إن البلد محكوم من قبل جماعات مالية وطائفية تستغله أبشع استغلال، ويؤكد في حوار مع “العرب” أن تجاوز حالة الفشل  بالداخل اللبناني كما العربي لن يتحقق إلا من خلال تحقيق نهضة عربية تكون الرادع الرئيسي للتدخلات الإيرانية وتواجه الراديكاليات الدينية

لمواجهة الأزمة الاقتصادية قال جورج قرم إن الحل بيد اللبنانيين، وأشار إلى ضرورة أن “يغير أبناء لبنان التصرفات السياسية والاقتصادية والمالية السائد في لبنان منذ عهد الرئيس رفيق الحريري، حيث لم تتغير إلى اليوم، ونحن نعاني من ثغرات كبيرة في السياسات الممتدة من التسعينات وبدايات الألفية الجديدة، من أزمة النفايات إلى أزمة التنقلات، إلى أزمة المياه، كل القطاعات متأزمة في لبنان نتيجة سوء الإدارة الموجودة، لأن لبنان اليوم محكوم من جماعات مالية وطائفية أصبحت تستغل المواطن اللبناني استغلالا بشعا للغاية”.

وأضاف أن “تغيير السياسات ليس بيد إنسان واحد، لكن على الرغم من الظروف الصعبة في المنطقة استمر لبنان في الحياة، والحياة الثقافية والفنية والأدبية رائعة، وشخصيا أتطلع إلى هذا الـ’لبنان’ المنتج فكريا وفنيا وأدبيا وشعريا، هذا هو لبنان الذي نحبه. لكن لبنان السياسة كريه، وكريه منذ الحرب الأهلية، سواء تحت الوصاية السورية أو خارجها. لقد كان الكثير من اللبنانيين يرون أنه بمجرد أن تخرج سوريا ستحل كل المشاكل، وتبين عكس ذلك”.

وحول تأثير النزوح السوري السنّي على تركيبة لبنان الديمغرافيّة المعقّدة، أضاف قرم “لا أتعاطى بالمقولات الطائفية والمذهبية، لبنان لصغر حجمه وعدد سكانه تلقى عبئا كبيرا للغاية بمجيء أكثر من مليون لاجئ سوري، وعندما أرى كيف يعامل السوريون بالدول الأوروبية على سبيل المثال، أقول إننا كنا مضيافين بالنسبة للسوريين”.

في حوارنا مع جورج قرم تطرقنا إلى الأوضاع والسياسات والنزاعات على الساحة الشرق أوسطية، دون أن نغفل الجانب الإنساني في حياته الشخصية، فهو حفيد الرسام اللبناني الرائد داود قرم رائد فن الرسم في لبنان، وابن الرسام المعروف وعازف البيانو جورج داود قرم مؤسسي المتحف الوطني، والكونسرفاتوار اللبناني، وعمه هو شارل قرم صاحب «المجلة الفينيقية» وديوان «الجبل الملهِم».   

ويبدو تأثير الثقافة واضحا في أحاديث جورج قرم الذي نفى أن تكون الحرب سواء في سوريا أو غيرها قد أثرّت سلبا على الحياة الثقافية والفنية اللبنانية، مشيرا إلى أن لبنان اليوم لبنانان، لبنان السياسي والاقتصادي والمالي، أو كما أسميه جمهورية لبنان المالية والعقارية، حيث تستأثر الشخصيات السياسية بالحياة المالية والعقارية، مجموعات طائفية مالية في ذات الوقت، وهناك لبنان الآخر حيث بيئته الفنية والثقافية غنية للغاية بكل أنواع التعبير الفني. 

ورأى قرم أنه سواء كتب بالفرنسية أو العربية فإنه لا يفرق بين أوروبي وعربي؛ “إنني أكتب التاريخ بشكل دقيق بعيدا عن كل الكليشهات والكتابات النمطية السائدة على الساحة، وأطمح إلى تكريس إنسانوية يمكن أن تجمع لا أن تفرق، أخاطب القارئ الغربي كما القارئ العربي بنفس الرؤية، إذ ليست عندي رؤيتان إحداهما للعرب والأخرى لغير العرب.

وأضاف “عندما أنشر بالفرنسية فهناك جمهور مغاربي ‘فرانكوفوني’ واسع، وأيضا هناك ترجمات لكتبي للعديد من اللغات الأوروبية والتركية، بينما لو كنت أنشر بالعربية فقط كم عدد من سيقرؤون لي، في بيروت عندما تبيع ألفي نسخة من إصدار بالعالم العربي فهذا إنجاز، في الوقت الذي تباع من كتبي باللغات الأوروبية 60 ألفا من الإصدار الواحد، أي 60 ألف قارئ”.

أزمات المنطقة

لبنان سيبقى يواجه أزماته بالفن والثقافة وحب الحياة
لبنان سيبقى يواجه أزماته بالفن والثقافة وحب الحياة

تمر المنطقة العربية بإحدى أسوأ فتراتها منذ انطلاق ثورات ما سمي بالربيع العربي عام 2011 وتتعرض إلى تدخلات قوى إقليمية، وتهددها مشاريع انتقامية وأجندات توسعية لإيران وتركيا. ويشرح جورج قرم أزمات الإقليم قائلا “بالنظر إلى ما يجري في سوريا وليبيا واليمن، لم نكتفي بالفشل بل ذهبنا إلى مرحلة تفوقه وهي مرحلة التدمير الذاتي”.

وفي ما يخص القضية الفلسطينية رأى على خلاف العديد من المثقفين العرب، أن “القضية ارتبطت بالعامل الديني منذ نشأتها، وهذه لعبة الإنكليز، منذ وعد بلفور”، مشيرا إلى أن “معركة فلسطين إذا خضناها على أساس ديني، حتى بالنسبة للقدس، فإن موقفنا سيكون ضعيفا”.

وشدد على “ضرورة تحييد الدين عن الصراع العربي الإسرائيلي كونه ليس قضية دينية، بل قضية استعمار واستيطان بحاجة إلى التحرير والتطهير من قبل المستعمرين”، وتابع “أعتقد لو أن بوذيين أتوا وغزوا فلسطين سنقاوم هذا الغزو بالمثل، فالمقاومة ليست لأن المستعمر يهودي الديانة ولكن لأنه مستعمر، إنما إذا جعلناها معركة ما بين مسلمين ويهود مدعومين من الغرب السياسي فإن المعركة ستكون أطول وأصعب”.

الحروب الدينية

جورج قرم

مفكر وكاتب وسياسي واقتصادي لبناني، من مواليد 1940.

خريج جامعة باريس في القانون الدستوري والعلوم الاقتصادية.

بدأ حياته المهنية خبيرا اقتصاديا في كل من بيروت وباريس والجزائر.

عيّن عام 1998 وزيرا للمالية اللبنانية اهتم بالكتابة عن أزمة الهوية في كل من الشرق والغرب.

يقول جورج قرم في كتابه “شرق وغرب: الشرخ الأسطوري” “ننسى أن ‘الحداثة’ ليست إلا مظهرا مخادعا وشعارات معيارية وضعته الثقافة الأوروبية بشكل مصطنع في خضم الغليان الإبداعي لعصري النهضة والأنوار. هذا مع العلم بأن جذور هذا الغليان ربما كانت قائمة في فترات سابقة من التاريخ الأوروبي… . إن سرعة إيقاع التغيرات التقنية هي التي أعطتنا الانطباع بتسريع التاريخ. إنما، أليس هذا الانطباع وهما وخداعا؟ إذا كنا نفهم من التاريخ، ليس فقط تطور الفكر البشري وتراكم المعارف العلمية، بل أيضا تطور الأخلاق والقيم والقضاء على العنف والجوع والحرمان وكل أنواع النبذ في الغرب كما في العالم فعلينا، إذا، الاعتراف بأن التاريخ لم يؤمّن فعلاً التقدم البشري، وأن إيقاع تقدمه من البطء بحيث لا يمكّن من تلمسه وقياسه”.

فسّر جورج قرم ظاهرة الإسلام السياسي قائلا “هناك مشاريع قديمة لدول غربية تحاول توظيف الدين ضد المصالح العربية”، لكنه يشير في نفس الوقت إلى أن الفتنة المزمنة بين العرب هي ما أوجد الفراغ الذي تسللت منه هذه الأجندات.

وتابع بقوله “العرب كانوا يطالبون بالوحدة منذ فترة السلطنة العثمانية، ثم شكلت الفترة الناصرية أوج هذه الرغبة، لكن تجربة الوحدة بين مصر وسوريا لم تنجح، ومثلت أول ضربة قوية للطموحات القومية العربية، وبعد ذلك حدث تزاحم وتنافس بين الأنظمة العربية، فالعراق وسوريا الدولتان المحكومتان بنفس الحزب السياسي (حزب البعث) أصبحا في حالة عداء مطلق”.

ولفت إلى أن “هذه ظواهر لم تدرس بعد”، متسائلا “هل هناك ميل شبه فطري عند العرب لإحداث فتنة في ما بينهم؟ هذه ظاهرة ملفتة يجب أن تدرس خارج إطار تطبيق نظرية ابن خلدون حول العصبية بطريقة سطحية”،  منبها إلى أن “المنحى التاريخي يمضي في مسار الفشل وفي مسار التدمير الذي نعيشه بصفة يومية”.

لا يؤمن جورج قرم بمصطلح الحروب الدينية، مشيرا إلى “ضرورة تحييد الدين، فتلك الحروب التي شهدها العالم على مدار التاريخ ووصفت بالدينية هي في الأساس حروب على مصالح، والدين استعمل كأداة حرب». ويقدم كمثال الحروب الصليبية مشيرا إلى أنها «لم تكن حروبا دينية، بل كانت حروبا سياسية، تحت راية الدين، لغزو المنطقة والاستفادة من علمها وقتئذ، لأن العرب كانوا متقدمين عن أوروبا».

وأضاف في مثال آخر، «حتى حروب البروتستانت والكاثوليك كانت دنيوية، بدأت هذه الحروب من قصة أموال الكنيسة، كان اللوتل والبروتستانت يريدون الاستيلاء على أموال الكنيسة الكاثوليكية… دائما هناك مشكلة دنيوية وراء أي نزاع، ليس هناك نزاع ديني». وفي ما يخص الفتوحات العربية، قال إنها «حملت صفة مزدوجة: الضوابط الدينية وطموحات القادة في ذاك الزمان”.

وتابع “إذا نظرنا إلى العالم المسيحي فقد تحرر من الانغماس في القضايا الدينية بين الكاثوليك والبروتستانت، بعدما دامت الحروب التي وصفت بالدينية بأوروبا أكثر من مئة عام، تم الخروج بمعاهدة وستفاليا التي أسست الدول القومية الأوروبية، وأوروبا قوية لأن القومية أمسكت بزمام الأمور، وتم تحييد الدين”. لكن، العرب مازالوا يفكرون بعقلية زمن قديم.

وأضاف أن “المجتمعات متعددة القوميات مثل السلطنة العثمانية أو الإمبراطورية النمساوية المجرية انهارت بعد الحرب العالمية الأولى لأنه دشن العالم آنذاك عهدا جديدا مبنيا على القوميات، وسعى العرب إلى التوحد تحت شعار القومية لكنهم فشلوا”.

وأشار إلى أنه “طالما نستعمل الدين بهذا الشكل لا أعتقد أننا سنخرج من تخلفنا، يجب الانتباه إلى أن التخلف العلمي والتكنولوجي العربي مفجع، ومعظم العقول العربية تغادر المنطقة لتندمج في المجتمعات الأوروبية أو الأميركية.. هذا نزيف قدرات مفزع”. ونفى المفكر اللبناني أن يكون حوار الأديان حلا للنزاعات، مؤكدا أن النزاعات ليست دينية ولكن دنيوية.

النموذج الإماراتي

اعتبر جورج قرم أنه في ظل الوضع الحالي فإن بوصلة المستقبل العربي تبدو غير واضحة، كل التنبؤات الموجودة في الصحافة الغربية غير حقيقية، وأعتقد أن جزءا كبيرا من طاقاتنا يستنزف في قراءة الغرب طوال الوقت، بينما يجب أن تكون كل الطاقات موجهة نحو بناء “نهضة عربية”.

وعبر عن أسفه من أن المجموعة العربية إجمالا لم تدخل العصر الصناعي إلى اليوم، وأضاف “نحن لا نزال في العصر ما قبل الصناعي، لأن الاهتمام بتوطين العلم والتكنولوجيا ضئيل ويكاد يكون غير موجود”. لكن هناك استثناءات يمكن النسج على منوالها. وقدم الإمارات كنموذج وجب على الدول العربية الاقتداء بها، حيث
لم يخفي إعجابه بتجربتها التي قال عنها “هذه تجربة وحدوية نجاحها باهر، ونجاحها نتيجة عبقرية الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، الذي أعتبره من أهم القادة العرب».

وأضاف «الإمارات العربية المتحدة اليوم كيان سياسي متين، حيث حققت إنجازات كبيرة، أنا دائما أقول إنه من المفترض أن يسير العالم العربي على نسق نجاح تجربة الإمارات المتحدة، يجب أن نستلهم من هذه التجربة لبناء مستقبل الدول العربية”. وأردف قائلا “يجب أن نبني أنفسنا بغض النظر عما تقوله المصادر الخارجية عن أوضاعنا، يجب أن نهتم بأوضاعنا ليس بما يفكر الغرب عنا”.

بوصلة المستقبل العربي تبدو غير واضحة

 

12