جورج هاجي لم يعتزل

الأحد 2015/08/23

قبل 14 سنة فقدت الملاعب الأوروبية وتحديد يوم 21 مايو 2001 أحد أفضل نجومها وأبرزهم خلال حقبة الثمانيات والتسعينات، إنه اللاعب الذهبي وأسطورة رومانيا التي يتغنى بها الجميع إلى اليوم جورج هاجي الذي اختار في لحظات من المجد الخالدة أن يعتزل كرة القدم في سن السادسة والثلاثين، وذلك بعد أن قاد فريق قلعة السرايا التركي للتتويج بكأس الإتحاد الأوروبي.

كانت نهاية أسطورية ومؤثرة للاعب أسطوري أطلق عليه الجميع لقب “مارادونا” أوروبا، بعد أن تألق بشكل لافت ومميز على امتداد سنوات مسيرته الرياضية بداية من سنة 1982، حيث لعب في فريق روماني مغمور قبل أن يتسلق بسرعة رهيبة سلم المجد الأوروبي والعالمي، ويتقمص أزياء ريال مدريد وبرشلونة كبيري أسبانيا وكذلك قلعة السرايا التركي.

لقد تألق هاجي بطريقة رائعة مع منتخب بلاده، حيث برز في مونديال إيطاليا 1990، ثم بزع نجمه كأحد اللاعبين العمالقة في تاريخ الكرة العالمية في مونديال الولايات المتحدة 1994، إذ قاد منتخب بلاده إلى تحقيق أفضل النتائج ووصل معه إلى أدوار متقدمة وسجل أهدافا غاية في الجمال والسحر.

اعتزل إذن هاجي اللعب سنة 2001، لكنه ترك إرثا كبيرا لم يقدر أي لاعب روماني إلى اليوم على الإقتداء به، ليبقى “أيقونة” خالدة في قلوب الجميع إلى حد اللحظة.

لم ينس أحد إبداعات هذا اللاعب الموهوب الذي يشبه كثيرا في بنيته ومهاراته وتسديداته النجم الأرجنتيني دييغو مارادونا، ولا يمكن لأي روماني “أصيل” أن يغفل من الذاكرة الكروية لهذا البلد التألق اللافت لهاجي، وبقي الجميع يتحسرون على عدم ظهور لاعب آخر يكون قادرا على أن ينسيهم ولو إلى حين نجاحات “مارادونا” أوروبا، بيد أن هذا النجم الأسطوري أبى إلاّ أن يعود منذ سنة 2009 إلى الواجهة.

لقد عاد الساحر، لكن بطريقته الخاصة، إذ لم يعد كمدرب أو محلل فني أو مستشار، بل كرئيس ومؤسس لنادي مغمور ينشط محليا والهدف هو الوصول بهذا الفريق إلى الواجهة والمقدمة.

التأسيس كان سنة 2009 والوصول إلى القمة لم يستغرق سوى ست سنوات فقط، فالأخبار الواردة من بلد الرومان تشير إلى أن نادي فيتورول كونستانتا يحتل صدارة ترتيب الدوري الممتاز، ويسير بخطى ثابتة نحو المراهنة بكل جدية وقوة على اللقب.

هذا الخبر يحمل صراحة في طياته عديد المعطيات والأسرار والعبر والدروس، أولها أن هاجي انطلق من نقطة البداية، أي بدايته في عالم “الجلد المدور”، ولمن لا يعرف مسيرة هذا اللاعب العبقري، فإنها انطلقت فعليا موسم 1982ـ1983 مع نادي فارول كونستانتا.

والطريف في الموضوع يكمن في بعض التفاصيل، إذ آثر هاجي أن يرد الدين للمدينة التي قدمته لرومانيا بأسرها، فاختار أن يؤسس هذا الفريق الجديد في مسقط رأسه ولم يغير من الاسم التاريخي لأول فريق في مسيرته سوى بعض الأحرف.

الخبر الثاني في هذا الموضوع أن هاجي “أنبت زرعا مثمرا”، فجورج الأسطورة أنجب ولدا تنتظره رومانيا بلهفة كي “ينضج” سريعا ويسير على خطى والده، هذا الابن هو قائد فريق فيتورول كونستانتا، رغم أنه لم يتم بعد السادسة عشر ربيعا. فموهبته الفذة وقوة شخصيته التي ورثها عن الأب جعلته يكون اللاعب الأول في الفريق وأحد أهم هدافيه، والدليل على ذلك أنه سجل هدفا في آخر مباراة للفريق ضمن الدوري الممتاز على حساب نادي بولي تيميشوارا، والنتيجة النهائية استقرت على رباعية أكد بها فريق هاجي صدارته للترتيب برصيد 16 نقطة من ثماني مباريات.

وليس غريبا أن ينجح هذا الفتى الذي يدعى إيانيس هاجي في خطف الأضواء بسرعة البرق، ويقدم نفسه على أنه أحد المواهب القادرة على إعادة رومانيا إلى سالف مجدها منذ 20 سنة، بما أنه ولد ليكون نجما ويسير على خطى أبيه “الساحر”.

سحر الأب لم يقتصر على ابنه فحسب، بل إنه حرص عند تأسيسه هذا النادي أن يمنح الفرصة لصغار السن دون سواهم، ولئن اختار لنفسه أن يكون المؤسس والرئيس للفريق، إلاّ أنه يشرف بنفسه على اختيار اللاعبين وتكوينهم ومنحهم بعضا من موهبته الخالدة، فكانت المحصلة إلى حد الآن رائعة ومشرفة وواعدة، فجلب لنفسه الاهتمام وسلط الأضواء على نجوم المستقبل في رومانيا، والدليل على ذلك أن بعض الأندية الأوروبية العريقة بدأت منذ فترة في إيفاد مبعوثين وفنيين لمعاينة أبناء “مارادونا أوروبا” جورج هاجي.

في هذه الأثناء فإن الإتحاد الروماني لكرة القدم ينتظر على أحر من الجمر أن يكبر الولد إيانيس هاجي حتى تتم دعوته للمنتخب الأول، فالسنوات العجاف آن لها أن تنتهي بعد أن استفاق “المارد” من قمقمه، فعاد للحياة عبر ولده إيانيس وناديه فيتورول كونستانتا الذي تأسس ونشأ وبدأ يكبر برعاية ومباركة الساحر على الدوام جورج هاجي.

كاتب صحفي تونسي

23