جورج والرحبانيان

الاثنين 2014/11/10

“السخرية قوة وإرادة وفعل ومواجهة مع كل أشكال الإرهاب الفكري. السخرية هي القوة الصلبة، الحديدية التي لا يمكن لأحد الاصطدام بها. السخرية قوة تربك الضمائر التي تعمل على قتل الجمال والإنسان والحياة. نعم، إنني اكتب السخرية لبناء السد المنيع في وجه كل من يسعى إلى تخريب الجمال، والسخرية التي أخوض غمارها هي نوع من تحمل الأذى عن المظلومين، أحارب بها القبح، وتكون مثل نسمة عليلة على جسد حار، السخرية التي أتبعها هي سعادة للناس وطمأنينة لهم”.

بهذه الكلمات عرّف جورج جرداق السخرية التي كان من أهمّ رموزها وعلاماتها قبل أن يغادرنا الأسبوع الماضي في هدوء لم تقطعه غير كتابات ترثيه في الصحف والمجلات والمواقع.

وعندما سئل: ما الذي يدفعك للسخرية؟ أجاب: “الأحوال السيئة التي تطال البشرية اليوم، الحس الجمالي يتعرض لكل أشكال التهجّم، الصدق غائب، البساطة باتت عملة نادرة، الجرائم كثيرة، الطبيعة تقتلع وتشوه، الذوق الجميل إلى أفول، رجال المال والأعمال وعشاق السلطة باتوا نجوم الحياة.. كل هذا يدعوني إلى السخرية”.

كانت السخرية طبيعة حياة وفطرة وجود لدى الأديب والشاعر والكاتب الراحل، حتّى إذا لم يجد شيئا يسخر منه، سعى إلى الاتفاق مع أصدقائه لتبادل الهجاء، بحثا عن منفذ للمرح ولبث البهجة في نفس المتلقي، ومن ذلك سلسلة ممتدة من قصائد الهجاء المتبادل مع الأخوين رحباني عاصي ومنصور، حيث كتب في إحدى المناسبات “هذا قصيدي في بني الرحبان‏ أهل الذكا ومشايخ الزعران‏ أهديه للإخوان في مصر وفي ‏ لبنان والبحرين والسودان‏ لا ننكر الفن الرفيع وأنتما‏ بالفن في بحريه نابغتان‏ لكن متى انتفع الزمان بنابغ‏ لصّ يروغ بثوبه لصّان‏ إن مرّ عاصي قلت هذا طائح‏ كغضنفر من آل الكوباني‏ كالثعلب المكّار تضحك ذقنه‏ للقن مختبئاً به صوصان‏ كالغول يفتح عينه إما غفا‏ وإذا صحا عيناه مغمضتان‏ إن صاغ لحناً لا تحسّ لمكره‏ عربي هذا اللحن أم طلياني‏ وإذا بدا المنصور قلت له أعد‏ للبر ما سلبت يد القرصان‏”.

وببساطة وسلاسة ردّ عليه الرحبانيان “أدجاجة الفرّام قاقي.. قاقي‏ بيضي على جرجي بني جرداق‏ بيضي انقديه جرجري جرجي‏ إلى قنّ الغرام وعنبر العشاق‏ قد قام يهجونا ببعض قصيدة‏ من صوت زرزور وبحّة قاق‏ شرشوحة الأبيات لمّ كلامها‏ من ألف زاروب وألف زقاق‏ يا جورج يا دبّ الغرام ونمسه‏ يا شاعراً.. بطناجر ووجاق‏ يا عود دندن له على وتر النوى‏ وادفعه للطبال.. والرقّاق‏ كي يضربوه على الضموم ثقيلة‏ ضربا سماعيا على أقصاق‏ واسفقه يا كرباج باسمك سفقة‏ حتّى يغني.. ليت للبراق‏ يا أهل مصر إن أتاكم زائر‏ يحكي عن الأشعار في الأسواق‏ دوروا بجرجي فوق جحش أعرج‏ من شارع الموسكي إلى بولاق‏”.

ولا يزال أصدقاء جورج جرداق يذكرون مواقفه الساخرة وفكاهاته النادرة فيضحكون حتّى وهم في منتهى الحزن لرحيله.

24