جوزيف بوليتزر أوسكار الصحافة الذي لا يعرف الحدود

السبت 2016/04/23
بوليتزر مهاجر متفوق على عصره حلم بالابتكار والخلق في العمل الصحافي

واشنطن- رغم ضعف البصر إلا أن البصيرة كانت ثاقبة. صحافي شرس عرف بتأسيسه لتيار جديد في الصحافة أثار جدلا كبيرا في زمنه. شق طريق صحافة المساءلة، وتناول في عمله قضايا حساسة مثل الاحتكار والفساد الاقتصادي والسياسي. مهنته الصحافية لم تجعله يقف على الحياد. بل كانت له مواقف واضحة وداعمة للمواطن، منها قضية القوى العاملة وتنظيمها.

لعب دوراً هاماً في تاريخ الصحافة الاميركية، وعرف بوضع معايير أخلاقية ومهنية عالية لمهنة المتاعب هذه.

أراد للصحافة التقدم والازدهار لتكون مهنة نبيلة تعمل على التأثير في العقول والأخلاق العامة. وربح قضية ضد الرئيس روزفلت. هو صاحب القول الشهير “السلطة الحقيقية في قلب مستقبل الدولة هي بيد الصحافة”، اسمه التصق بأهم جائزة عالمية في الصحافة والعلوم الإنسانية، هو الصحافي والناشر الأميركي جوزيف بوليتزر.

بوليتزر والحياة

ولد في مدينة ماكو المجرية في 10 أبريل 1847. هو من أب يهودي وأم ألمانية كاثوليكية. تعلم بوليتزر في مدارس خاصة. قرر في سن السابعة عشرة أن يلتحق بالجيش النمساوي، فيلق نابليون الأجنبي في المكسيك، والجيش البريطاني في الهند ولكن هذا الشاب طويل القامة رُفض بسبب ضعف بصره وبنيته. ولكن الحظ حالفه في هامبورغ الألمانية، فاستطاع أن ينضم إلى احتياطي القوات المتحدة في الجيش الأميركي إبّان الحرب الأهلية.

وصل بوليتزر إلى الولايات المتحدة في العام 1864، واستقر في مدينة سانت لويس بولاية ميسوري. عمل في عدد من الوظائف كسائق للبغال ونادل وحامل حقائب. كان يدرس اللغة الإنكليزية والقانون في المكتبة التجارية للمدينة. وكان يتقن الألمانية و الفرنسية.

وفي إحدى المرات كان بوليتزر يراقب لعبة شطرنج في المكتبة الوطنية، وبدأ بالحديث مع اللاعبين وأبدى رأيه في طريقة اللعب باستراتيجيات جديدة. لم يعلم أنه كان يتحدث مع محررين في أهم صحفية يومية آنذاك “ويستليتش البوست” وهي صحيفة يومية تصدر باللغة الألمانية.

لوري مونتغومري من إدارة تحرير الواشنطن بوست تؤكد لـ"العرب" أن دور التكنولوجيا اليوم في العمل الصحافي ضخم جدا، وأن الابتكار في الكتابة الصحافية ضرورة ملحة، رغم وجود برامج البحث المتقدمة مثل نيكسيس وغوغل إلا أن ابتكار الصحافيين والباحثين له دور هام وفعال في البحث والتدقيق

إثر تلك الجلسة، عُيّن بوليتزر بتوصية من قبل كارل ستشورز في “ويستليتش البوست”. وفي زمن قصير لمع اسمه كصحافي شاب مغامر مجتهد لا يعرف الكلل أو الملل. فعرض عليه شراء حصة من أسهم الصحيفة من قبل أصحابها الذين كانوا على وشك الإفلاس.

في عمر الخامسة عشرة أصبح بوليتزر ناشراً. ونجح بإبرام عدد من الصفقات الاستثمارية لمطبوعات أخرى. ففي عام 1878 قام بالدمج مع صحيفة “سانت لويس بوست ديسباتش”، ليؤسس لإمبراطورية صحافية كبيرة.

صحافة التفاصيل الدقيقة

تزوّج بوليتزر من كيت ديفيز وهي سيدة مجتمع معروفة في واشنطن. تغيرت حياة ذلك المهاجر اليهودي الذي عرف باسم “جوي اليهودي”، بعد أن أصبح مالكاً لصحيفة “سانت لويس بوست ديسباتش”.

كان يعمل في مكتبه يوميا حتى الفجر، يتدخل في أصغر تفاصيل العمل، ليطور صحيفته، من أجل أن تكون الصحيفة الرائدة في أميركا. عمل على نشر المقالات والتحقيقات الصحافية والافتتاحيات الفريدة من نوعها. حيث تناول مواضيع الفساد الحكومي، والتهرّب الضريبي من قبل رجال الأعمال والطبقة الغنية والمقامرين. وكانت صحيفته تعتبر نبض الشارع والنداء الشعبي الفعال والسلطة الحقيقية في أميركا.

رغم تدهور حالة جوزيف بوليتزر الصحية وضعف نظره، لم يستجب لنصائح طبيبه الذي طلب منه الكف عن العمل والسفر للراحة. وعوضا عن ركوبه الباخرة إلى أوروبا، أبحر المغامر في بحر صحافة نيويورك وقرر شراء صحيفة “العالم” والتي كانت على وشك الانهيار.

جائزة بوليتزر عن فئة التصوير الفوتوغرافي تعد واحدة من أربعة عشر جائزة بوليتزر تقدم سنويا في جامعة كولومبيا بنيويورك في الولايات المتحدة الأميركية

فجّر بوليتزر “ثورة الرجل الواحد” في صحفية “العالم”. حيث عمل على تأسيس نهج جديد في سياسة التحرير ونوع المواضيع وشكل المطبوعة. ملأ بوليتزر الصحيفة بالأعمدة التحريرية والتحقيقات الصحافية الهامة وشغّل عدداً من الصحافيين الذين عرفوا بابتكار أفكار جديدة.

غطت “العالم” تحقيقات عن الفساد والرشوة والتهرب الضريبي وقدمت الرسومات والبيانات التوضيحية والتي كانت تثير الجدل، ما جعل من هذه الصحيفة منبراً لمحاسبة المسؤولين. ومن خلالها استطاع بوليتزر إطلاق حملة دعائية داعمة لبناء مدخل مدينة نيويورك البحري تمهيداً لاستقبال تمثال الحرية المقدم من فرنسا.

نجح بوليتزر في زيادة عدد النسخ المطبوعة إلى أكثر من 600 ألف نسخة، لتكون صحيفته أكبر صحيفة في أميركا. هذا الأمر أثار غيرة العديد من زملائه وخاصة تشارلز أندرسون دانا، صاحب مطبوعة “ذا سان”. اتهم دانا جوزيف بوليتزر بأنه تخلى عن دينه وعرقه. فهذه الاتهامات الشخصية التي طالت الدين و العرق أصابت بوليتزر بالإحباط حيث كانت محاولة واضحة لشحن المجتمع اليهودي في حملة ممنهجة ضده.

في الثالثة والأربعين من عمره، انسحب بوليتزر من رئاسة تحرير الصحيفة ليعيش على يخت في عزلة عن العالم الخارجي لأكثر من عقدين. عزلته تلك لم تجعله بعيدا عن الخط التحريري لمطبوعاته، بل على العكس تماما، فقد اعتمد في اتصالاته على شيفرات سرية دوّنها في كتبه والتي ضمت أكثر من عشرين ألف اسم ومصطلح.

يرى المؤرخون أن بوليتزر تفوّق في “الصحافة الصفراء” أو التحفيز من أجل الخدمة العامة، كشنه الحروب الصحافية الشجاعة والناجحة في كثير من الأحيان ضد ممارسات الفساد في الحكومة وقطاع الأعمال. حيث كان له الفضل إلى حد كبير في الدفع بسن القوانين لتنظيم صناعة التأمين ومكافحة الاحتكار.

ففي العام 1909، استطاعت صحيفة “العالم” تسليط الضوء على قضية فساد كبيرة ضد الحكومة الفيدرالية، حيث كشفت أن الحكومة الأميركية قامت بدفع مبلغ وقدره 40 مليون دولار لشركة قناة بنما الفرنسية. رفض بوليتزر التراجع عن عمله الاستقصائي، فقامت إدارة الرئيس روزفلت باتهامه جنائيا، لكنه تابع التحقيق ليكشف الفساد وينتصر هو وحرية الصحافة.

مايك برايد المدير الإداري وعضو مجلس جائزة بوليتزر يقول لـ"العرب": إن العمل الصحفي الذي يمكن أن يحصل على جائزة بوليتزر يخضع لعدد من المعايير ومنها الوضوح والدقة والنزاهة والعمق في التحقيق والبحث ونوعية الكتابة والشجاعة والاستقلال

جائزة بوليتزر للصحافة و الآداب

منحت أول جائزة بوليتزر الأولى في العام 1917 تحت إشراف المجلس الاستشاري الذي ترأسه بوليتزر. وقد تشكّل من ناشرين للصحف والمطبوعات وضم أيضا بعضاً من الأكاديميين ورئيس جامعة كولومبيا للصحافة، وعدداً من صفوة النخبة. ويتألف مجلس بوليتزر اليوم، وهو مجلس منتخب من 19 عضواً، من طيف كبير متنوع جنسيا وعرقياً وجغرافيا.

“العرب” التقت مايك برايد المدير الإداري وعضو مجلس جائزة بوليتزر، الذي تحدث عن المعايير التي تتبع في تقييم العمل الصحافي للحصول على الجائزة، موضحاً أن العمل الصحافي يخضع لعدد من المعايير ومنها الوضوح والدقة والنزاهة، والعمق في التحقيق والبحث ونوعية الكتابة والشجاعة والاستقلالية. يُلاحظ هذا العام أن جائزة بوليتزر تتطور، لكي تواكب التقدم التقني والتكنولوجي في العمل الصحافي والانفتاح على وسائل التواصل الاجتماعي.

يقول برايد لـ”العرب” إن العمل في الصحافة يخضع لمتغيرات كثيرة، إذ يقوم مجلس جائزة بوليتزر ببذل قصارى جهده لمواكبة هذه المتغيرات وخاصة التكنولوجية منها، بالإضافة إلى الابتكارات الجديدة في طرق سرد القصص وتغطية الخبر. ويعتقد برايد أن الفائزين لهذا العام ينتمون إلى مدارس حديثة في العمل الصحافي، وذلك عبر بناء شراكات وقاعدة بيانات واستخدام الأدوات الرقمية وتكنولوجيا حديثة في سرد القصص. وفي الحديث عن صحافة المواطن، يرى برايد أن دورها مساعد للصحافة في سرعة نقل الخبر وأحيانا لجمع المعلومات التي تساعد بشكل رئيسي الصحافيين في نشر أو نقل الأنباء.

بوليتزر تُمنح للتحقيقات الصحافية المميزة والمثيرة والتي من شأنها أن تُفجر القضايا الهامة ذات القيمة، والتي قد تكون نتاج عمل صحافي جماعي أو فردي

وقد فاز قسم التحرير الوطني في الواشنطن بوست بجائزة بوليتزر لهذا العام، وذلك لابتكاره قاعدة بيانات لخروقات قوات الأمن في الولايات المتحدة الأميركية وإطلاق النار على المواطنين وإحصاء عدد الضحايا.

الصحافة والتكنولوجيا

فكرة قاعدة البيانات ظهرت بعد مقتل مايكل براون وهو مراهق أسود غير مسلح، قتل بالرصاص في فيرغسون، ميزوري، في أغسطس 2014. وخلال أسابيع من الاحتجاجات لم يخرج أيّ ردّ رسمي حول مقتله، وبسبب عدم تعاون مكتب التحقيقات الفيدرالي، والذي لم تكن بياناته كاملة وكافية على الإطلاق، ظهر ويس لوري، وهو مراسل جديد، خرج لتغطية أحداث فيرغسون، باقتراح أن تجمع قاعدة بيانات تتعلق بإطلاق الشرطة النار على المواطنين. هذا الأمر أسّس لخلق قاعدة بيانات على مستوى وطني تستطيع الحكومة والمجتمع المدني والصحافة أن تستفيد منها بدلا من أن تكون مبعثرة وموزّعة على أقسام الشرطة المحلية.

وفي لقاء “العرب” مع إدارة تحرير الواشنطن بوست، قالت لوري مونتغومري إن قاعده البيانات هذه هي كنز كبير للصحافيين والتي من خلالها استطاعوا معرفة أن ربع الضحايا الذين تم إطلاق النار عليهم هم من عانوا من أمراض عقلية، وقد سبق لهم محاولة الانتحار، وتم الكشف عن أنه إذا ما تم تدريب قوات الأمن على برامج خاصة للتعامل مع تلك الحالات فإن هذا سيؤدي إلى منع حوادث إطلاق النار.

أكدت مونتغومري لـ”العرب” أن دور التكنولوجيا اليوم في العمل الصحافي ضخم جداً، وأن الابتكار في العمل الصحافي ضرورة ملحة رغم وجود برامج البحث المتقدمة مثل نيكسيس وغوغل إلا أن ابتكار الصحافيين والباحثين له دور هام وفعال في البحث والتدقيق.

الابتكار والأفكار الجديدة هي الأمور التي كان يرمي إليها جوزيف بوليتزر في عمله. وهذا ما يسعى له مجلس جائزة بوليتزر في أولويات التقييم للعمل الصحافي بالإضافة إلى وجود العناصر الأساسية مثل الكتابة وسرد القصة.

13