جوزيف ميرفي الكاهن الذي ابتدع قانون الجذب الفكري

السبت 2015/11/28
ميرفي صاحب أول فلسفة أميركية بحتة تظهر حتى في أفلام هوليوود

باريس - أصدرت الأسترالية “روندا بايرن” سنة 2006 فلما وثائقيّا بعنوان “السرّ” حول نظريّة قانون الجذب الفكريّ شدّ انتباه العالم، لتتبعه بكتاب حمل العنوان نفسه، ما جعل هذه النظرية تجتاح الجماهير اجتياحا، حيث وصلت مبيعاته في صائفة العام 2007 إلى أربعة ملايين نسخة، وتجاوزت اليوم العشرين مليون نسخة في خمسين لغة مختلفة.

تتلخّص نظريّة قانون الجذب الفكريّ في أنّ “المثل يجذب المثل” وأنّ كلّ ما يسلّط عليه المرء اهتمامه، نافعا كان أم ضارّا، فهو يجذبه إليه. ومن هذا المنطلق، فإنّ الإنسان يصنع حياته حسبما يركّز عليه ذهنه، وليست صيرورته سوى بلورة لما يدور بخلده. ولذا، كان من الأفضل للمرء أن يركّز على ما يبتغيه، عوضا عمّا يُنفّره أو يخيفه، لأنّ ما يصبّ عليه اهتمامه متحقّق لا محالة، سواء كان إيجابيّا أم سلبيّا.

وليس رواج هذه النظرية بالحديث، بل هو مدّ جديد لفلسفة في الحياة غالبا ما لاقت احتفاء كبيرا من قبل الجماهير خاصّة في شمال القارّة الأميركيّة، وذلك منذ أواسط القرن التاسع عشر ومرورا بفترات تُحييها فيها وتُبلّغ رسالتها إلى العامّة شخصيّات تتمتع بقدر وافر من الكاريزما.

أيرلندي يغزو البيوت

ومن بين هذه الشخصيّات، الكاهن الأيرلندي الأصل، جوزيف ميرفي الذي اكتسب جنسيّة الولايات المتحدة، بعد أن هاجر إليها في مطلع القرن العشرين. ولد ميرفي سنة 1898 وتوفي عن عمر ناهز الثلاثة والثمانين، سنة 1981. قد يبدو الحديث عن شخصية فارقتنا منذ أكثر من ثلاثة عقود غريبا لكن جوزيف ميرفي يبقى من أكثر كتّاب التنمية البشرية المقروئين إلى اليوم في العالم، ولا تزال ذاكرته حيّة، يذكيها معجبوه ويستلهم منها الكتّاب الحديثون مؤلَّفاتهم في مجال التنمية البشريّة.

كان ميرفي يروّج “لحركة الفكر الجديد” التي ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. وهي حركة أميركيّة لاهوتية مسيحيّة تدافع عن فكرة أن الذكاء اللامتناهي أو الحكمة المطلقة أو الله موجود في كلّ مكان وأنّ طبع الانسان في الحقيقة إلهيّ، وأن الفكر الإلهي هو قوّة تسعى إلى الخير، وأنّ كلّ داء يبتدئ أوّلا في العقل، وأنّ بالإمكان شفاؤه باعتماد “تفكير صحيح”. وليست نظريّة قانون الجذب الفكريّ سوى الاسم الذي أُعطِي لأحد تعاليم حركة الفكر الجديد، ذلك الذي يقول بأنّ “المثل يجذب المثل”، غير أنّه بمرور الزمن، تمّت علمنة نظريّة قانون الجذب الفكريّ واستقلّ المصطلح عن اللاهوت، ولقد عالج جوزيف ميرفي هذه النظرية بطريقة براغماتية وروحانيّة في الآن نفسه، في كتابه “قوّة عقلك الباطن”، وهو أشهر مؤلفاته وأكثرها انتشارا، تُرجم إلى أكثر من 20 لغة من ضمنها العربية.

الإيحاءُ حجر الأساس ليحقق الإنسان أهدافه

قوة عقلك الباطن

يستهلّ ميرفي كتابه بشرح كيفيّة استخدام المرء لعقله من أجل تحقيق أهدافه، ويخصّص، وهو المتحصّل على دكتوراه في علم النفس، صفحات عديدة لتفسير آليات العقل الذي ينقسم إلى عقل واعٍ وعقل باطن، ويقول ميرفي إنّه إذا اقتنع العقل الباطن بفكرة، مهما كانت، فهو يعطيك قوّة الدفع اللازمة لتحقيقها. ومن ذلك المُنوّم المغناطيسي الذي يُغيّب شخصا عن وعيه فيتواصل مباشرة مع عقله الباطن ويوحي إليه بأكثر الأفكار عبثية كأن يوحي إليه مثلا بأنه قطّ أو كلب، فيتصرّف الشخص وفقا لذلك إلى أن يعيده، ولذلك فإن كنت تريد أن تعرف قناعاتك العميقة التي يخزّنها عقلك الباطن، ما عليك إلّا أن تلقي نظرة إلى كامل أقسام حياتك، الشخصيّة والمهنيّة والماليّة والعائليّة وغيرها. فأنت لست إلّا بمنفّذ لما اقتنع به عقلك الباطن. وإن كنت ترغب في تغيير حياتك وتحقيق أهدافك فعليك بتغيير قناعاتك المسجّلة في عقلك.

ويقول ميرفي إن هناك طريقتين لإقناع العقل الباطن: أولها التفكير عن وعي وبطريقة متواترة بفكرة ما حتّى ترسب من الوعي إلى اللاوعي، وثانيها الإيحاء مباشرة إلى العقل الباطن بالفكرة، وهي حسب ميرفي أسهل الطريقتين لأنّ من طبع العقل الباطن أن يكون مِذعنا للإيحاء.

الإيحاءُ هو حجر الأساس في المنهج الذي يقترحه ميرفي ليحقق الإنسان أهدافه. وهو منهج ما يسمّيه بالصلاة العلمية. فليست حكرًا على ديانة دون أخرى وليست من الطّقوس أو الشعائر الدينيّة بل هي فقط منهج في الصلاة أو الدّعاء. وتتمثّل في أن يشرع المرء في الدعاء بما يرغب فيه لمّا يكون أقرب ما يستطيع إلى عقله الباطن، أي لمّا يزيح حاجب العقل الواعي الذي يعوقه عن ترسيخ فكرة أو قناعة ما، ولذلك يدعو ميرفي إلى الاسترخاء قبل الدّعاء أو الصّلاة، ويقول إنّ أفضل أوقات الاسترخاء التي يغيب فيها العقل الواعي هي الفترة التي تسبق النّوم أو تتلوه مباشرة، حيث يكون المرء نعسانا في حالة شبه غيبوبة أو نشوة تسهّل اتّصاله بعقله الباطن.

في مثل هذه الأوقات يستوجب منهج الصّلاة العلميّة أن يدعو الدّاعي بما يرغب فيه مستعملا صيغة الإقرار والإثبات، لا صيغة الطّلب والتذرّع. فهذه الأخيرة تدلّ على تشكيك الدّاعي في حصوله على ما يبتغيه، في حين أنّ من مقوّمات منهج الصلاة العلمية الشعور بأنّ ما يدعو به الدّاعي حاضرٌ. ويؤكّد ميرفي على ضرورة شعور الداعي بآنيّة تحقّق رغبته، كمعيارٍ للتثبّت من أنّ العقل الباطن مقتنع بما يوحى إليه، كما أنّه يؤكّد على ضرورة المواظبة على الصلاة العلميّة حتى يصل المرء إلى الإحساس بمثل هذا الشعور. ويحذّر ميرفي في الآن ذاته من مغبّة محاولة إقناع العقل الباطن بقوة الإرادة. فقد يعود ذلك على صاحبه بالفشل وحتّى بنتائج عكسيّة، إذ أنّ العقل الباطن لا يستجيب إلاّ إلى الخيال أو الإيحاء.

ويقول الكاهن الأيرلندي الأميركي إنّه لا جدوى في الاهتمام بدقائق الأمور وطُرُق تحقيقها، بل يكفي التركيز على النتيجة التي يبتغي على المرء الوصول إليها، ثمّ توكيل الأمر إلى الله فيما يخصّ الوسيلة، إذ قد تُلبّى الرغبةُ بطريقة لم تخطر على بال الدّاعي.

هذا المنطلق، فإن الإنسان يصنع حياته حسبما يركز عليه ذهنه

وكسائر المروّجين الحديثين لنظريّة قانون الجذب الفكريّ، يسلّم ميرفي هو أيضا بأنّ أساس قانون الجذب الفكريّ هو أنّ جميع المخلوقات -ومن بينها الإنسان- وكلّ الأشياء تُختزل في نهاية الأمر إلى ذرّات تتحرّك، وهي بذلك عبارة عن طاقةٍ مُجمَّعة في كيانٍ لها قوّة مغناطيسيّة تتردّد خارجها وتجذب إليها شيئا ما، لكن ميرفي يتفرّد بالمكانة التي يبقيها لله في تفسير ذلك، مع إبقائه في الوقت نفسه على محوريّة الانسان وقدراته. فللإنسان في نظريّته مجال رحب لكي يكون كلّ ما يريد أن يكونه، والله حاضر دوما لدعم مثل ذلك ولا عجب في أن يصدر مثل هذا الفكر عن رجل عاش حياة دنيويّة حافلة بالمغامرات والنجاحات ثمّ صار كاهنا في منتصف عمره.

وُلد ميرفي وتربّى في محيط كاثوليكي صارم، وكان والده شماسا وأستاذا بمدرسة يسوعية. بدأ جوزيف بالدراسة في ذات المدرسة بنيّة أن يصبح راهبا، ولكن فضوله الفكري دفعه في آخر سنوات مراهقته إلى أن يضع صرامة العقيدة الكاثوليكيّة موضع تساؤل، وإلى أن يبحث عن الجديد. وكان ذلك من الأسباب التي دعته إلى الهجرة إلى الولايات المتحدة. ولمّا وصل ميرفي إلى أرض العالم الجديد لم يكن بجيبه سوى خمسة دولارات ولم يكن يتكلّم إلّا القليل من الإنكليزيّة حيث أن لغته الأمّ كانت الغيليّة. تقاسم كراء غرفة مع صيدليّ وبدأ يشتغل كعامل يومي حسبما تجود به الأقدار، إلى أن شغرت وظيفة مساعد صيدلي في المحل الذي يشتغل به صديقه. فتوسّط له هذا الأخير كي يُنتدب. وبعد التحاقه بالوظيفة، انخرط بكليّة الصيدليّة. وإثر تخرّجه، تمكّن بعد بضعة سنوات من اشتراء الصيدليّة التي كان يعمل بها، وأدارها لبضعة سنوات أخرى بنجاح.

الأمل أكبر طاقات الإنسان

عندما دخلت الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية التحق جوزيف ميرفي بقوّات الجيش الأميركي كصيدلي في الغرفة الطبيّة. وقد كان في تلك الفترة يجدّد اهتمامه باللاهوت ويقرأ عن مختلف المعتقدات. وبعد انتهاء مهمته العسكرية، لم يشأ أن يستأنف حياته السابقة، فراح يجوب العالم وينتقي دروسا من جامعات مختلفة داخل الولايات المتحدة وخارجها. وقد انبهر ميرفي بمختلف ديانات الشرق الأقصى فسافر إلى الهند ليستفيد من تقاليدها الروحيّة العريقة، ثمّ تعمّق في دراسة الفلسفة منذ القدم. وقد التقى أثناء رحلاته بصديق عرّفه على روحانيّات الماسونيّة حيث أصبح عضوا ناشطا فيها.

وبعد عودته إلى الولايات المتحدة، اختار ميرفي أن يبلّغ كلّ ما تعلّمه إلى الناس وأن يصبح كاهنا. وابتعد مرّة أخرى عن الكاثوليكيّة وأسّس كنيسة خاصة به في منطقة لوس أنجلس، تنتمي إلى كنيسة العلم الإلهي وهي كنيسة تبشّر بحركة الفكر الجديد.

كان روّاد ميرفي في البداية قلّة، لكن عظاته المفعمة بالأمل جرّت نحوه أعدادا غفيرة صارت تطالبه فيما بعد بتوثيق دروسه. فأخذ يدوّنها في كتيّبات نشرتها دار نشر مهتمّة بالروحانيّات، ولم تكن مثل دور النشر هذه كثيرة في ذلك الوقت. ثم لمّا ذاع صيت ميرفي لم تعد كنيسته تكفي لاستقبال الألوف المؤلّفة من زوّاره واضطر إلى تغييرها.

العقل الباطن لدى الانسان مقرا للقوة الخلاقة وقوة الدفع في الحياة

و صار إثر ذلك ينشّط برنامجا إذاعيّا أسبوعيّا حظي بمتابعة كبيرة ويكتب الكتب لا الكتيّبات. وفي الخمسين من عمره، لم تُقعده شهرته أو عمره عن الشروع في أطروحة دكتوراه في علم النفس وإتمامها.

الروحانيات في صيغة ميرفي

بمقتضى تكوينه ووظيفته ككاهن منتمٍ إلى كنيسة تبشّر بحركة الفكر الجديد، اعتمد ميرفي بطريقة واضحة وصريحة على مراجع دينيّة وروحانيّة في صيغته لنظريّة قانون الجذب الفكريّ. ينطلق ميرفي من مبدأ أن هناك عقلا واحدا مشتركا لدى كلّ البشر. وهذا العقل وكلّ أفكاره سابقون للجميع، وهو بذلك مرادف للأزل وللحكمة المطلقة. وبه يرمز جوزيف ميرفي إلى الله. ولمّا كان العقل الباطن لدى الانسان مقرّا للقوّة الخلاّقة وقوّة الدفع في الحياة، فإنّه على اتّصال دائم بالقوّة الخلاّقة الشاملة في الكون، أو عبارة أخرى بالله، أو الحكمة المطلقة، أو العقل الواحد المشترك.

وبسبب هذا الاتصال الدائم بين العقل الباطن والله، يؤكد ميرفي على أنّ المفهوم الشخصيّ لله لدى الفرد ينعكس على حياته بكلّ أقسامها.

ويروي في كتابه “سحر الإيمان” أنّ أناسا كثيرين كانوا يزورونه بكنيسته ويشتكون إليه من أنّهم يؤمنون بالله ويصلّون إليه ويدعونه لكنّ أمانيهم لا تتحقّق. فكان يسألهم عن مفهومهم الشخصيّ لله، ويقول “إن كنت تتخيّل الله ككائن علويّ يوجد بالسماء متأهّب لمعاقبة البشر على أخطائهم وتجاوزهم لقوانين بشريّة وتابوهات دينيّة، فإنّك ستحدّ نفسك بذلك التفكير وتسبّب لنفسك التعاسة والبؤس وعقدة الذنب. أمّا إذا كنت ترى الله في الحياة وفي كلّ المخلوقات، فإنّك لن تعرف حدودا ويعتمد الكاهن لتفنيد آرائه على مرجعيّة الكتاب المقدّس، إذ يرى مثلا أنّ ما ورد في سفر الأمثال (3 :6) “في كلّ طرقك اعرفه وهو يقوّم سبلك”، أو ما ورد في سفر المزامير (121 : 1) “أرفع عينيّ إلى الجبال، من حيث يأتي عوني”، إنّما يدعو الإنسان إلى الإقرار والتسليم بالحكمة المطلقة لله وأنّه متى لجأ الإنسان بكلّ ثقة إلى المبدأ الإلهيّ بداخله، وجد الحلّ لمشكلته. وليس الخوف حسب ميرفي سوى ضعف في الإيمان بالله أو بالخير.

سحر الإيمان

يُضمّن ميرفي مؤلّفاته الكثير من القراءات الرمزيّة للإنجيل. فيستشهد مثلا في كتابه “سحر الإيمان” بالآية (14: 29) وما يليها من إنجيل متّى التي تقول “نزل بطرس من القارب ومشى على الماء نحو يسوع. ولكنّه خاف عندما رأى الريح الشديدة فأخذ يغرق، فصرخ نجّني يا سيّدُ، فمدّ يسوع يده في الحال وأمسكه وقال له يا قليل الإيمان، لماذا شككت؟ ولمّا صعدا إلى القارب هدأت”. يقول ميرفي إنّ هذا القصص ليس تاريخيّا فقط، بل هو أيضا قصّة تدور أحداثها في عقل الإنسان، إذ يرمز بطرس إلى الإيمان والمثابرة والعزم، ويرمز يسوع إلى الرغبة أو الهدف اللذين إذا ما تحقّقا وفّرا خلاص الإنسان. يأتي يسوع إلى المرء على شكل هدف أو رغبة أو مشروع، ويظهر بطرس للعقل على شكل الإيمان بالله الذي هو على كلّ شيء قدير. فإذا ما انتابك الخوف خلال مشروعك، فذلك بطرس الذي يرى الرّيح الشديدة ويهمّ بالغرق. لكن لتجاوز هذه الحالة، وجب تقوية الإيمان والوعي بقدراتك الرّوحيّة العميقة، كي تكون كبطرس الذي مضى قدما لأنّه آمن وكان واثقا بنجاحه.

لقد تمّ التخلي في الترجمة العربيّة لكتاب “قوّة عقلك الباطن” عن مثل هذه المراجع المسيحيّة. وإن كان وراء ذلك تفسير تجاريّ يعتبر ترويج الكتاب أسهل على هذا الشكل لدى قرّاء عرب معظمهم من المسلمين، إلاّ أنّه من المؤسف تغييب البعد الديني من عمل ميرفي. فهو الكاهن الذي ساهم في تقوية ثقة الإنسان بنفسه وبالله في آن واحد، اعتمادا على مراجع دينيّة وعلى حركة لاهوتيّة -حركة الفكر الجديد- تمثّل أوّل فلسفة أميركيّة بحتة وضعها رجال ونساء أميركيون بعد نشأة الولايات المتحدة سنة 1776.

ونحن لانزال نرى تأثيرها اليوم في النظرة الخاصّة التي يوليها المجتمع الأميركي للرجل العصاميّ الناجح الذي تحتفي به دوما أفلام هوليوود.

13