جوستين.. رواية دوساد الفضائحية لأول مرة كاملة بالعربية

رواية "جوستين" منذ صدورها عام 1791 تُعد من أكثر الروايات الممنوعة عالميا، فاختلقت لنفسها شهرة أوروبية وعالمية عريضة تناسب جرأتها ومحتواها المدهش.
الجمعة 2019/10/04
كاتب بمخيلة خصبة تتخطى جدران السجون

احتفى العالم هذا الأسبوع باليوم العالمي للترجمة، هذا الجسر الثقافي الهام الذي ما زال يثير الجدل حول قضية الأمانة في نقل نص من ثقافة إلى ثقافة أخرى، نقل قد يصل أحيانا حد التلاعب إذا كان النص غير مناسب للثقافة المنقول إليها، كما حدث مع رواية “جوستين” لمركيز دو ساد.

ترجمة عربية واحدة عن الإنكليزية صدرت لرواية “جوستين” لمؤلفها المختلف عليه مركيز دو ساد. وكانت ترجمة ناقصة عمل فيها المترجم العربي رقيبا قبل الرقيب فحذف منها خمسة عشر فصلا بسبب الممنوعات المعروفة في الثقافة العربية.

لكن “جوستين” منذ صدورها عام 1791 أي قبل 228 سنة تُعد من أكثر الروايات الممنوعة عالميا، فاختلقت لنفسها شهرة أوروبية وعالمية عريضة تناسب جرأتها ومحتواها المدهش، وهي شهرة ليست عرضية في الأحوال كلها، فماركيز دو ساد سارد إشكالي، يشتغل على منظومة خيال عجائبية فائقة جدا.

لهذا يوصف بأنه متهتك وإباحي ومنحرف وعنيف ومريض وفضائحي في كتاباته الروائية، مثلما يوصف بأنه أول من أوجد في العنف موضوعة روائية قبل قرنين من الزمان. وبالتالي على الجميع قراءته في مرحلته لاكتشاف جانب مهم من تاريخ المجتمع الفرنسي وكنيسته ورجال دينه، فرواياته من هذه الزاوية ذات قيمة ثقافية تاريخية في الأقل كما يصفها يوان بلوخ. وهكذا مع جوستين الرواية الأكثر جرأة وإثارة والأكثر تعذيبا للنفس البشرية في واحد من أقوى سرود الخيال الكابوسية التي لا يجيدها إلا دو ساد.

مناسبة جوستين (لعنة الفضيلة) هو صدورها في بغداد بأول ترجمة أدبية كاملة عن اللغة الفرنسية لا نقص فيها لتشكل حدثا ثقافيا مهما في حرية الاختيار والنشر. وكانت مغامرة من المترجم كامل عويد العامري أن يعيد جوستين إلى الحياة العربية من نصها الفرنسي كاملا من دون تردد أو خشية رقابية، بالرغم مما فيها من ممنوعات جنسية وعنفية وجسدية رهيبة جدا لا يستوعبها القارئ العادي، مثلما حدث بمغامرة مماثلة للعامري الذي قام قبلها بترجمة رواية “120 يوما في سادوم – مدرسة الخلاعة” ترجمة كاملة، وبيعت الرواية سرا في العراق ولا تزال، كما مُنعت في أغلب المعارض العربية وأصبح اقتناؤها غير ظاهري، فآليات الرقابة العربية فعّالة على ما يبدو بالرغم من الانفتاح العالمي شرقا وغربا عبر وسائل الاتصال الإلكترونية العامة.

وكما أنّ لكل رواية قصةَ كتابة وظرف ما، فإنّ دو ساد كتب “جوستين” في أسبوعين فقط عام 1787 لما كان معتقلا في سجن الباستيل. وهذه الفترة القياسية في الكتابة تشف عن قدرة خيالية خلاقة في صناعة سردية غير طبيعية نحو معطى جنسي فضائحي منحرف وغير مألوف روائيا في ذلك الوقت المتأخر أدبيا. حتى أن نابليون بونابرت أودع دو ساد السجن طوال الثلاثة عشر عاما الأخيرة من حياته. وقال عنها بأنها الأكثر “وضاعة” بين الكتب التي قرأها.

“جوستين” وصفها النقاد بأنها رواية عربدة ومجون وفحش وأن مؤلفها رجل معتوه ومريض ومجنون، لما تحويه من فضائحية وعنف جسدي غير متداول في السرديات الروائية والشعرية على مر التاريخ الأدبي. ومع كل هذا فقد وجد دو ساد من يدافع عن روايته ويبررها بظهور أول الملاحظات عن جوستين في صحيفة “المراسلات الخاصة ببيع الكتب” التي أحكمت وضع إشارة مهمة جدا عندما كتب محررها: لكي تجعل من الفضيلة محبوبة على المرء أن يكون على دراية برعب الرذيلة.

رواية "جوستين" وصفها النقاد بأنها رواية عربدة ومجون وفحش وأن مؤلفها رجل مريض ومجنون، لما تحويه من فضائحية وعنف غير متداول في السرديات على مر التاريخ الأدبي

دو ساد الذي قال إن سعادة الإنسان تكمن في المخيلة، يلجأ إلى هذه السعادة بأعلى درجاتها في رواية “جوستين”، حينما يضع صبية الرواية فريسة بين اللذة والألم في وصلات شاذة. اللذة بمستواها التاريخي الذي يفهمه على أنه انعكاس لدواخل الإنسان في بحثه عمّا يشبع غريزته الحيوانية، والألم مصدر لتجسد العنف والقسوة التي عليها الإنسان بطبعه الداخلي “الإنسان ليس خيّرا بالأساس”، وبالتالي فإن هذه المعادلة النفسية والجسدية ضرب من ضروب الهذيان السادي الذي يمارسه دو ساد في كل كتاباته الروائية، وينصرف نحو الخيال الفجائعي ويجمعه في عدسة سردية مخيفة ثم تتوسع هذه العدسة تدريجيا إلى الخيال الجامح حتى لتبدو ملحمة إدانة شريرة في قوامها العام.

 وهذه المهيمنات المرعبة التي عليها دو ساد في كتاباته لا تبتعد عن سياقاتها المجتمعية قبل قرنين بسيادة الخطاب الديني المزيف وقتها وممارسة الشذوذ من جانب آخر. أي أن رجال الكنيسة أسسوا لمجتمع غرائبي شخصي بمعزل عن الواقع الحقيقي، وبين المجتمعين تنبثق الصبية جوستين بخرافة السرد وعجائبيته القصوى لتمثل كابوسا متسلسلا وغريبا غنيا بالأحداث والمصادفات. فتكشف أهوال الحياة في مجتمع يسيطر عليه التجار والسياسيون والشاذون ورجالات الكنيسة والمنحرفون وجماعات العصابات الإجرامية.

نابليون يعاقب دو ساد بالسجن الطويل من دون أن يميز خيال السرد من واقعيته. ومن دون أن يدرك أن المؤلف هو نتاج اختلال عصبي ونفسي وشذوذي في الوقت نفسه. ولم يدرك كثيرا أن عبقرية السرد الخيالية التي جاءت به جوستين ربما تؤسس لنظريات في علم النفس، مثلما اكتشف فرويد السادية من خلال قراءاته لروايات دو ساد العنيفة جسديا وسايكولوجيا.

ستكون الصبية جوستين ذات الـ12 ربيعا محورا للفضيلة التي يبحث عنها دو ساد في المجتمع الفرنسي آنذاك، ليكشف من خلالها فرشة واسعة من المتناقضات ويقف على ضدية الفضيلة التي تتوسمها الفتاة جوستين من الهرب إلى السجن والإغواء والاضطهاد والتعسف والاغتصاب والجريمة والجنس والإباحية المفرطة إلى الخيانة إلى التعذيب. إلى كل الغرائز الحيوانية والسادية التي يحملها الإنسان في داخله ويمارسها إن توفرت الظروف له.. وهذه هي لعنة الفضيلة عند الصبية جوستين.

14