جوع

الأربعاء 2015/05/20

اعتقلوه.. كان اعتقاله عشوائيا ضمن حملات اعتقال “تأديبية” كان الغرض منها استعادة هيبة الدولة بعد أحداث 1991 في العراق. لم يكن ينتمي لحزب أو طائفة، ولم يكن لديه أي نشاط سياسي.. فجاء اعتقاله اعتباطيا.. ولم يدم لأكثر من أسبوعين يتيمين، لكنه يبقى اعتقالا على أي حال بكل ما لتلك المفردة من رعب ومن تداعيات لا تخفى على أحد في زمن الدكتاتورية.

وما رواه لنا بعد إطلاق سراحه، نحن أصدقاؤه المقربون الذين يأمن على سرّه لديهم، كان وحده جديرا بأن تضمه دفتا كتاب أو رواية من عشرات أو مئات الصفحات.. بيد أن ما خطر ببالي الآن هو تلك الحوارات التي كانت تدور بين المعتقلين عن الجوع وكيف كان يصفها لنا بسخرية مريرة فتبدو هي عينها شر البلية.

كانت زنزانته التي لا تزيد عن بضعة أمتار مربعة قد ضمت ما زاد عن 20 معتقلا كانوا يتناوبون في الجلوس والوقوف والنوم.. ولا يحصلون إلا على وجبتين من الطعام.. رغم أن لكلمة “وجبة” وحدها قصة.. فقد كانت حصتهم جميعا في الفطور لا تتجاوز خبزة واحدة سمراء زرقاء (مصنوعة من نخالة القمح) ونصف علبة زبدة!.. كانوا يستلمونها في الصباح الباكر لتبقى قوتهم حتى ما بعد الظهر إذ يحين موعد وجبة الغداء التي لا تتجاوز للجميع صحنا متواضعا من الرز وعليه شيء من صلصة حمراء!.. وكان أحد المعتقلين الخبيرين (وهو الأقدم فيهم) قد أوكلت إليه عملية تقسيم الأكل بينهم “بالعدل والمساواة!”.. لتكون في النهاية وجبة فطور كل فرد سنتمترا من الخبر ممسوحا بلحسة زبدة.. وغداء كل فرد ملعقة رز ملطخة بالصلصة!

وفي سويعات الصمت حين تهدأ أصوات الصراخ والألم من التعذيب.. كان يحلو الحديث عن الحرية وإطلاق السراح.. فيـطلق العنان لأحلام المحرومين وخيالاتهم الجائعة برسم صور فنتازية عما يمكن أن يفعلوه ما أن يغادروا ذلك الرعب.. فيقرر أحدهم مثلا بأن يتوجه إلى محل الساندويتشات الفلاني في المكان الفلاني ويدفع للبائع قيمة ما يبيعه في يوم كامل ويبقى يأكل ويأكل ويأكل حتى يسقط مغشيا عليه من التخمة!.. ويبادر الثاني بأنه سيذهب إلى المطعم الفلاني ويطلب كل ما في قائمة الطعام مرة واحدة ويأكل كل الأصناف مرة واحدة وهو يدخن!

لقد نقل لنا الكثير من أدب السجون في العالم عن حكايات الجوع التي اكتنفت المعتقلات.. ولكنه يبقى على أي حال جوعا وقتيا عرضيا.. يشبه جوع الصائم الذي يتشهى كل أصناف الأكل وما أن يحلّ وقت الإفطار حتى لا يكاد يذوق من الطعام إلا ما يسدّ الرمق.

ولكن كيف بمن عانى في طفولته من الجوع الحقيقي والحرمان والكبت؟.. كيف بمن عانى من جوع الحنان والكرامة وعزة النفس والجسد؟.. كيف يمكنه أن يكبر إنسانا سويا؟.. وماذا لو أمسك بزمام سلطة أو تمكّن من جاه أو صدمه مال وفير؟

الجوع كافر.. فإذا حرمتنا الحياة الطعام فلابد ألا نحرم أطفالنا الحنان وحبّ الخير والحق والكرامة.. فالحرمان من الأكل لا يمكن أن يقارن بالحرمان من الكرامة.. ومن كبر على امتلاء الروح والجسد والذهن.. لن يظلم.. وسيبكر إنسانا متوازنا متواضعا مهما مسه الجوع.

21