جوف الذئب

الأربعاء 2015/05/13

كان المرحوم عبدالوهاب المسيري يتحدث دوما حين يريد تشخيص حالة التيه واللاجدوى والغرق في الأعراض والتفاصيل عن الذئب الذي يأكل صاحبه الغافل عن لؤمه، فالباحث الذي يغرق في التفاصيل النظرية وتبتلعه المراجع والتفريعات المنهجية، هو شخص مأكول ولا نجاة له، لهذا وجد في تاريخ المعارف أشخاص على قدر كبير من النباهة والإلمام بدقائق العلوم والآداب، إنما دون أطروحة أو أثر شخصي، ذاكرات محشوة بالمعلومات تحفظ الكتب عن ظهر قلب، لكن إنجازها يتوقف عند استظهار المصادر، وإحصاء المراجع، والمكتبات، ومظان المخطوطات، والفهارس، أنّى وجدت، غير أنها لا تخلف صدى، يحوّل المأكول إلى طاقة، والرصيد إلى معنى.

أستدعي هذه الفكرة وفي ذهني تلك المفارقة التي نشأت بين جيلين متنابذين في الجامعة العربية، جيل يقدس المعارف، وجيل يبجل التحليل، طائفة تحوّل المعلومة إلى كفاية، وأخرى تتجاوز عنها إلى الجهل المقيم وتكتفي بالأداة المنهجية، وتبتدع مسارات لا حدّ لها في الشرح والتحليل والتأويل، وقد تحفظ مبادئ ومقولات وحدودا لا حصر لها، عن الخطاب والنسق والمبنى، في مظانها الفلسفية والنقدية والجمالية، إنما بغير كنه معرفي، ينفح الإنشاء خبرا، والخطاب حكاية. بطبيعة الحال يسع جوف الذئب الجميع، القديم والمعاصر، الحداثي والمحافظ، نصير الدكتاتور، والثائر الشهيد.

لكن عبدالوهاب المسيري كان أحد صانعي التحولات العربية الراهنة، وبالرغم من كونه لم يقيّض له عيش الانتفاضات التي وسمت بالربيع العربي، فقد كان من مؤسسي حركة “كفاية” التي استطاعت مبكرا، ولأول مرة في التاريخ المصري أن تسمي الدكتاتور باسمه الشخصي، وأن تدعوه للتنحي، يوم كان الانتفاض محصورا في حيز بالغ الضيق، لا يتجاوز درج نقابة الصحافيين بالقاهرة. وكان حدسه ذاك يشمل التجميعيين كلهم، بتلويناتهم المختلفة، لأنه حين كان يقف هناك، لم يكن إلى جنبه لا العالم ولا المحلل، وإنما القلة القليلة التي لا تدّعي فقها جليلا من منتجي المعنى.

أستحضر هنا عبدالوهاب المسيري الذي ابتدع استعارة “جوف الذئب” لأن المعرفة والاجتهاد قيمتان محايدتان، ولأن إلمام العالم لا يدين للمحافظة التي قد تكون نصيرة الوضع القائم، وأيضا لأن الاجتهاد لا يعني إنتاج وعي نقيض يفضي إلى رفض ما وقع وتفاقم، وإنما هما معا سيرورتان لإبداع التفاصيل والتداعيات التي هي لعبة قد تبتدئ ولا تنتهي، هي “جوف ذئب” كبير أسوأ ما فيه أنه يحوّل القناعات كلها إلى فرضيات مشكوك فيها.

كاتب من المغرب

15