"جوق العميان" شريط يطرح صراع النماذج الأبوية في المغرب

الجمعة 2015/02/27
الفيلم يقدم نموذجا مصغرا للمجتمع المغربي من خلال جوقة من الفنانين

يضعنا فيلم “جوق العميين” (أي جوق العميان)، الشريط الروائي الطويل الثاني للمخرج المغربي محمد مفتكر، أمام إمكانية مقارنته من الناحية الفنية بفيلمه الأول الذي لم ينتهج -تقريبا- من حيث جوهره سبيل سابقه، وذلك على مستوى الثيمات وأسلوب الكتابة السينمائية والإيقاع واختيار الممثلين.

اختلفت الشخوص في الفيلم الثاني للمخرج المغربي محمد مفتكر “جوق العميين”، وكذلك إيقاعه وأسلوبه وموضوعه -نسبيا- عن المنجز السابق له “البراق”، ويعود ذلك إلى محاولة الجمع بين السيرة الذاتية و”الغيرية” والسياسة والفن في قالب سينمائي واحد.

ذات يوم عابر من أيام مراكش الجميلة التقيت المخرج وهو يقرأ كتاب “تاريخ الفكر السياسي” لصاحبه جان جاك شوغاليي، وهو مؤلف كلاسيكي في مجال الفكر والفلسفة السياسية، وقد دار حديثنا حينئذ وبشكل كبير حول السياسة. فتشبثت بأطروحة مفادها أن جل المفاهيم التي راجت في الفلسفة اليونانية لم تجد طريقها للتحقق في مجتمعاتنا إلاّ بشكل صوري، والدليل غيابها الكلي عن المعاجم والقواميس العربية، خاصة مفهوم الشعب الذي يستتبع ترسيخ مفاهيم المواطن والمدينة والعدالة والحق والقانون والدستور.

فكل ممارسة خالية من التقعيد أي من وضع الأسس والقواعد، من شأنها أن تكرس الجمود أكثر من الحركية. ففي المغرب مثلا ساهم نضال اليسار بكافة أطيافه، في الدفع بعجلة الحقل السياسي نحو الأمام بطريقة تدريجية، وقد صار منجز اليساريين علامة بارزة في التاريخ السياسي المعاصر للمغرب، إذ دونه لا يمكن فهم مخاض الدولة المغربية هنا والآن.

نسوق هذه الواقعة لنوضح الحمولة الأيديولوجية لفيلم “جوق العميين” للمخرج المتميز محمد مفتكر، وهو فيلم حرك في دواخلي الكثير من الأسئلة: كيف نقتل الأب في مجتمع بطريركي يحمي فيه الأب الأب؟ هل لدينا أب أم آباء؟ هل قصمت الضربات التي تلقاها اليسار المغربي ظهره؟ ما الذي تبقى من اليسار اليوم؟

المخرج يرقى بالعمل الفني إلى درجة النجاعة التثقيفية الفاعلة في الفرد والجماعة

يستند الفيلم على استعادة سيرة الأب “بويدرة”، الفنان الشعبي الذي اشتهر بتكوينه لجوق من الفنانين المكفوفين بغرض إحياء الحفلات والأعراس العامة والخاصة بمدينة الدار البيضاء، إبان فترة حاسمة من سنوات قمع المعارضة في الستينات والثمانينات التي تعرف في المغرب بـ”سنوات الرصاص”.

وعبر “بويدرة” حاول المخرج والمنتج والسيناريست (السّارد) أن يدلي بوجهة نظره فيما وقع، وأن ينفتح عبر ذلك الاستحضار على تاريخه الشخصي والعائلي، وعلى جزء هام من تاريخ المغرب، وكأنه يعود بنا إلى المكانة الرئيسية التي تحتلها العائلة في المدينة- الدولة.

فهل صلاح العائلة من صلاح الدولة؟ وهل يسعفنا نظام الحكم في الأسرة على فهم الدولة باعتبارها سابقة للفرد والأسرة والمجتمع المدني، كما هو الحال لدى الفيلسوف هيغل؟

ليس مصادفة أن تكون الشخصيات الفاعلة في التطور الدرامي لمجتمع الفيلم حاملة لقضايا متفاوتة القيمة، ومتناقضة المقاصد، فهي تعكس دلالات مرتبطة بالتاريخ السياسي المغربي المعاصر والراهن الذي ترتبط به مصائرها.

تاريخ لا يمنح ذاته من خلال الوقائع العامة، وإنما من خلال استقراء ما يعتمل في الدواخل والسرائر، وذلك ما يجعل تأويل بعض تجلياته تختلف من شخص لآخر.

كل ممارسة خالية من التقعيد أي من وضع الأسس والقواعد، من شأنها أن تكرس الجمود أكثر من الحركية

لنفترض جدلا أن الفاعلين في مجتمع الفيلم هم: الأب “الحسين” (يونس ميكري)، رئيس الأوركسترا وعازفها الأول، وابنه البكر “ميمو” (إلياس الجيهاني)، “ولي عهده”، كما يقول المغاربة في التعبير الدارج، و”عبدالله” (فهد بنشمسي)، أخوه وعم ابنه الحامل لقيم اليسار، و”شامة” (علية عمامرة)، الخادمة المراهقة، و”مصطفى” (المرحوم محمد بسطاوي)، الموظف الحكومي، وعازف الكمان، وحامي أو مسير المجموعة، وما إلى ذلك من الفنانات الشعبيات (الشيخات)، والأم، والعازفين.

يعيش هؤلاء بشكل جماعي مندمج على طريقة الأسرة التقليدية الممتدة، فالأب هو النواة، والجميع يعيش معه، إذ نكاد لا نفرق بين أعضاء الجوق وأفراد الأسرة، مما خلق علاقات ملتبسة: فالطفل يحب فتاة أكبر منه سنا، ويعيش حبا يعبر عنه بلغة السارد لا بلغته كطفل، والأب فنان يميني، وتتحول الفنانات إلى ما يشبه الحريم في علاقتهن برئيس الفرقة، ويعيش الأخ اليساري نوعا من الشقاء لا يشبهه شقاء، فالفيلم يقدمه كما يلي:

● “داعر”

لا نقصد بهذا الوصف المعنى العادي للكلمة، ذاك المشحون بشتى الأحكام الأخلاقية والثيولوجية، وإنما نعني به الحالة النفسية التي تجعل من “عبدالله” شخصية تعيش حالة من التنافر العاطفي، الذي يكرسه أيضا التفاوت الجسدي الصارخ بينه وبين الفنانة “مينة” (فاطمة بنمومن)، فهو لا يميل إليها كروح أو كجسد أو يتماهى -كأي عاشق- مع عواطفها الجياشة تجاهه، فالعكس هو الحاصل: المراوغة التامة لشعورها الإنساني.


● “مزور”

ويعلّم التزوير لابن أخيه، ذاك الصبي الخائف من سطوة أبيه الذي يسعى من خلاله إلى تجاوز إخفاقه الشخصي في الدراسة، حيث يريده أن يكون الأول في فصله المدرسي. هكذا يتحول من حامل لمشروع تغييري داخل المجتمع إلى مهدم للقيم العليا التي ينبغي أن نزرعها في نفوس الناشئة.


● “انتهازي”

بالنظر إلى العلاقة غير المتكافئة التي تربطه بـ”مينة”، فهي متواضعة المعارف والجمال في حين أن عشيقها -الذي يظهر أنه لا يحبها كما تحبه- وسيم وجميل ومثقف ملتزم. فما الذي يجمع بينهما؟ حاجته إلى مالها أو التمويه عن أنشطته السياسية السرية أو استغلاله لسذاجتها.

مصائر الشخصيات تدور في فضاءات مغلقة، وهو الأمر الذي جعل عالم الفيلم البصري يفتقد إلى عمق الإطار الذي تتطلبه الصورة السينمائية

فمن يحمل قيم الأسرة إذن؟ ومن هو الأب الذي يسعى الفيلم إلى قتله على الطريقة الرمزية الفرويدية؟ هل هو ذاك المتجلي في صورة الحسين، أم في صورة أخيه الحامل لصورة الأب الجد؟ ألسنا أمام صدام النماذج وصراعها؟

إذا كان الأب هو الفنان المحب لابنه وفنه، والعاجز عن متابعة تربية ابنه عن كثب، المنشغل بفنه الذي يضمن من جراءه قوت أسرته ومن يدور في فلكها، فإن الأخ يلعب دور الأب (الحاضر/الغائب) المربي، وكلاهما يحمل -في الفيلم- من السلبيات ما يتناقض مع بعض مبادئ التربية: العناية بالطفل وتتبعه وفصله عن مجتمع الكبار، ومشاكل العمل وغرس بعض الأسس الأخلاقية في كيانه (الصراحة وعدم الغش وتجنب التزوير).

تدور مصائر الشخصيات في فضاءات مغلقة، وهو الأمر الذي جعل عالم الفيلم البصري يفتقد إلى عمق الإطار الذي تتطلبه الصورة السينمائية، وقد نخمّن أن مردّ ذلك يعود إلى تبني نوع من التمويه أو الملاءمة التي أملتها المرحلة التاريخية التي تدور فيها أحداث الفيلم (السنوات الأولى من حكم الحسن الثاني للبلاد)، وتلاشي مثل تلك الديكورات حاليا، وارتفاع ميزانية استعادتها على مستوى البناء.

هكذا، صار كل شيء مضغوطا، بل تحولت تلك السمة إلى حالة نفسية رغم المشاكل التقنية التي ارتبطت بخصوص تزامن الصوت أثناء الغناء ببعض اللقطات.

والنتيجة، لم ينجز محمد مفتكر فيلما ضعيفا ولم يحقق فيلما متفوقا بالنظر إلى منجزاته الفيلموغرافية، لكن ذلك لم يمنعه من زعزعة كيان المتفرج ودفعه إلى التفاعل مع شخصيات الشريط التي لم يكن اختيار الممثلين فيها متوافقا بشكل مجمل.

لقد تمكن المخرج من تقديم وجهة نظر معينة حول مرحلة حساسة من تاريخ المغرب، ولعل ذلك يساهم في مناقشة القضايا المرتبطة بتحولات التاريخ المغربي، ويرقى بالعمل الفني إلى درجة النجاعة التثقيفية الفاعلة في الفرد والجماعة، من دون أن يصير وجه العملة هو قفاها، أو أن يختلط علينا الفرنك بالدرهم.

16