جولة أوروبية لفنان العمل الواحد الإماراتي حسن شريف

الفنان التشكيلي حسن شريف استطاع أن يبث روحا جديدة بين الفنانين التشكيليين الإماراتيين ويساهم في نهضة فنية كان قد شارك فيها منذ البداية في سبعينات القرن.
الثلاثاء 2020/03/10
أعمال تصدمك للوهلة الأولى

ما من فنان أثار جدلا واسعا مثل ما أثاره الفنان التشكيلي الإماراتي حسن شريف، رغم تواضعه الشديد، البعض اعتبر أعماله إهانة، رأى فيها مجرد عبث، بينما افتتن به شباب وجدوا في أعماله البسيطة و”الجريئة إلى حد الوقاحة” إلهامهم. واليوم تكرم الإمارات ومعها أوروبا الفنان الراحل حسن الشريف بمعرض استعادي يفتح ذكريات الماضي.

نظمت مؤسسة الشارقة للفنون بالتعاون مع معهد كي دبليو للفن المعاصر في برلين مؤخرا المعرض الاستعادي «حسن شريف: فنان العمل الواحد» الذي سيستمر حتى 3 مايو المقبل فيما سيجوب أوروبا حتى أوائل 2021 لعرض 150 عملاً يشمل ممارسات الفنان المتنوعة بما في ذلك الرسوم الكاريكاتيرية الأولى المنشورة في الصحف ورسومات القصص المصورة «الكوميك» واللوحات والأعمال التركيبية النحتية وغيرها.

فنان استثنائي

بالعودة إلى الوراء لازلت أذكر التعبير الذي ارتسم على وجه الشاعرة الإماراتية ظبية خميس، عام 1984، بعد عودتها من معرض لخريجي كلية “بايام شو” للفنون في لندن وكان من بينهم الإماراتي حسن شريف. بعد مرور 36 عاما على الحدث، ما زال وجه ظبية ماثلا أمامي بوضوح.

استرجاع الذكريات، شهادة غير مكتوبة لقيمة الفنان المفاهيمي حسن شريف، الإماراتي الذي استطاع أن يترك بصمته على الساحة الفنية في لندن.

ما جمعنا في لندن هو مجلة “أوراق”، المجلة الثقافية التي أصدرها ورأس تحريرها الشاعر الإماراتي الراحل حبيب الصايغ. مشروع طموح لا تُقدم عليه عادة سوى الحكومات ووزارات الثقافة، أو أشخاص حالمين يريدون إعادة صياغة العالم.

لكن ما سر الدهشة والصدمة التي ارتسمت على وجه ظبية، بعد زيارتها لعرض مشروع تخرج حسن شريف حينها؟

الفنان حسن شريف بعد أن أحدث صدمة في لندن عاد إلى الإمارات ليساهم في نهضتها الفنية
الفنان حسن شريف بعد أن أحدث صدمة في لندن عاد إلى الإمارات ليساهم في نهضتها الفنية

دخلت ظبية إلى قاعة كتب على مدخلها اسم حسن شريف، تجولت داخل القاعة الخالية البيضاء تبحث عن أي شيء معروض داخلها، فلم تجد شيئا سوى فراغ، وآلة عرض (برجكتور) بسيطة، سألت عن المعروضات أين هي؟ جاءها الجواب: تلك هي المعروضات.

الصدمة الأكبر، أن حسن شريف تخرج في ذلك العام من بايام شو بدرجة امتياز.

من هو أفضل من ظبية خميس، التي شهدت ميلاد الفنان في لندن، ليكتب عنه، بعد أن رحل؟ تقول ظبية إن الكتابة عن حسن تجلب الحزن إلى ذاكرتها “إنه فنان ليس أقل، وليس أكثر”.

عادت ظبية بذاكرتها إلى الثمانينات، لكن حسن لا يحضر وحده، بل “يجيء محتشدا بمن كانوا معه”.

“دعاني إلى تخرجه من كلية الفنون القريبة من بيتي. كان معرضه بسيطا، ولازلت أتذكر صوت (برجكتور)، ربما لم يكن يعمل جيدا، وضوء ما في صالة عرض خالية. لم يكن هناك الكثير (…) كانت هناك لندن آنذاك، ومجلة أوراق، كان هنالك الكثير من الشعر والكتابة والفن والنقد، والاعتراض وشعارات الحرية، والحداثة وما بعد الحداثة، التي اصطخبت بها رؤوس شابة”.

يعود حسن إلى الإمارات عام 1984، وتعود ظبية إليها بعد عام. ولمدة ربع قرن، تقول ظبية، إنها كانت تلتقي به، بشكل شبه يومي، حيث تعرفت عليه أكثر: “كان حسن شريف محطما، إلا حين يعمل، وكان العمل الفني بالنسبة إليه صلاة يومية”.

هذا هو الفنان الإماراتي المفاهيمي حسن شريف، الذي بعد أن أحدث صدمة في لندن، عاد إلى الإمارات ليساهم في نهضة فنية، كان قد شارك فيها منذ البداية في سبعينات القرن الماضي في مدينة الشارقة، المدينة التي شهدت ولادة حركة فنية شملت مجموعة من الشباب، أسسوا جمعية الإمارات للفنون الجميلة، وكانوا من مختلف المشارب والجنسيات، منهم: عبدالرحيم سالم وعبدالقادر الريس، من الإمارات، وأحمد حيلوز، من فلسطين، وعبداللطيف الصمودي، الفنان السوري الذي رحل باكرا، بعد أن أغنى الحركة الفنية التشكيلية في الإمارات.

استطاع حسن شريف، إثر عودته إلى الإمارات، أن يبث روحا جديدة بين جيل من الفنانين التشكيليين الشباب، بعد أن قام بتأسيس “مرسم الفن” في مسرح الشباب في دبي، فكان ملتقى فنيا فكريا للفنانين والمفكرين العاملين في الفن الحديث. إضافة إلى مجموعة “الخمسة” للفن المفاهيمي، إلى جانب كل من محمد كاظم ومحمد احمد إبراهيم وعبد الله السعدي وحسين شريف.

ما بعد العودة

لم تقتصر إسهامات الفنان حسن على إنتاج العمل الفني، بل امتدت لتشمل تأثيرات نظرية حول الفن الحديث ومفهوم الفن وفلسفة إنتاجه، وله في هذا المجال كتبا منشورة. ولا غرابة بعد هذا أن ينظر إلى الفنان شريف باعتباره أبا روحيا للفنون البصرية في الإمارات.

ورغم الأهمية التي حظي بها، ورغم ما أنجزه خلال فترة امتدت من عام 1973 إلى هذا اليوم، يقول شقيقه ومدير أعماله، عبدالرحيم شريف، لا نستطيع أن نقول إن الحداثة في الفن التشكيلي الإماراتي قد صنعها حسن لوحده، لأن في ذلك ظلم للآخرين.

وعبدالرحيم رجل أعمال وراع للفنون أسس عام 2008 “البيت الطائر” للفن الحديث، ليكون فضاء للعرض، وأرشيفا يحفظ الوثائق الفنية التي كانت عرضة للضياع.

عندما عاد حسن شريف من لندن، “لم يكن هناك وعي حقيقي بما يفعله الفنان، ولم تكن هناك فكرة عن الاتجاهات الأكثر حداثة في الفنون على المستوى العالمي” كما أكد عبدالرحيم، الذي تابع يقول: “وضع حسن مع فنانين آخرين أسسا جديدة للفن، نهضت عليها حركة التشكيل في الإمارات، ومهّدت الطريق أمام أجيال لاحقة”.

إسهامات الفنان لم تقتصر على إنتاج العمل الفني بل امتدت لتشمل تأثيرات نظرية حول الفن الحديث وفلسفته

لقد نجح الفنان حسن شريف في وضع خارطة الإمارات على الساحة الفنية العالمية، واعترافا بفضله تنظم جمعية “الشارقة للفنون” معرضا استعاديا لأعماله، بالتعاون مع معهد “كي دبليو” للفن المعاصر في برلين، يحمل عنوان “حسن شريف: فنان العمل الواحد” يستمر حتى 3 مايو المقبل، يجوب بعدها أوروبا، ويتضمن العرض 150 عملاً تشمل إنتاج الفنان المتنوع، بما في ذلك الرسوم الكاريكاتيرية الأولى، ورسوم القصص المصورة واللوحات والأعمال التركيبية النحتية وغيرها.

وهذا ثاني معرض استعادي يقام للفنان شريف، بعد معرض أقيم له خلال عامي 2017 و2018، ويغطي المعرض الفترة الممتدة من بداية السبعينات وصولاً إلى سنة وفاته في 2016، متوجا بذلك تاريخ الفنان الطويل وإسهاماته الفنية.

وكانت رسومات حسن الكاريكاتيرية، المنشورة في الصحف والمجلات في فترة السبعينات، تعكس المناخ السياسي والاجتماعي في منطقة  الشرق الأوسط، وبالأخص التوسع العمراني السريع الذي شهدته دولة الإمارات منذ تأسيسها.

مع سفره في عام 1973 لبريطانيا، جدد شريف رؤيته الفنية، متأثرا بأعمال الفنان، توم جيلز، رئيس قسم الفن التجريدي والتجريبي في الكلية بايام شو. وأدى ذلك الاهتمام إلى تبلور الفكر الإبداعي لشريف واهتمامه بالحركة المفاهمية الفنية التي رأى فيها التعبيرَ الأقرب عن أفكاره.

وسبق لأعمال شريف أن عرضت في ثماني بيناليات، منذ 1993، وكان آخرها بينالي الشارقة 2015، وتضم مقتنيات مؤسسة “الشارقة للفنون” أكثر من 100 عمل من إنتاجه، تتراوح بين أعمال صغيرة على الورق، وصولاً إلى الأعمال التركيبية، كما ترعى المؤسسة مرسمه الخاص وأرشيفه الشخصي.

لا يزال الفنان الإماراتي حسن الشريف، الذي غزا لندن في بداية السبعينات من القرن الماضي، يدهشنا، مثلما أدهشنا عام 1984، وها هو اليوم يجوب أوروبا في معرض استعادي، أتمنى على القائمين عليه، أن يضيفوا إليه عمله الأكثر إدهاشا، فراغ، يتوسطه (برجكتور) لا يعمل جيدا.

15