جولة ترامب الآسيوية: صياغة جديدة للعبة توازن القوى

من ميناء بيرل هاربور في هاواي انطلقت الجولة الآسيوية الأولى للرئيس الأميركي دونالد ترامب والتي تعد الأطول لرئيس أميركي منذ 25 عاما. وتحمل هذه الزيارة عدة تناقضات منها أن الدول التي سيزورها ترامب بعضها على خلاف مع الآخر وبعضها حليف لواشنطن وآخر منافس لها. أيضا تأتي الزيارة وسط تساؤلات إن كانت ستنتهي بتأكيد لسياسة الانعطاف نحو آسيا التي عبر عنها بشكل كبير الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، لكن هل سيتبع ترامب طريقة الرئيس نيكسون أم ستفضي الجولة، التي ستنتهي بحضور قمة رابطة دول جنوب شرق آسيا في مانيلا، بزعزعة مبدأ “باكس أميركانا” الذي ضمن السلم والأمن في القارة لسنوات.
الأربعاء 2017/11/08
نخب على شرف من؟

لن تكون علاقات الولايات المتحدة مع حلفائها وشركائها ومنافسيها في آسيا بعد الجولة الحالية التي يقوم بها الرئيس دونالد ترامب مثلما كانت عليه هذه العلاقات قبلها. إما أن ينجح ترامب في توجيه رسالة واضحة لقادة الدول التي يزورها أو الذين سيلتقي بهم خلال قمتي منتدى أيبك ورابطة آسيان، بأن لديه استراتيجية واضحة لمواجهة التهديدات والتحديات الأمنية والاقتصادية الراهنة والمستقبلية، وإما أن تنتهي بانهيار لما يُسمّى بنظرية “باكس أميركانا” أو “السلام الأميركي” المعمول بها منذ الحرب العالمية الثانية والتي تعبر عن التزام واشنطن القويّ بمساعدة حلفائها الرئيسيين.

تستغرق جولة ترامب الآسيوية الأولى 12 يوما ما يجعلها أطول زيارة لرئيس أميركي إلى القارة الآسيوية منذ زيارة الرئيس الأسبق جورج بوش الأب عام 1991. وتشمل خمس دول آسيوية هي اليابان والصين وفيتنام والفلبين وكوريا الجنوبية. وتقوده إلى حضور قمتين دوليتين مهمتين لمنتدى أيبك ورابطة آسيان.

زعامة على المحك

تمثل الجولة فرصة جيدة لكل من الولايات المتحدة والدول الخمس للشروع في معالجة ما قد يتحول إلى أكبر تحد دولي يواجه إدارة ترامب، وهو امتلاك كوريا الشمالية أسلحة نووية قادرة على الوصول إلى الأراضي الأميركية.

وتضع الجولة أيضا النقاط فوق حروف الكثير من التوجهات الأميركية تجاه القضايا الحساسة والمهمة في القارة الآسيوية التي يعتبرها كثير من خبراء العلاقات الدولية محور التنمية والاستقرار في العالم خلال القرن الحادي والعشرين.

تطرح الجولة سؤالا مهما، وهو هل تستطيع آسيا أن تعتمد على زعامة الولايات المتحدة لتحقيق أمنها واستقرارها في ظل الرئيس ترامب؟

صانعو القرار في آسيا يشعرون بأن ترامب ليست لديه رؤية واضحة ويعتمد على النهج التكتيكي لانتزاع أقصى منافع ممكنة

تميل الإجابة على هذا التساؤل، في ظل المشهد الراهن وتصريحات ترامب منذ أن كان مرشحا للانتخابات الرئاسية، نحو النفي، لأن الكثير من الدول الآسيوية وعلى رأسها الصين واليابان وكوريا الجنوبية وعدد من دول جنوب شرق آسيا، تشعر بانزعاج وقلق شديدين من الرسالة الانعزالية الصريحة لترامب، والتي أكد فيها على شعار “أميركا أولا”، ثم بعد ذلك إعلانه الانسحاب من اتفاقية باريس لمواجهة التغير المناخي ومن اتفاقية الشراكة الاقتصادية عبر المحيط الهادئ.

تجعل هذه السلوكيات الكثير من صانعي القرار في العواصم الآسيوية يفترضون أن سياسة ترامب الخارجية ستقلب العديد من الافتراضات الراسخة حول الدور الذي تلعبه الولايات المتحدة في العالم على الصعيدين التجاري والأمني. ويشعر الآسيويون بأن ترامب ليست لديه رؤية استراتيجية واضحة، ويعتمد على النهج التكتيكي لانتزاع أقصى منافع ممكنة وليست لديه أولويات واضحة، وهي كلها أمور تربك حلفاء واشنطن وشركاءها الاستراتيجيين في آسيا وغيرها.

ولعل السمة الأكثر وضوحا لسياسة ترامب الخارجية في آسيا هي هوسه بتحقيق الفائدة على المدى القصير في العلاقات مع الصين. ففي تغريدة له مؤخرا، تساءل: لماذا ينبغي اتهام الصين بالتلاعب في سعر عملتها، رغم أن الصينيين يعملون مع الولايات المتحدة لكبح جماح كوريا الشمالية؟ وقبل أيام فقط، كان ترامب قد وصف الصينيين بأنهم “أبطال العالم” في التلاعب بسعر العملة.

وتذكّر هذه السياسة باستراتيجية أميركية معروفة يطلق عليها مصطلح لعبة توازن القوى. واعتمد هذه الاستراتيجية الرئيس ريتشادر نيكسون حين نصحه مستشاره لشؤون الأمن القومي هنري كيسنجر باستغلال التناقضات القائمة بين موسكو وبكين في الحرب ضدّ السوفييت.

لكن، تبدو سياسة ترامب التي تعتمد على الصين لكبح جماح كوريا الشمالية فاشلة لأن العلاقات بين بكين وبيونغ يانغ ليست قوية، كما كانت عليه في الماضي في ضوء عدّة مؤشرات مهمة، منها عدم عقد قمة صينية كورية شمالية خلال الست سنوات الأخيرة، وموافقة بكين مؤخرا على فرض عقوبات صارمة من جانب مجلس الأمن على بيونغ يانغ.

ومن الصعوبة أن يكون اعتماد الرئيس الأميركي على الصين لاحتواء كوريا الشمالية فعّالا، بل يمكن أن يسبب زعزعة أكثر للاستقرار في آسيا، مع توجه ترامب إلى غض النظر عن مساعي الصين تجاه تغيير الوضع القائم في بحر الصين الجنوبي، وقمعها المتزايد للمعارضين السياسيين والأقليات العرقية.

ما يؤجج القلق والهواجس لدى كثير من حلفاء واشنطن الآسيويين إعجاب ترامب المتزايد بنظيره الصيني، ودعوته لبكين كي تكون صديقة وشريكة لإدارته.

وفي لقائهما الأول استضاف ترامب الرئيس الصيني شي جين بينغ في منتجعه في ولاية فلوريدا دون أن يطلب من الصين تغيير أيّ من الممارسات التجارية والاستثمارية غير العادلة التي دافع عنها خلال الحملة الانتخابية.

تبدو سياسة ترامب التي تعتمد على الصين لكبح جماح كوريا الشمالية فاشلة لأن العلاقات بين بكين وبيونغ يانغ ليست قوية

احتمالات مفتوحة

المشكلة أن يقود قبول إدارة ترامب الضمني سيطرة الصين على سبع جزر في بحر الصين الجنوبي إلى تشجيع قادة بكين على عسكرة هذه الجزر ما يمثل تهديدا لحرية الملاحة في هذا الممر الملاحي المهم مستقبلا، ومتابعة مساعي تغيير الأوضاع القائمة حاليا من بحر الصين الشرقي إلى جبال الهيمالايا الغربية، وهي محاولات من شأنها الإضرار الجسيم بمصالح اليابان وكوريا الجنوبية والهند وكثير من دول جنوب شرق آسيا.

ربما يكون من المبكر الجزم بما سوف تحمله جولة ترامب الآسيوية على وجه اليقين لأن نطاق الاحتمالات عريض، وربما تسفر الجولة عن حدوث تحوّل جذري في استراتيجية الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما والمعروفة باسم “الانعطافة نحو آسيا”.

وربما ينجم عنها تأكيد واضح من القيادة الأميركية على استمرار تركيزها على آسيا، من خلال نهج أكثر عسكرة في مواجهة كوريا الشمالية، وربما تكشف عزم ترامب الانضمام للصين والتعاون معها في إنشاء “مجموعة الاثنين” التي تضم القوتين الأكبر في العالم.

الواضح أن أنظار الآسيويين تتركز على زيارة ترامب إلى الصين (8 نوفمبر 2017) وما تسفر عنه من نتائج من شأنها تحديد طبيعة العلاقات بين أول وثاني أكبر اقتصادات في العالم.

أصبحت السياسة التي تنتهجها الولايات المتحدة في التعامل مع الصين منذ قام الرئيس ريتشارد نيكسون ومستشاره لشؤون الأمن القومي هنري كيسنجر بزيارة مفاجئة إلى الصين في عام 1972، مفتوحة على كل الاحتمالات، وهو أمر مزعج للغاية في نظر الدول التي تعتمد على الضمانات الأمنية الأميركية في الدفاع عن نفسها، مثل اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا. باتت هذه الدول بفِعل ارتباطها السياسي والعسكري العميق بالولايات المتحدة معتادة على التزام واشنطن بأمنها، وأيّ تطور سيحدثه ترامب في علاقاته مع بكين ستكون له تداعيات بالغة الأهمية.

ويمكن القول إن تأكيد زعامة الولايات المتحدة في آسيا أشبه بسيف ذي حدين، من ناحية قد يقود إلى اشتعال المواجهة العسكرية مع كوريا الشمالية والتأكيد على التحالف الأمني والاستراتيجي مع طوكيو وسول، وقد يقود من ناحية أخرى إلى زيادة قلق الصين، وربما روسيا، من زيادة التواجد الأميركي في المنطقة، ونشر منظومات دفاع صاروخي متقدمة تهدد أمنهما القومي.

أما إذا تخلت الولايات المتحدة عن دورها القيادي بسرعة أكبر مما ينبغي، ما يعني نهاية “باكس أميركانا” فقد تنشأ فوضى في آسيا، وربما تقفز قوى أقل اعتدالا لشغل الفراغ الأمني والسياسي الناجم عن الانسحاب الأميركي من القارة.

في هذا السياق ليس من المستبعد خروج المارد النووي من قمقمه في آسيا، فمن الواضح أن القدرات العسكرية لكوريا الشمالية آخذة في التطور بسرعة، ما من شأنه قلب الحسابات العسكرية في المنطقة رأسا على عقب.

خبير الشؤون الدولية والآسيوية

6