جوليان غراك: أردت أن أكون مكتشفا والكتابة لم تكن في ذهني

الجمعة 2014/08/29
غراك: واصلت الكتابة في حيرة من أمري

خلال مسيرته الأدبيّة الطويلة، ظلّ الكاتب الفرنسي الكبير جوليان غراك (1910-2007) محافظا على نفس النمط الذي اختاره لنفسه منذ بداياته. فقد كان يكره الأضواء، والشهرة، متحاشيا دائما وأبدا الزجّ بنفسه في الخصومات والمعارك الأدبيّة الكثيرة في بلاد فولتير. وكان الوحيد من بين الكتاب الفرنسيين الذي رفض جائزة “غونكور” الرفيعة عند فوزه بها كتتويج لروايته “رمال السّاحل”.

يعتبر غراك من قبل النقّاد “آخر الكلاسيكيين” في الأدب الفرنسي الحديث، كما يعتبر أيضا “كاتبا من الزمن القديم”، أي من الزمن الذي سبق هيمنة وسائل الإعلام بجميع أصنافها.


التقشف والعزلة


منذ عام 1950، وهو في أوج مجده الأدبي، ثار جوليان غراك من خلال مقالاته لاذعة اللهجة على المخاطر التي تتهدّد ما كان يسمّيه بـ”الأدب الرفيع”، والمتمثّلة بالخصوص في الاستعباد التدريجي للعقول، وفي التقديرات المتسرعة والخاطئة، وفي ظهور جمهور فاقد للبوصلة، ولا يقرأ، ولا يعني الكتاب بالنسبة إليه غير قيمة تجاريّة. وكان مناهضا أيضا لـ”المطبخ الأدبيّ الصغير”، مختارا التقشّف والصوم والعزلة.

وفي عام 1992، وبعد أن أصدر “دفاتر الطريق الكبير”، قرّر غراك الانقطاع عن الكتابة، ومضى ليعيش في البيت العائلي في قرية صغيرة على ضفاف نهر “لوار”. وبصحبة أخته، ظلّ حتى آخر رمق من حياته، يستمتع بملذّات الحياة الريفيّة البسيطة، بعيدا عن “أمراض الحداثة”.

الكاتب يحافظ على نمط الكتابة نفسه في كل أعماله


التحريض على الكتابة


متحدثا عن نفسه يقول جوليان غراك: «لقد بدأت أقرأ في سنّ مبكّرة جدّا. ففي سنّ الرابعة، كنت أقرأ من البداية حتى النهاية مجلة L’illustration. وكنت أسعى إلى اقتناء كل واحد من كتب جيل فارن، ولم يكن بالنسبة إليّ “الكاتب الحقيقي” حسب مواصفاتي له في ما بعد. بل كان فقط بئرا من المعلومات. وكانت أعاجيبه متعدّدة ومتنوّعة، بحيث يمكننا أن نقول إنها لا تعرف النضوب أبدا. وكان جيل فارن يفتح العالم أمامي بلدا بعد آخر، وقارّة بعد قارة. وكان رائعا من ناحية المحتوى. أما من ناحية الشكل فقد كان صفرا. لذا لا يمكنني أن أقول إنه هو الذي حرّضني على الكتابة».

وعندما كانوا يسألونه خلال الحرب الكونية الأولى عمّا يتمنى أن يكونه، كان غلوك يجيب: «أريد أن أكون مكتشفا». ولم يكن يطمح أن يصير كاتبا. لكن في المرحلة الثانويّة، عندما كان عمره آنذاك 12 سنة، بدأ يدرك معنى التعبير الجيّد. حدث ذلك بعد قراءته، التي يعتبرها خارقة، للكاتب الأميركي إدغار آلن بو التي نقلها إلى الفرنسية شارل بودلير.

عن كتابه الأول “حصن أرغول”، قال جوليان غراك: «من المؤكد أن هذه الخطوة التي كان لا بدّ من قطعها، كان يجب أن تحدث في هذا اليوم أو ذاك. كان هناك عامل مادي صعب لعب دورا مهمّا في هذا الأمر، لم أتحصل على التأشيرة التي كنت أنتظرها للذهاب إلى روسيا بهدف إعداد بحث جغرافي، وكانت العطلة الصيفيّة قد بدأت، وهكذا شرعت أكتب “حصن أرغول”».

يؤكد غراك أنه واصل الكتابة وهو في حيرة من أمره، وقد أنهى الكتاب في غضون بضعة أشهر، هذا ما جعله، في ذلك الوقت، يعيد النظر في جميع مشاريعه، حيث يظن الكاتب أنه من المحتمل أن تكون قد تجّمعت في داخله طاقة غنائية لم يكن واعيا بها حينها.

وبعد أن أنهى كتابه الأول، وكان ذلك في خريف 1937، شعر جوليان غراك أن “حمّى الكتابة” بدأت تخفّ. لكن مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، وقع إرساله إلى الجبهة، غير أنه وقع في الأسر، وزج به في معسكر الاعتقال النازي، حيث كان مع الجنود الآخرين يواجه الجوع يوميّا، ومع ذلك شرع يكتب من جديد.

لكل كاتب عالمه الداخلي الذي صنعه لنفسه، وهو في سن العشرين، ليضيء له الطريق ويجول معه في كل مكان


مفهوم الكتابة


عندما انتهت الحرب، واصل غراك الكتابة بنفس الحماس. ورسخ الكاتب مفهومه الخاص للكتابة، إذ لا يرى أن التطور الداخلي للكاتب يشبه تطور التاريخ الموسوم دائما وأبدا بوقفات وانقطاعات، وبمفاجآت، وبغزوات ودمار.

ويؤكد غراك قائلا: «إن إحدى خاصيات الكاتب، والتي تحدّد عمله بشكل عميق، تبدو لي، إذا لم يكن عبدا للناشرين، ومتعدّد المواضيع حسب الطلب، هي أن يفرز من حوله، مبكّرا، فقّاعة مرتبطة بأذواقه، وبثقافته، وبعالمه الداخلي، وبقراءاته، وأحلامه. ويجول معه في كلّ مكان يذهب إليه “عالم داخلي”، كان قد صنعه لنفسه، وهو في سنّ العشرين غالب الأحيان. وفي هذا “العالم الداخلي” هو يحتفظ بكلّ ما يضيء له الطريق، ويجعله في مأمن من العواصف الخارجيّة».

14