جوليا أم صابينا كريستيفا؟

الأنظمة الدكتاتورية تملك من وسائل الترغيب والترهيب ما يوقع في شراكها عددا لا يستهان بحجمه من المثقفين.
الخميس 2018/04/05
جوليا كريستيفا مثقفة برتبة "جاسوسة"

من الأخبار الصادمة هذا الأسبوع، ما أوردته مجلة نوفيل أوبس الفرنسية عن تواطؤ جوليا كريستيفا مع النظام الشيوعي في بلدها الأصلي بلغاريا، ونعني بالتواطؤ قبولها التعامل عام 1971 مع جهاز أمن الدولة “دارجافنا سيغورنوست”، للتجسس على الجالية البلغارية في فرنسا، والمثقفين الفرنسيين، ورفع تقارير عنهم.

خبر لا يصدق لا محالة، فجوليا كريستيفا عالمة بأتمّ معنى الكلمة، ومرجع أساس من مراجع الفكر النقدي والنظرية اللغوية، لا تقل قيمة عن بارت وتودوروف وجيرار جينات، بل إنها تفوقهم من حيث تعدد اهتماماتها، فهي فيلسوفة وسيميائية ومحللة نفسانية وروائية ومناضلة نسوية، ذائعة الصيت من جهة إسهاماتها في تلك الحقول المعرفية، ومن جهة تدريسها في عدة جامعات عالمية، فضلا عن كونها رمزا من رموز مثقفي اليسار.

ولكن الوثائق التي نشرتها اللجنة البلغارية المكلفة بفتح الأرشيف الشيوعي حول أنشطة كريستيفا يوم 27 مارس الماضي لا تقبل الشك، فاسمها مدرج ضمن قائمة طويلة ممن قبلوا التعامل مع مخابرات نظام صوفيا البائد، مع اسم حركي شأن كل الجواسيس هو “صابينا”.

ورغم عدم وجود أي وثيقة بخط يدها، فإن التقارير تثبت قبولها هذا “العمل” ما بين عامي 1971 و1973، ونقلها تقارير شفوية عن المثقفين الفرنسيين، وعن المنظمات التقدمية والماوية، وعن موقف الإعلاميين من القضية الفلسطينية، ثم رفتها منه لأنها لا تريد أن تعمل. أما عن توقيت نشرها فمرده أن كريستيفا عبرت عن رغبتها في التعاون مع “الجريدة الأدبية” في صوفيا، ومن عادة الداخلية هناك أن تجري تحريا قبل الموافقة.

ويرى المحللون أن كريستيفا قدمت إلى فرنسا عام 1966 وانتفعت بمنحة دراسية، وهو ما لم يكن في متناول أيّ كان ما لم يحز موافقة المصالح البلغارية المختصة، التي كانت تراقب عن كثب مهاجريها، ولا سيما أولئك الذين يتركون عائلاتهم في بلد المنشأ.

أما هي فقد نفت ذلك بشدة، وأكدت على لسان محاميها أنها كانت سنة 1971 تساهم في انطلاقة حركة “تيل كيل” التي شكلت قطيعة مع الخط الرسمي للحزب الشيوعي. وتضيف أن كل ذلك يعيدها إلى ماض أليم وصفته في كتبها، وأن تلك الوثائق، لو فرضنا أنها حقيقية، تعكس الأساليب الكاريكاتيرية لبوليس الأنظمة التوتاليتارية.

وأيا ما تكن الحقيقة، فالثابت أن الأنظمة الدكتاتورية تملك من وسائل الترغيب والترهيب ما يوقع في شراكها عددا لا يستهان بحجمه من المثقفين، منهم من يذعن خوفا من العواقب، ومنهم من يسعى إليها سعي منحرف إلى مال السحت.

مطبوعات من ملفات وكالات الاستخبارات البلغارية لمواد أرشيفية عن الفيلسوفة جوليا كريستيفا

Thumbnail
15