جوناثان كراري أنثروبولوجيا نقدية للحياة اليومية

الأحد 2014/11/09
متطلبات النزعة الاستهلاكية تلتقي مع قوانين المراقبة والضبط الاجتماعي والسياسي

منذ أربع سنوات طرح كريستوفر نولان في شريط “افتتاح” علاقة الرأسمالية بالنوم، وتخيل أنه قد يأتي على الإنسان حينٌ من الدهر يشتري فيه نصيبه من النوم، كما يشتري غذاءه وكساءه، ولا تمضي أحلامه كما يمضي نهر هادئ، بل سوف تكون خاضعة لعمليات قَطع تتخللها لقطات إشهارية، تعرض فيها البضائع على اختلاف أنواعها في صيغ مبتكرة تغريه بمزيد الاستهلاك. وهو شريط من النوع الاستباقي في جانبه “الديستوبي” أي المنذر بأخطار محتملة تهدد راحة الإنسان ووجوده ونمط عيشه، لم يتحمس له النقاد كثيرا بدعوى أن ما يحذر منه صعب الوقوع. ولكنّ آخرين يأخذون هذه المسألة مأخذ الجدّ ويبيّنون دوافعها وجرائرها. هذا مثلا جوناثان كراري أستاذ نظرية الفن الحديث بجامعة كولومبيا في نيويورك، يؤكد أن الرأسمالية بسطت هيمنتها على كل شيء، ولم يبق لها من عائق سوى النوم.


طائر الشرشور


في كتابه الأخير “24/7. الرأسمالية تهاجم النوم”، الذي صدرت ترجمته الفرنسية هذه الأيام، يشرح الباحث الأميركي السبل التي يتوخاها رأس المال لخلق عامل أشبه بجنديّ مرابط على جبهة القتال، لا يكحّل النوم جفونه أبدا. تماما مثل الشرشور ذي العنق الأبيض ذلك الطائر الذي يستطيع أن يبقى يقظا سبعة أيام متتالية أثناء هجرته، حتى أن وزارة الدفاع الأميركية وضعت برنامجا يدوم خمس سنوات لدراسة البنية الفيزيولوجية لهذا الطائر العجيب، كي تستفيد من قدرته الفريدة في خلق أفراد يستغنون عن النوم ويحافظون في الوقت ذاته على فعاليتهم وجدواهم.

والهدف في النهاية هو خلق جندي لا ينام، جندي له قدرات مادية تقارب قدرات الآلات والشبكات الرقمية. ويقينا أن التجربة لن تقتصر على العساكر وحدهم، فقد دلت وقائع التاريخ أن الابتكارات التي تفرضها الحرب تنتقل بالضرورة إلى الواقع الاجتماعي الأوسع، لاستعمالها في مجالات الحياة اليومية، ومن ثَمَّ، تبدو فكرة الجندي الذي لا ينام مقدمة طبيعية لخلق عامل أو مستهلك يعاف النوم، في مرحلة لاحقة، على رأي الكاتب. والتكهن هنا ليس اعتباطيا، بل له أكثر من دليل، ولو ألقينا نظرة حولنا لرأينا أن الأسواق التي تعمل بغير انقطاع، والبنية التحتية التي تتيح العمل والاستهلاك بغير توقف موجودة منذ مدة، ولكن المستهدف هنا هو الذات الآدمية نفسها التي ينبغي جعلها مطابقة بشكل أوكد لمثل تلك الغايات، دون اعتبار لهشاشة الحياة البشرية.

النتيجة التي ينتهي إليها يمكن تلخيصها في ما يلي: يا عمال العالم، استريحوا!


المحل مفتوح


فالذي يحذر منه كراري يلخصه في “24/7” كشعار يتصدر اليوم واجهة المحلات في شوارع باريس ولندن ومانهاتن وسواها، في شكل لافتات تلمع آناء الليل وأطراف النهار، معلنة أن المحل مفتوح، بغير انقطاع، كاملَ ساعات اليوم وكاملَ أيام الأسبوع. ذلك هو نسق الأسواق المالية والتصنيع المطلق. وهو أيضا نموذج

حياة بلا راحة، حياة نشطة على مدار ساعات الليل والنهار، في نوع من الأرق الشامل.

يقول الكاتب: “منذ العشرية الأخيرة للقرن العشرين إلى الآن، ومع تدهور أشكال الرأسمالية الخاضعة للمراقبة والتعديل، سواء في الولايات المتحدة أو أوروبا، لم يعد ثمة ضرورة داخلية كي تبقى الراحة والاسترخاء واسترجاع القوى عوامل نموّ ونفعية اقتصادية. ولذلك يصرح دعاتها دون خجل: “لماذا نضيع وقتا يمكن استغلاله في الاستهلاك والإنتاج ؟” ويستخلص أن “إيجاد وقت للراحة واستعادة القوى له من التكلفة الباهظة ما يجعل استمرار انضوائه هيكليا داخل الرأسمالية المعاصرة أمرا مستبعدا”.

النوم آخر أعداء الرأسمالية


هوس الفيسبوك

هذه الأطروحة تستحضر تآكل الزمن بشكل ازداد حدّة في المرحلة المعاصرة. فالأميركي على سبيل المثال صار ينام بمعدل ست ساعات ونصف في الليلة، مقابل ثماني ساعات لدى الجيل السابق، وعشر ساعات في بداية القرن الماضي. تلك التغيرات الزمنية يوثقها كراري لينتقد آثارها المدمرة، ويلاحظ أنه إذا كان من الصعب على أي إنسان في الواقع أن يلعب أو يعمل أو يدوّن أو يحمّل أو يدردش بغير انقطاع أربعا وعشرين ساعة على أربع وعشرين ساعة، فإن كل لحظة من لحظات حياته ليست بمنأى عن تلك الأنشطة. وفي رأيه أن الذين يقضون الوقت وعيونهم مشدودة إلى شاشات لامعة، تسخّرهم في الليل كما في النهار، وتفشي أسرارهم للفيسبوك غول المواقع الاجتماعية، يراكمون خليطا من هويات تعويض تحيا بدلا عنهم على إيقاع “24/7” وتتبدى في هيئة نسخة مزورة منهم أكثر من كونها امتدادا لذواتهم.


أنثروبولوجيا نقدية

ذلك الهوس المتواصل بالشبكة يخل بمجرى الحياة اليومية ويخل تبعا لذلك بظروف العمل السياسي نفسه.

ذلك أن متطلبات النزعة الاستهلاكية العامة عادة ما تلتقي مع قوانين المراقبة والضبط. في هذه الصورة يبدو النوم، في ضرورته الفيزيولوجية واندفاعه الحلمي، آخر حاجز موضوع أمام الاحتلال الرأسمالي للحياة اليومية.

وهو ما يدفع الكاتب إلى مديح الحلم والنوم معا، لما لهما من قدرة على انتزاع إنسان هذا العصر من حاضر تعطّن في رتابة متسارعة.

فالنوم وإن تقلصت ساعاته على مر الأجيال لا يزال يشكل جبهة الصمود الوقحة، كما يقول الكاتب، أمام شراهة الرأسمالية: إذ من الصعب عليها أن تقوّم النوم بمال، كما فعلت مع الضرورات الأخرى المتصلة بحياة البشر كالجوع والعطش والرغبة الجنسية، وحتى الحاجة إلى الصداقة التي انتشرت في المجتمعات الغربية منذ نهاية القرن الماضي، بعد أن حوّلتها جميعا إلى بضائع تموَّل وتباع وتشترى.

يستند الكاتب في أطروحته إلى مراجع فلسفية (جيل دولوز وبرنار ستيغلر) وسينمائية (جان لوك غودار وأندري تركوفسكي وغي ديبور) وفنية وأدبية، ليصوغ بلغة صافية وأسلوب سلس أنثروبولوجيا نقدية لواقعنا المعاصر، ويتخيل أن مستقبلا خاليا من الرأسمالية يبدأ بالمنام. والنتيجة التي ينتهي إليها يمكن تلخيصها في ما يلي: “يا عمّال العالم، استريحوا!”.

13