جونسن يعيد تركيب الفضاء في آخر أفلامه

الثورة والثوار لهم قصص وشجون وشؤون في كل زمان ومكان، لكن أن تمتدّ الثورات إلى الفضاء الخارجي وبين الكواكب والمجرات، فذلك ما يبدع فيه الخيال الخصب في أفلام الخيال العلمي، ومنها فيلم “سفينة الفضاء: القيامة” للمخرج نيل جونسن (إنتاج 2014).
الاثنين 2015/08/17
قوة القهر تدفع إلى التمرد دائما

لا يقتصر مفهوم الثورة والثوار على الفضاء الخارجي والكواكب والمجرات فحسب، في فيلم “سفينة الفضاء: القيامة ” للمخرج نيل جونسن، ولا في الرحلات المكوكية لتلك المركبات المأهولة التي تتصارع في ما بينها وتطلق صواريخها وأشعتها الليزرية، بل هي كل هذا، يضاف إليه نوع من الدراما الفيلمية المتصاعدة والقائمة على فعل الثورة وعلى العنف وتأجيج الصراعات، حتى الطوائف والجماعات المختلفة والمتعارضة يمكن أن تظهر هناك في كوكب أو مجرة، وهذا ما قدّمه هذا الفيلم بعناية من أجل عرض خليط من الأماكن والشخصيات.

نحن نتحدث عن 200 عام من الآن عندما تقع ما يمكن أن نسميه “ثورة الأليين” وثورة البشر الذين يشعرون بسيطرة الحكومة الكونية الكوكبية أو ما يسمى بالاتحاد الفيدرالي، وهو كناية عن اتحاد لتجمعات سكانية لعدة كواكب تدين بالطاعة لكائن مطوّر جينيا اكتسب من طاقات البشر ومن الذكاء الصناعي ما جعله ذا قدرات خارقة، وهو الذي يظهر غالبا مرتديا ما يشبه العباءة بصوت أجش، ويمكن أن يجهز على خصومه ومعارضيه بضربة سيف لا ترحم.

وهو الذي ولد يوم انحسر عدد البشر إلى 3 ملايين إنسان فقط، معلنا أنه استخدم ما يسمى “دماء الأسياد” لكي يبقى ويعمر، وأن على جميع معارضيه أن يموتوا.

كوكب تيركينوس أو عاصمة العالم الفيدرالي التي تقود الفيدرالية الافتراضية تلك، هو حصيلة أكثر من مئة بليون حياة من تلك التي وجدت على سطح الأرض، ولهذا امتلك ذلك الكوكب القوة التي لا تقهر، لكن قوة القهر هي التي تدفع إلى التمرد. ووزري (الممثل دارين جاكوبس) يشهد شرارة التمرد تنطلق من والده منذ كان طفلا، وتاليا الانتقام من الأب وقتله، والطفل ووزري شاهد مصاب بالهلع، ولكنه عندما يكبر يتحول إلى متمرد أيضا، يختطف السفينة الفضائية التي تعود للحكومة الفيدرالية، ومع ذلك سيفقد أمه أيضا في مشهد قتل مروّع، فإما الاستسلام أو أن يرى أمه تذبح أمام عينيه.

هنا لن ينحسر وجود القساوسة ورجال الدين بشكل ما، بل إن كوكبا تظهر فيه النساء دون الرجال وهن ملتحفات بشبه عباءات عربية، هو مثال آخر لذلك التنوع في الأماكن والتنقل في المجرة الشاسعة، وهناك يمكن أن تسمع ما يشبه الأذان الإسلامي وهناك أيضا ما يشبه المنارات الإسلامية.

المخرج يحيل قصة الفيلم إلى شكل أكثر قربا من الحياة، إذ لم يسرف في تغريب المشاهد بعيدا بين الكواكب والمجرات

وحضور النساء الطاغي في الفيلم يشكل ملمحا مهما، وهن نساء عاديات بشعر مرسل، ولكنهن يقاتلن تارة ويقدن السفن الفضائية تارة أخرى، أو يشاركن في التمرد أو يعارضنه، وبذلك أحال المخرج قصته إلى شكل أكثر واقعية وقربا من الحياة، ولم يسرف أكثر في تغريبنا بعيدا بين الكواكب والمجرات، بل إنهن يمارسن حياتهن العاطفية وتتسلل الخيانة والمشاهد الحميمية في بعض المشاهد.

هناك في ثنايا تلك الحبكة الدرامية محاولة لجعل المسار الفيلمي أكثر تشويقا من خلال إيجاد مشاهد الصراع والنزال بين المركبات الفضائية، وكما أن البطل في كثير من الأفلام لا يطاله الرصاص المتبادل ولا يقتل بسهولة، فكذلك المركبة الفضائية التي يقودها ووزري وصحبه هي أيضا لن تدمّر رغم الهجمات، يمكن أن تتضرر ولكن لن تدمّر.

يحفل الفيلم باستخدامات متنوعة وكثيفة للغرافيك والمؤثرات البصرية وهو أمر معتاد في أفلام الخيال العلمي، خاصة في المشاهد التي تظهر فيها المركبات وهي سابحة في الفضاء أو في مشاهد القتال في ما بينها، ولكن بعض المشاهد التي استخدمت فيها تلك المؤثرات البصرية بدت غير مقنعة ولا مصنوعة بعناية كافية.

المخرج نيل جونسن معروف بولعه المبكر بأفلام الديجيتال، وهو الذي سبق له أن أخرج عشرات من الكليبات وأعمال الفيديو الموسيقية والغنائية، ونال العديد من الجوائز، ولكنه هنا جاءنا بسيناريو تتوزع فيه الأحداث على أماكن عدة تقود أحيانا إلى تشويش في سرعة التنقل من مكان إلى آخر.

وكان من الانتقادات التي وجهت للفيلم أنه لم يحقق الإشباع الكافي في عرض الأماكن، ولا في استخدام المعالجة الصورية الكاملة في الكشف عن المكان والشخصيات، يضاف إلى ذلك إذا كانت فكرة التمرد هي الأساس فإن تلك الانتقالات المتسارعة فارقتها الحجة القوية، بل بدت النسوة المحاربات غير مقنعات في بعض المشاهد وهن يحملن أسلحة تشبه لعب الأطفال.

هذا إذا أضفنا إلى ذلك أن كثرة تلك الممالك أو الكواكب إن كانت فيها سمة إيجابية، فإنه كان من الممكن أن يرينا المخرج كائنات وجغرافيا مختلفة، وإلاّ فلماذا هو فيلم خيال علمي أصلا؟ لكن الشخصيات هنا تتشابه ولا ميزة للأماكن أيضا سوى الإشارة إلى اسم كل كوكب مع المشهد الافتتاحي بطريقة مكتوبة، أما ما عدا ذلك فالأمر معتاد وليس مختلفا كثيرا.

16