جون أوليفر يسقط أسطورة سنودن في عقر دار الروس

السبت 2015/04/11
أميركيون: سنودن لا يتقبل مسؤولية الضرر الذي تسبب فيه

موسكو- موسكو- ارتكبت وسائل الإعلام وأجهزة المخابرات المحيطة بإدوارد سنودن خطأ فادحا. فبعد الثناء المتواصل والمقابلات الصحفية السطحية والتتويج بجائزة أوسكار تكريما لانجازاته الخاصة، اتخذت هذه الفرق قرارا كان يجب أن تدرك مسبقا أنه سيؤدي إلى عواقب مريرة. لقد سمحوا لإدوارد بالحديث مع جون أوليفر.

إنه شيء مدهش فعلا، ويدلّ إما على أن العملاء الروس، الذين يتكلفون حاليا بالسيطرة على حياة سنودن، لم يشاهدوا أبدا برنامج جون أوليفر، أو أنهم كانوا يعتقدون أن أوليفر صحفي ليبرالي آخر سيكتفي بالسماح لسنودن بتقديم عرضه المعتاد عن الشاب الأميركي المثالي.

في كلتا الحالتين، لا بد أن خيبتهم كانت عميقة. بالرغم من مجهوداته المتواصلة للمحافظة على جديته وجدية المقابلة، لم يستطع أوليفر مقاومة نزعته المعتادة نحو التلاعب بضيفه، وأظهرت المقابلة إلى أي مدى ينزعج شخص مثل سنودن، وربما كان ذلك الحال طوال حياته، من مواجهة أشخاص مثل جون أوليفر. من الواضح إذن أن سنودن يعاني من حرج اجتماعي شديد، في حين يتمتع أوليفر بروح فكاهة ومرح طبيعيين، ولكن ما الذي تعلمناه من هذا الحوار؟

أوليفر عرض لسنودن العديد من الفيديوهات التي تظهر أشخاصا ومارين في شارع تايمز سكوير لا يعرفون شيئا عن قضيته الشهيرة أو حتى عن سنودن نفس

سنودن نفسه جاء متحضرا كما يجب للمقابلة، على الأقل في البداية. ومع ذلك، لم يقبل أوليفر، منذ البداية، أيا من الإجابات المتعالية أو المفبركة لضيفه، ثمّ قرر أوليفر إضفاء بعض المرح على المقابلة، وعلمنا عندها الكثير حول ثلاثة أشياء مهمة، هي دور غرور سنودن في القضية ككل، مدى طيش تصرفات سنودن، وأن الحدود الفعلية التي ادعى سنودن فرضها على البرامج هي لا متناهية.

بطل كارتوني

مثل جميع المنشقين، يتجذر غرور بعمق في حسه البطولي. ألقوا نظرة على تعابير وجه سنودن عندما قام أوليفر بتحقير ادعاءاته المضخمة عن أن خيانته لم تكن لحساب مجده الخاص، ولكن للسماح للأميركيين المظلومين بأن يقرروا بشأن هذه المسائل بأنفسهم.

عرض أوليفر لسنودن العديد من الفيديوهات التي تظهر أشخاصا ومارين في شارع تايمز سكوير لا يعرفون شيئا عن قضيته الشهيرة أو حتى عن سنودن نفسه. وقد اتجه إليه أوليفر إثر ذلك قائلا “الجانب الإيجابي هنا هو أنه بإمكانك الآن العودة إلى الوطن، باعتبار أن لا أحد يعرف من أنت (هويتك) أو ما فعلته”.

من الواضح أن سنودن كان ممتعضا. لم يتوقع ما عُرض عليه، وسواء أكان ذلك أمرا يعلمه سنودن بالفعل أو يشتبه بحصوله، فهو لم يرغب في أن تُحشر هذه الحقيقة في وجهه.

طبعا كان يجب أن تكون الإجابة الصحيحة عند هذه النقطة، إذا كان سنودن فعلا رجلا صقله تكرار المقابلات والثقة التامة في أفعاله، أن يبتسم و يقول “جون، هذا أمر مثير للقلق، أنا سعيد أنك هنا حتى نستطيع أن نتحدث عن هذه القضية ونبث الرسالة بوضوح أكبر”، ولكنه عوضا عن ذلك، تحول سنودن إلى ولد صغير يفتقد إلى الثقة في نفسه، وصار يتلعثم ويغض النظر ويتخبط مع الكلمات.

كان من الممكن تفهم هذه التصرفات، لو تمت هذه المقابلة خلال أول أسبوع لسنودن في موسكو.

أوليفر، من جانبه، كان قد بدأ لتوه بالمرح. للمرة الأولى، واجه صحفي فعليا سنودن بحقيقة طيش أفعاله. فقد فعل ما لم يكن في الحسبان وطرح على سنودن سؤالا مباشرا: هل قرأت جميع الوثائق التي سلمتها للغير؟

أوليفر لم يكن يهدف إلى الاستهزاء من سنودن أمام الملايين ولكن نجح دون قصد

وقد حاول سنودن المراوغة في الإجابة بقوله “أنا أدرك ما سلمته”، وهي إجابة لم يقبلها أوليفر،، قائلا “هناك فرق بين فهم ما في الوثائق و قراءة ما في الوثائق”. وأضاف بسخرية واضحة “لأنك عندما تقوم بتسليم آلاف من الوثائق التابعة للأمن القومي الأميركي، فإن آخر شيء ترغب في فعله هو قراءتها”.

ثم أشار أوليفر إلى أن الحقائق التي كشفها سنودن، والتي نشرتها صحيفة نيويورك تايمز، ألحقت أضرارا فعلية بالعمليات الأميركية عبر العالم. وماذا كانت إجابة سنودن على ذلك؟ أجاب “في الصحافة علينا أن نقبل أنه سوف يتم اقتراف بعض الأخطاء”. بعبارة أخرى، حرية تصبح مرادفة للخطر، والأضرار ضرورية ولا يمكن تجنبها. ثم أضاف سنودن، دون أدنى أثر للسخرية باعتبار الحالة الراهنة، “إنك لا تكون فعلا آمنا إلا في السجن”. ولكن أليس هذا هو نفس الرد الذي يقدمه مؤيدو برامج المراقبة الوطنية؟ أن الحرية ليست مثالية، وأن البشر معرضون دائما لارتكاب الأخطاء؟

تهديدات وهمية أم حقيقية

لم يواصل أوليفر في هذا المنهج. فهو يبقى على رأس برنامج كوميدي، لذلك بادر بتشجيع سنودن على فهم أن الأميركيين لا يهتمون بالمراقبة الخارجية، بل يهتمون فقط بأمن صور أعضائهم التناسلية. وقد انخرط سنودان بمرور الوقت في الروح الفكاهية للحوار، ولكنه لم يشعر أبدا بالارتياح. عندما عاد سنودن أخيرا إلى المواضيع التي يمكنه السيطرة عليها مجددا، تناقض شرحه لكيفية حصول الحكومة على صور الأعضاء التناسلية لأي كان مع وجهة نظره.

وهنا تكمن المشكلة، إذا لا يوجد أي دليل (وسنودن يعترف بذلك بوضوح) على حدوث مثل هذه الممارسات، فقد أثبت تفسير سنودن للمسألة أنه يتوجب على الحكومة أن تكرس مجهودات جبارة ومقدارا هاما من البيانات لإيجاد مثل هذه الصور، وقراءة نصوص الرسائل الهاتفية، وتحقيق تطابق المكالمات الهاتفية. فوجهة نظره بكاملها تستند على نظرية ما يمكن أن يحدث إذا حاول شخص ما، مع نوايا شرّيرة، أن يسيطر على نطاق واسع من البيروقراطية وتطويعها بهدف إيجاد صور خاصة لرجل يتم اختياره عشوائيا في نيويورك. في محاولة منه لإثارة المزيد من الغضب، نجح سنودن دون قصد في تهدئة النفوس القلقة.

يقول مراقبون أميركان “في نهاية المطاف، ما رأيناه من مقابلة موسكو هو سنودن الحقيقي: يسكنه غرور هائل، يعيش على أوهام أهميته وعظمته، وغير مستعد البتة، على غرار كل المراهقين الأبديين، لتقبل مسؤولية الضرر الذي تسبب فيه استهتاره”.

من المرجح أن أوليفر لم يكن يهدف فعلا إلى الاستهزاء من سنودن أمام الملايين من الناس، ولكن أحيانا، ينجح الأشخاص المميزون في تحقيق الكثير دون أي قصد

ومع ذلك، وحتى هذه اللمحة الموجزة من شخصية سنودن تحت أبسط الضغوط الصحفية، من شأنها أن تضع حدا لكل الادعاءات المضخمة لشاب ادعى أنه قادر على مواجهة أقسى وسائل التعذيب. ليس سنودن سوى صبي ضائع، انغمس بعمق في مسألة تتخطى قدراته، ووضع نفسه في مكان خطير بعد أن قام بأفعال هو نفسه لا يعي مغزاها وتتبعاتها. إذا كان سنودن عاجزا عن التعامل مع أوليفر، لا شك أنه لم يكن قط في إمكانه أن يتعامل مع محققي جهاز الأمن الروسي.

في نهاية المطاف، هذه المقابلة مع جون أوليفر تبقى حتى الآن أهم إضافة إلى ما يمكن أن نسميه أرشيف سنودن. حتى الآن، اختصرت صورة سنودن على مقابلات معظمها غير مجدية، مثل تلك مع بارتون جيلمان، أو المشجعة مع غلين غرينوالد، أو شبه المقابلة المفبركة مع برايان ويليامز.

استطاع أن يقول ما يريد قوله دون خوف من أي مواجهة أو دحض. من المرجح أن أوليفر لم يكن يهدف فعلا إلى الاستهزاء من سنودن أمام الملايين من الناس، ولكن أحيانا، ينجح الأشخاص المميزون في تحقيق الكثير دون أي قصد.

حملة افتراضية

وبالتزامن مع انتشار شريط المقابلة بشكل واسع على مواقع التواصل، ظهر هاشتاغ SnowdenInterview (مقابلة سنودن) وأظهر عبره مئات المغردين من حول العالم، تضامنهم مع المسرّب الشهير. كما انتشر هاشتاغ SnowdenStatue (تمثال سنودن) إثر انتشار صور لتمثال برونزي أنجزه ثلاثة فنانين، ونصبوه في إحدى حدائق بروكلين (نيويورك). استغرق العمل على التمثال ستة أشهر، لكنّه لم يبق في مكانه طويلا، بعد تغطيته ونقله بعيدا من قبل عمّال الحديقة. وردا على ذلك، قام الفنانون ببث صورة هولوغرام للتمثال في الحديقة، ليبدو كأنّه لم يزح من مكانه فوق أحد الأعمدة.

18