جون بورمان السينمائي الباحث عن أسرار الطبيعة والأسطورة

الأحد 2016/01/24
جون بورمان.. مخرج سينمائي خارج التصنيف

من بين كل السينمائيين البريطانيين يمكن القول إن جون بورمان (83 عاما) هو أكثرهم عصيانا على التصنيف. صحيح أن لا أحد يمكنه التشكيك في قيمته الفنية كمؤلف أفلام، أي مخرج صاحب بصمة مميزة وعالم خاص يعبر عنه في أفلامه شأن كبار السينمائيين في العالم، لكن مشكلة بورمان أنه ظل ينتقل خلال أكثر من خمسين عاما، منذ أن بدأ الإخراج السينمائي محققا حتى الآن 16 فيلما روائيا طويلا، من فيلم كبير يرفعه النقاد عاليا إلى مصاف أعمال الفن الكبرى، ليهبط بعده صانعا عملا لا يرقى إلى أعمال السينما الفنية، من هوليوود الإثارة والنجوم، إلى الفيلم الفني القريب من السينما الأوروبية، ومن لندن، إلى أيرلندا، وإلى بنما ورانغون (ميانمار) ولوس أنجليس وحوض الأمازون.

رشحت أفلام بورمان خمس مرات لنيل جائزة الأوسكار، وحصل مرتين على جائزة أحسن مخرج في مهرجان كان السينمائي، ولعل من نقاط قوته وضعفه معا، ميله إلى تغيير موضوعات أفلامه، والانتقال من الخيالي إلى البوليسي، ومن الأسطوري إلى الرومانسي، ومن التاريخي إلى السيرة الذاتية. لكنّ أسلوبه يتميز بالاهتمام الكبير بالصورة، بحركة الكاميرا، بالتكوين، كما أنه يهتم كثيرا بالأحلام والأفكار الجامحة، يهتم كثيرا بالعلاقة بين الإنسان والطبيعة، يبحث في الأساطير القديمة، محاولا العثور على “الكأس المقدس”.

بدأ بورمان إخراج الأفلام الروائية الطويلة عام 1965 أي في ذروة حركة “السينما الحرة” في بريطانيا، التي تميزت أفلامها بالأسلوب الواقعي وكانت متأثرة كثيرا بالواقعية الجديدة، وبرز فيها مخرجون من طراز ليندساي أندرسون وكاريل رايز وتوني ريتشاردسون، وكانت امتدادا لحركة الغضب في المسرح الإنكليزي. فقد صنع بورمان أفلاما تنتمي إلى سينما التسلية لكنها أبعد ما تكون عن “سينما التليفونات البيضاء” التي سادت في إيطاليا قبل ظهور الواقعية الجديدة.

البدايات الأولى

كان فيلم “امسكنا إن استطعت” الذي أخرجه بورمان عام 1965، وهو عنوان أغنية شهيرة من الستينات، عملا خارجا عن التيار الواقعي، فقد كان يبحث في العلاقة بين الوهم والحقيقة، مصورا ضياع الشباب وقتها بين العالمين. ولكنه أبرز بوضوح موهبة بورمان البصرية وموهبته في التعامل مع الصورة، والانتقال بين الأماكن وإضفاء معان رمزية عليها.

غير أن الفيلم التالي مباشرة لبورمان كان الفيلم الذي وضعه على خريطة السينما في العالم وهو فيلم “من مسافة قريبة” أو حسب عنوانه التجاري “بلا رحمة” (1967) الذي أخرجه بورمان في هوليوود، وقام ببطولته لي مارفن. هذا الفيلم وهو من نوع أفلام المطاردة البوليسية، أصبح الآن من كلاسيكيات سينما التشويق في العالم، كان يكشف تأثر بورمان الواضح، بأسلوب الموجة الجديدة الفرنسية فكان يتميز بأسلوب السرد المتعرج الذي يلعب على فكرة تغير الزمن وما يكشفه من الذاكرة، والعنف الذي يستدعي مزيدا من العنف، وعدمية بحث البطل عن المال الذي فقده أو لم يحصل عليه لقاء اشتراكه في السرقة، والانتقام ممن خانوه وخدعوه، فيما يظل يسعى متخطيا جثة تلو أخرى، وكأنه يبحث عن سراب في الصحراء.

بدأ بورمان إخراج الأفلام الروائية الطويلة عام 1965 أي في ذروة حركة "السينما الحرة" في بريطانيا، وكانت متأثرة كثيرا بالواقعية الجديدة، وبرز فيها مخرجون من طراز ليندساي أندرسون وكاريل رايز وتوني ريتشاردسون

فيلمه التالي “جحيم في المحيط الهادئ” (1968) الذي أخرجه في هوليوود أيضا، لم يحقق نجاحا مماثلا للفيلم السابق، رغم موضوعه المليء بالعنف والصراع الإنساني بين طيار أميركي وجندي ياباني، يواجهان بعضهما البعض في جزيرة معزولة في المحيط الهادئ خلال الحرب العالمية الثانية، وبعد الكثير من الرفض والنفور والصراع يتغلب الجانب الإنساني لديهما على غريزة البقاء بأيّ ثمن على حساب الآخر.

الخلاص

يستعصي فيلم “الخلاص” (1972) الذي أخرجه بورمان عن رواية جيمس ديكي، على التصنيف ضمن نظام الأنواع، فمن الممكن اعتباره أحد أفلام “الويسترن” حيث يتبادل الرجال القادمون من المدينة العصرية الأدوار مع المتوحشين سكان الجبال، فهم يحملون الأسهم والأقواس ويركبون قاربين بدائيين من تلك التي استخدمها مكتشفو أميركا الأوائل -كما يقول جون فويت- بينما يحمل سكان الجبال البنادق.

ويمكن اعتباره أيضا من أفلام الرعب أو الرحلة (الطريق)، أو التشويق المرتبط بالطبيعة (النهر) أو ما يعرف بـ”إيكو تريلر”، كما يمكن النظر إليه باعتباره أيضا فيلما سيكولوجيا يدور داخل دائرة الكوابيس والهواجس المستمدة من تفسير الأحلام عند فرويد، وإن كنت أراه فيلما وجوديا متأثرا كثيرا بالسينما الأوروبية، سينما البحث عن “الخلاص” ليس بالمعنى الديني، بل بالمعنى الفلسفي. نحن أمام أربعة رجال من سكان مدينة أطلنطا، يخوضون رحلة عبر نهر متوحش حيث يُغتصب أحدهم، ويفقد ثان حياته ويضطرون هم لقتل رجلين، ويفقد ثالث ساقه، ويكاد الرابع يفقد حياته.

إنها رحلة البحث عن خلاص من عالم الحضارة الحديثة لكنهم يكتشفون خلال رحلتهم في أعالي النهر الغاضب كيف أن تلك الحضارة نفسها هي التي أدت إلى تدمير البيئة والطبيعة بل وتسببت في الفيضانات التي أغرقت حوض النهر وجعلت المنطقة شبه مهجورة. يبدأ الفيلم بمشهد مرح، يفيض بموسيقى الريف الأميركية (باستخدام آلة الجيتار) ولكن رغم تجاوب الطفل المشوّه واشتراكه مع أحد الأبطال الأربعة في العزف، إلا أن رفضه الحديث وإشاحته بوجهه وملامحه الغريبة الميتة، توحي بما سيحدث خلال تلك التجربة التي يصبح فيها الخلاص أو النجاة أهم قواعد اللعبة كما يقول قائد المجموعة (بيرت رينلدز) لزملائه. إنها رحلة للمتعة لكنها تتحول تدريجيا الى رحلة كابوسية مرعبة، حيث يصبح الآخرون هم الجحيم، وتتحول الطبيعة رغم جمالها، إلى قوة جامحة كالقدر المحتوم. وبعد أن ينتهي الكابوس لا تعود الحياة قط إلى ما كانت عليه.

فيلم “الخلاص” أحد أجمل أفلام الإنسان والطبيعة في السينما الأميركية، ولا يضاهيه في رونقه وصوره المدهشة ومغزاه الفلسفي، سوى تحفة شون بن “في البرية” (2008)، هنا يبلغ تصوير فيلموس زيغموند أرقى مستوى، كما يتميز الفيلم بمونتاجه البصري الدقيق الذي يخلق إيقاعا متدفقا يوازي تدفق مياه النهر.

فيلم "الخلاص" رحلة كابوسية مرعبة

مغزى الأسطورة

ولع بورمان بالأسطورة والبحث عن سر النوع الإنساني وقدرته على البقاء، دفعه إلى إخراج ما يمكن أن نطلق عليها “ثلاثية الأساطير” وهي الأفلام الثلاثة التي أخرجها في الفترة من 1974 إلى 1985 “زاردوز”، “إكسكاليبور”، و”غابة الزمرد”. تدور أحداث “زاردوز” في أيرلندا عام 2293 داخل عالم “فورتكس” حيث يعيش أناس لا يموتون لكنهم يتقدمون في السن، وكلما حاولوا أن ينهوا حياتهم يقوم العقل الآلي الهائل الذي يدير البشر والحياة في “فورتكس” بإعادتهم إلى الحياة، ولكنه يعاقبهم عند ارتكابهم أيّ مخالفة بجعلهم أكثر تقدما في العمر لبضع سنوات. ولكن خارج عالم “فورتكس” الذي يعذب فيه الرجال بسبب تقدمهم في العمر دون الموت، يعيش أناس متخلفون ضمن نظام تشيع فيه العبودية ويسيطر الأقوياء على الضعفاء، لكن زعيمهم “زد” المتوحش (شون كونري) يكتشف القراءة ويقبل بنهم على التهام الكتب ليعرف سر العالم، فيتسلل داخل “فورتكس” باستخدام تمثال الإله “زاردوز” مرشد قبيلة الهمجيين إلى القتل، حيث يقع في قبضة أولئك المتقدمين علميا الذين أوقفوا الموت لكنهم عاجزون عن الإنجاب، يجرون عليه تجاربهم، يريدون استخدامه في تخصيب نسائهم، لكنه في سعيه للنجاة يصبح أداة لتغيير عالم هؤلاء إلى الأبد.

لم يكن “زاردوز” مجرد فيلم من أفلام الخيال العلمي، بل كان يطرح رؤية فلسفية تدور حول فكرة التحضر والتخلف، وهل يؤدي العلم إلى سعادة البشرية، وهل يمكن أن يتعلّم المرء أن يتعلم وينضج ويحقق التقدم العلمي دون أن يفقد روحه وقدراته البشرية. إن “زد” يصبح بفضل القراءة، أي المعرفة، أكثر تحضرا من أبناء جلدته القتلة، ومن سجناء الحياة داخل عالم “فورتكس”، وهو يتحول من الرغبة في الانتقام بالعنف، الى كائن سلمي يحيا بالحب.

وفي فيلمه التالي “إكسكاليبور” (1981) يعود بورمان إلى الأسطورة الشهيرة التي تدور حول الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة والساحر ميرلين الذي تربّى آرثر على يديه ليصبح ملكا على مملكة كاميلوت في بلاد الإنكليز، وكيف يحصل على السيف السحري (اكسكاليبور) ليقود جيشه ويوحد البلاد.

أسلوب بورمان يتميز بالاهتمام الكبير بالصورة، بحركة الكاميرا، بالتكوين، كما أنه يهتم كثيرا بالأحلام والأفكار الجامحة، يهتم كثيرا بالعلاقة بين الإنسان والطبيعة، يبحث في الأساطير القديمة، محاولا العثور على “الكأس المقدس”
لكن فيلم بورمان الذي يمتلئ بالألغاز والشخصيات والمعارك والسيوف، لا ينجح في الوصول إلى الجمهور بسبب إغراقه في تغريب الشخصيات، والمزج بين الأسطورة السحرية التاريخية وبين الفكر الديني، والمواعظ الأخلاقية حول التوحد بين الحقيقة والأرض. وعلى حين كان “الخلاص” عن الإنسان ضد الطبيعة، جاء “إكسكاليبور” عن الإنسان ضد الإنسان.

أما “غابة الزمرد” (1985) فقد تناول فيه قصة حقيقية عن ذلك المهندس الفنزويلي الذي فقد ابنه البالغ سبع سنوات، عام 1972، وبعد بحث شاق في الغابات استغرق عشر سنوات عثر عليه أخيرا ولكنه وجده قد أصبح منسجما تماما في العيش مع إحدى القبائل التي تسكن غابات الأمازون فتركه هناك.

ترتبط الفكرة أيضا بالطبيعة، باعتداء الإنسان على البيئة كما عبر عنها بورمان من قبل في “الخلاص”، فالهنود الحمر الذين أصبح الابن ينتمي إليهم، يرفضون المدن التي يطلقون عليها “الموتى”، ويعتبرونها أماكن للتلوث والمولدات الكهربائية الضخمة التي تسببت في موت الزراعة والخضرة والطبيعة وقضت على مساحات واسعة من الأراضي الخضراء وجعلت بالتالي حياة سكان هذه المناطق الشاسعة مستحيلة.

سينما الاعترافات

في 1987 عاد بورمان إلى لندن لكي يخرج أكثر أفلامه “ذاتية” وأحد التحف السينمائية المرموقة في السينما البريطانية المعاصرة، وهو فيلم “أمل ومجد” وفيه يعود لتأمل السمات الخاصة المميزة لعلاقة الفنان بمحيطه، بالبيئة التي نشأ فيها وخبرها جيدا، بالشخصيات التي تركت تأثيرها الأكبر عليه في مرحلة الطفولة والمراهقة. وتقوم دراما الفيلم على قصة محكمة نتابعها من البداية إلى الذروة إلى حين انفراج “الأزمة” أو حتى النهاية المنطقية للأحدث، لكنها أقرب إلى “الدراما العائلية” البسيطة المتحررة التي تعتمد على رصد الكثير من التفاصيل والملاحظات الدقيقة، التي سجّلها الفنان في ذاكرته، مرّت عليها عيناه، وحفرت في عقله، خلال فترة طفولته التي حدث أنها شهدت أيضا انهيار مفاهيم عصر بأكمله، مع تداعي الأطر القديمة، الثقافية والفكرية، التي كانت قائمة، بعد نشوب الحرب العالمية الثانية مباشرة.

يتميز الفيلم بتصويره المكثف والأخّاذ، لقدرة البسطاء على العيش، والاستمرار في الحياة، والقدرة على الاستمتاع بها أيضا، رغم كل ما يتعرّضون له من تهديد مستمر بالموت. إنه احتفال بالحياة وتجسيد الانتصار لها على الموت.
لي مارفن في فيلم "بوينت بلانك" الذي وضع بورمان على طريق المجد

ولا شك أن تعليق جون بورمان بصوته داخل الفيلم كراوية للأحداث ورابط بينها، يكسب الفيلم المصداقية حينما يجعل منه شاهدا دقيقا على الفترة، كما يمتلك الشجاعة لكي يروي في جرأة “اعترافات” ذاتية عن كل ما كان يدور داخل عائلته من صراعات ويشير إلى تلك المغامرات الصغيرة، بما فيها من سقطات وكذلك من صمود وحب وجدال مفعم بالحيوية والحياة.

الملكة والوطن

وإذا كان “أمل ومجد” يؤرّخ بطريقته البسيطة التي تعتمد على تدفق الذكريات في سياق سينمائي لا يلتزم بالحبكة التقليدية في رواية موضوعه الذي يدور حول بدايات انهيار الامبراطورية البريطانية وزوال عصر كامل وهو ما كانت المعلمة تصر على ترسيخه داخل عقول التلاميذ الصغار، فقد عاد بورمان أخيرا ليفاجئ عشاق أفلامه بفيلم جديد هو “الملكة والوطن” (2014) الذي يدور حول نهاية الإمبراطورية نفسها، وتفسخها وتحللها من خلال تصوير ما يدور داخل “المؤسسة العسكرية” أي الجيش البريطاني من مساخر تصل حد المهازل، باعتبار أن الجيش هو أكثر المؤسسات رسوخا والتزاما بالتقاليد الصارمة.

يبدأ الفيلم من حيث انتهى الفيلم السابق، فنشاهد “بيل” وهو يرى كيف تحوّل مبنى مدرسته إلى أطلال بعد أن قصفته الطائرات الألمانية وتكون عبارة “شكرا يا هتلر” التي يرددها بسعادة، أبلغ تعبير عن عبثية الواقع كما كان يراه في ذلك الوقت. وعلى الفور نقفز تسع سنوات إلى الأمام، بعد أن يكبر “بيل روان” ويصبح في الثامنة عشرة من عمره، ويلتحق بالجيش لأداء الخدمة العسكري. وداخل الجيش يتعرف بشاب في مثل عمره، وسرعان ما يرتبطان بصداقة ويشتركان معا في عدد من المقالب الجريئة الموجهة خصوصا للسخرية من ذلك الضابط المتجهم الفظ الذي يرمز للإمبراطورية الغاربة، والسخرية منه ومن تزمته.

ومثل الفيلم السابق، لا يقوم البناء على قصة محكمة الأطراف، بل يعتمد على مواقف متفرقة، والمفارقات، والسخرية من العسكرية البريطانية، لكنه يشير أيضا إلى نهاية الفترة الرومانسية في حياة بطله مع انتقال المجتمع البريطاني نفسه إلى مرحلة جديدة لعلها مرحلة التطلع إلى الوراء في غضب!

ناقد سينمائي من مصر

16