جون بولتون.. ماذا سيفعل البيت الأبيض بصقوره؟

مستشار الأمن القومي الذي عينه الرئيس الأميركي دونالد ترامب لعب دورا أساسيا في تسييس الاستخبارات التي ضللت الأميركيين حول العراق.
الخميس 2018/04/05
جون بولتون ورقة جورج بوش الابن التي يعيد ترامب اللعب بها من جديد

بينما يطلق الرئيس الأميركي دونالد ترامب التصريحات المتكررة حول ضرورة الانسحاب من الشرق الأوسط وسحب قواته من سوريا، يقوم بتعيين المزيد من الصقور في إدارته من الذين لديهم مواقف قديمة حادة وحازمة تجاه إيران التي إن انسحب ترامب فهو سيترك لها الساحة خالية من أجل المزيد من التوسع وبسط النفوذ ليس فقط في العواصم الأربع التي تباهى بالهيمنة عليها، ولكن على المزيد من الدول العربية، وهو الأمر الذي أثار على ما يبدو حفيظة السعوديين، ما دعا ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الذي يقوم بزيارة إلى أميركا هذه الأيام، إلى الإعلان بنفسه والقول بالحرف الواحد "القوات يجب أن تبقى في سوريا".

وتقول التقارير إنه وفي الوقت الذي أظهر فيه مايك بومبيو وجون بولتون أنهما يستطيعان التواصل مع ترامب، فإن أيا منهما لم يبد أي قدرة في أي وقت على التعامل مع أزمة واحدة، ناهيك عن وقف تراجع قيادة الولايات المتحدة في العالم. لذلك سيكون الاجتماع المتوقع بين ترامب والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون أول اختبار لهما.

ولا يزال ما جرى في اجتماع ترامب مع قيادته الأمنية قبل يومين، غامضا وعصيا على التفسير، فقد كان ترامب أعلن أنه سيصدر قرارا بسحب قواته العاملة في سوريا و“ترك الأطراف هناك تتدبر أمرها” حسب تعبيره، لكن البنتاغون والخارجية الأميركية سارعا إلى الإعلان عن ضرورة الإبقاء، ليس فقط على القوات الأميركية الحالية، بل زيادة عددها بالسرعة الممكنة، وخرج عضو لجنة الدفاع في الكونغرس السيناتور ليندسي غراهام ليقول إن أي انسحاب أميركي من الشرق الأوسط الآن سيعيد إحياء داعش مجددا.

لم يكترث ترامب كثيرا لتلك التحذيرات، كما اعتاد أن يتصرف حين ينوي اتخاذ قرار منفرد. فقط اكتفى بالإعلان أنه سيتخذ قرارا حول تلك القوات قريبا، مع إشارة إلى أن السعودية إن رغبت ببقاء القوات الأميركية فعليها أن تدفع.

بولتون وفكره ينسجمان مع توجه موجود لدى تيارات فاعلة داخل الولايات المتحدة، فقد كتبت الوول ستريت جورنال أواسط شهر مارس الماضي إن تعيين بولتون يحيي تقاليد شخصيات مثل جين كيركباتريك ودانيال موينهان، اللذين كانا من الشخصيات التي عكست مواقف إدارة ريغان المتشددة في الأمم المتحدة. وهي المواقف التي دفعت واشنطن إلى الانسحاب من منظمة اليونسكو والامتناع عن دفع ديونها للمنظمة الدولية

لا يختلف هذا المنطق الترامبي عن منطق الزمن الذي استعان به الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الابن بجون بولتون ليكون ممثلا للولايات المتحدة في الأمم المتحدة ومجلس الأمن، رأس حربة لذلك المشروع الذي رأى العالم مآلاته حينها في العراق وفي أفغانستان وفي أماكن أخرى من العالم. وربما لا يزال العالم يدفع ثمن تلك الإدارة المحافظة المتطرفة.

لكن ترامب يبقى مختلفا بطبيعة الحال. فبعد أن استبدل وزير خارجيته ريكس تيلرسون بمدير وكالة الاستخبارات المركزية السابق مايك بومبيو، قام بالدفع ببولتون ليكون مستشار الأمن القومي بديلا لماكماستر.

كثيرون ينظرون إلى أن هذه الإجراءات إعلان حرب من قبل ترامب ضد إيران وكوريا، لكن ترامب يبقى مختلفا مرة أخرى.

تورط بولتون في قضايا العرب

أخطر ما يرد في تحليلات كبار الخبراء في الشأن الأميركي قولهم إن حلفاء الولايات المتحدة باتوا اليوم أكثر اقتناعا بأنه لم يعد بإمكانهم الاعتماد عليها، خاصة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، ومن خلفها الأوروبيون.

لكن ماذا تعني كل هذه الرسائل المتضاربة التي يرسلها ترامب بشكل شبه يومي، تارة عبر مواقفه وتغريداته، وتارة أخرى عبر قراراته وتعييناته ومن بينها تعيين بولتون في موقعه الجديد؟   بولتون الذي يعد أحد رموز التشدد في الحياة السياسية الأميركية، يقولون عنه إنه “ناضل” من أجل غزو العراق، وأنهك نفسه بالدعوة إلى ضرب إيران، حتى أن الصحف البريطانية كتبت عنه ذات يوم بأنه “وقح ومستفز ومنفلت”.

من عالم المحاماة انتقل بولتون إلى عالم البحث الاستراتيجي في معاهد واشنطن، قبل أن يصبح مساعدا لوزير الخارجية الأسبق جيمس بيكر، وهو وقت مبكر جدا، يمكن أن ندرك من خلاله مدى انغماس بولتون في قضايا العالم العربي، ليس فقط في الشرق بل في الغرب أيضا حين أرسله الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة كوفي عنان مبعوثا خاصا إلى الصحراء الغربية.

أخطر ما تقوله تحليلات كبار خبراء الشأن الأميركي أن حلفاء واشنطن باتوا أكثر اقتناعا بأنه لم يعد بإمكانهم الاعتماد عليها، وعلى رأس هؤلاء الأوروبيون. ومجيء بولتون ربما لن يعني تغييراً كبيراً في هذه القناعة.
أخطر ما تقوله تحليلات كبار خبراء الشأن الأميركي أن حلفاء واشنطن باتوا أكثر اقتناعا بأنه لم يعد بإمكانهم الاعتماد عليها، وعلى رأس هؤلاء الأوروبيون. ومجيء بولتون ربما لن يعني تغييراً كبيراً في هذه القناعة.

كانت منصة بولتون الاستراتيجية عهد الرئيسين جورج بوش الأب وجورج بوش الابن. ففيهما تولى العديد من المهام سواء في العدل أو الدبلوماسية أو في شؤون الأمن الدولي والحد من سباق التسلح العالمي. وفيهما تمرّس في الخط الذي صقل اتجاهه السياسي ورؤيته.

صحيح أنه يبقى ظلا لكوندوليزا رايس التي اعتادت معه على أن توجه الأمور عن بعد، لكنه الآن في موقع شغلته هي شخصيا من قبل. وجاءته الفرصة ليقدم رؤيته، بعد أن قالت عنه رايس إنها هي وبوش “طلبا من بولتون قبول هذا المنصب لأنه دبلوماسي محنك يتسم بالصرامة ويعرف كيف ينجز الأمور التي يكلف بها”.

حينها واجه الكونغرس بولتون بالرفض، فجمد تعيينه بسبب اتهامه بالتورط في التلاعب بمعلومات استخبارية وبترهيب محللين بالمخابرات من أجل دعم تصوراته حول برامج التسلح، لكن بوش أصر على تعيينه متجاهلا موقف الكونغرس ومستغلا فترة الإجازة.

الأمر ذاته فعله ترامب، بشكل ما، فقد واجه قراره تعيين بولتون مستشارا للأمن القومي ردود فعل غاضبة، على حد تعبير صحيفة الإندبندنت البريطانية، التي قالت إن الديمقراطيين وعددا من الجمهوريين غاضبون من اختيار ترامب لبولتون الذي وصفوه بأنه “متطرف خطر، وصاحب سجل يهدد تحالفات أميركا الرئيسية حول العالم”. ومما نشرته الصحيفة تصريحات للسيناتور

الديمقراطي إدوارد ماركي يقول فيها إن بولتون لعب دورا أساسيا في تسييس الاستخبارات التي ضللت الأميركيين حول العراق ويضيف “لا يمكننا ترك هذا الصقر يورطنا في حرب أخرى”.

لم يكن بولتون بطلا من أبطال الحرب على العراق وحسب، بل إنه حسب وصف الواشنطن بوست “متعصب ومتشدد ومتوحش أرهب محللي المخابرات ودفعهم إلى تلفيق أدلة على أن كوبا تطور برنامجا لحرب بيولوجية”.

نموذج الفصام الأميركي

لعل الحرب على العراق وبعدها ما حدث في سوريا ومناطق أخرى من العالم، كفيلان بتسليط الضوء أكثر على التناقض الأميركي ما بين عالم القيم وعالم المصالح. فتصدير الديمقراطية الأميركية حيلة لم تعد تنطلي على أحد.

ملفان أساسيان يرى المراقبون أن ترامب جلب بولتون من أجلهما؛ كوريا الشمالية وإيران. ولذلك يستعيدون تصريحات بولتون التي قالها أيام مفاوضات السداسية مع كوريا الشمالية حين وصف نظامها بأنه "كابوس شيطاني" وأن زعيمها "دكتاتور مستبد"، حينها ردت عليه كوريا الشمالية ووصفته بأنه "نفاية بشرية ومحب للدماء"، الأمر الذي تسبب في استبعاده عن المفاوضات

تقول مجلة الفورين بوليسي إن بولتون ورغم ولعه بالتدخل الخارجي، إلا أنه ليس متحمسا كثيرا لنشر القيم الأميركية، كالديمقراطية وحقوق الإنسان، وهذا ما يتقاطع به مع ترامب الذي يرفض المعاهدات الدولية ويعبر عن “احتقاره للأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي”.

قال بولتون ذات مرة “لا توجد أمم متحدة. هناك مجتمع دولي يمكن قيادته من وقت لآخر بالقوة الوحيدة الحقيقية المتبقية في العالم، وهي الولايات المتحدة، وذلك كلما تناسب هذا الدور مع المصالح الأميركية وكلما استطعنا جعل الآخرين يسيرون معنا”.

ينسجم هذا مع توجه حقيقي موجود لدى تيارات فاعلة داخل الولايات المتحدة، فقد كتبت الوول ستريت جورنال أواسط شهر مارس الماضي إن تعيين بولتون يحيي تقاليد شخصيات مثل جين كيركباتريك ودانيال موينهان، اللذين كانا من الشخصيات التي عكست مواقف إدارة ريغان المتشددة في الأمم المتحدة. وهي المواقف التي دفعت واشنطن إلى الانسحاب من منظمة اليونسكو والامتناع عن دفع ديونها للمنظمة الدولية.

هذه رؤية حقيقية وليست مجرد تغريدات. الغريب أن من يطلقها كان موظفا من موظفي الأمم المتحدة ذاتها، التي يقول عن إصلاحها “لو كُلفت بإعادة هيكلة مجلس الأمن الدولي لخفضت عدد الدول دائمة العضوية إلى واحدة فقط، وهي أميركا، لأن ذلك هو التعبير الحقيقي عن ميزان القوة في العالم”.

صائد الكلاب والدولة العميقة

بولتون يأتي من منطقة التخطيط الاستراتيجي في ما يتعلق بالشرق الأوسط، فقد عمل مساعدا لجيمس بيكر، وسفيرا لواشنطن في الأمم المتحدة، فرضه بوش على الكونغرس فرضاً، وهو وقت مبكر جدا، يمكن أن ندرك من خلاله مدى انغماسه في قضايا العالم العربي.
بولتون يأتي من منطقة التخطيط الاستراتيجي في ما يتعلق بالشرق الأوسط، فقد عمل مساعدا لجيمس بيكر، وسفيرا لواشنطن في الأمم المتحدة، فرضه بوش على الكونغرس فرضاً، وهو وقت مبكر جدا، يمكن أن ندرك من خلاله مدى انغماسه في قضايا العالم العربي.

 نائب رئيس فريق معهد كاتو للأبحاث الأميركي  كريستوفر بريبل يقول عن بولتون “أعتقد أنني سأكون مرتاحا لو كان بولتون صائد كلاب ببلدة ستون ماونتن بولاية جورجيا”.

لكن صائد الكلاب هذا، كان خيارا في وقت غير عادي بالنسبة لترامب، الذي يريد على ما يبدو المزيد من خلط الأوراق، ليس لتقديم انسجام معين في إدارته، بل لكسب الوقت ربما.

ففي الوقت الذي انسحبت فيه واشنطن من الشراكة عبر المحيط الهادئ وشراكة التجارة والاستثمار العابرة للمحيط الأطلسي، وهما مبادرتان من شأنهما أن تساعدا على تعزيز القيادة العالمية للولايات المتحدة، اعتبر ترامب أن هاتين الاتفاقيتين جزء من المؤامرات التي تحيكها بعض الدول الصغيرة ضد الولايات المتحدة.

وها هو يجلب بولتون الذي يسمونه في واشنطن “العدو الرئيسي للوكالات الحكومية غير التقليدية” لينصبه على رأس مكتب الأمن القومي في إدارته.

ملفان أساسيان يرى المراقبون أن ترامب جلب بولتون من أجلهما، كوريا الشمالية وإيران. ولذلك يستعيدون تصريحات بولتون التي قالها أيام مفاوضات السداسية مع كوريا الشمالية حين وصف نظامها بأنه “كابوس شيطاني” وأن زعيمها “دكتاتور مستبد”، حينها ردت عليه كوريا الشمالية ووصفته بأنه “نفاية بشرية ومحب للدماء”، الأمر الذي تسبب باستبعاده عن المفاوضات.

أما عن إيران فقد كشف أرشيف بولتون عن تصريحات خص بها صحيفة "معاريف" الإسرائيلية بأنه بعد هزيمة العراق في العام 2003، فإن الولايات المتحدة يجب أن تتعامل بنفس الطريقة مع سوريا وإيران وكوريا الشمالية.

لكن في الواقع يبدو أن هدف بولتون الأول هو إيران وليس كوريا الشمالية، ويقال إن ترامب جاء ببولتون لأنه يستعد في مايو المقبل لإعلان انسحابه من الاتفاق النووي مع إيران ورفع مستوى العقوبات الاقتصادية. وطهران سترد بالطبع، وستكون سوريا هي المسرح العملياتي لهذا الصراع، ما سيتسبب بتفجر الأوضاع أكثر وأكثر فيها.

وأخيرا، ربما لا يتصرف الرئيس الأميركي حسبما سيوسوس له بولتون، لكن تبدو إدارة ترامب أقرب ما تكون إلى مجمع إداري للخبرات المتنوعة التي تأتي ولا تلبث أن تغادر لتحل محلها غيرها بسرعة، وهكذا، الأمر الذي يجعل من ترامب الرئيس الأميركي الأكثر قدرة على التعاطي مع السياسات، وليس كما كان يتوقع منه من أنه منعدم الخبرة سياسيا. صحيح أنه لم يمارس السياسة لكنه يوظف عقول كبار السياسيين مثله مثل أي رجل أعمال ذكي وواسع الحيلة والدهاء.

12