جون دورميسون.. الكاتب الذي جعله ميتران نجما سينمائيا

الأحد 2013/09/08
"نكهات القصر" أطباق سياسية حارة لا تؤكل إلاّ باردة

قبل عام، في مشهد من فيلم "نكهات القصر" للمخرج كريستيان فانسون، حيث كان يِؤدي دور الرئيس الفرنسي "فرانسوا ميتران" قُبيل غروب شمسه، كان جون دورميسون ينزل إلى أعماق قصر "الإليزيه" ليرجو طباخته الشخصية أن تعد له "تورتة" بالكمأة. لم يكن يحس بالجوع، كان فقط يريد أن يستنشق، لآخر مرة، عطور غابات طفولته.

عن سيرته السينمائية، يقول الكاتب الصحفي جيروم كارسان، إنه بعد قضاء حياته كممثل فاشل، انتهى الأمر بـ"جون دورميسون" بالحصول على أول دور سينمائي وهو في 87 من عمره.

في "نكهات القصر" (19 سبتمبر/ أيلول 2012)، وهو شريط نَهِم ولامع حول العزلة التي يعيشها صاحب السلطة، يؤدي كاتب "مجد الإمبراطورية" (la Gloire de l'empire) دور أكبر الرؤساء الملكيين للجمهورية الفرنسية، "فرانسوا ميتران".


وجيز وقوي


وجيزة هي اللقطات التي يظهر بها في الفيلم، لكنها قوية. نُحسّ أن الأكاديمي لم يجبر شخصيته الطبيعية، ليعبر أمام الكاميرا، عن فكرة ما، حول فرنسا، حول الأبدية وحول الذات. في الصورة، يبدو وكأن قصر الإليزيه يشكل امتدادا طبيعيا لقصر "سان فارجو"، حيث كانت نشأته.

يعيد الفيلم أحداث القصة الحقيقية لـدانييل ديلبوش (تؤدي دورها، الرائعة كاثرين فور)، فتاة منطقة بيري كور بالجنوب الشرقي لفرنسا، والتي كانت من 1988 إلى 1990، الطباخة الخاصة لرئيس الدولة، بـ55 زنقة الضاحية "سان- أونوريه". كانت تقتضي مسؤوليتها تحضير أكلات تقليدية أصيلة وعائلية، تجعله يهرب من الوجبات الرسمية.

في مشهد مؤثر، ينزل الرئيس الأدراج حتى أفران المطبخ، ليتقاسم مع طباخته، ليس فقط "تورتة الكمأة"، ولكن أيضا ملء المقلاة من الخيبة وزوال الوهم: لقد كانا كليهما، لا يشعران أنهما محبوبان.

سيبقى هو وتذهب هي. تتجلى لمسة الإبداع لدى المخرج كريستيان فانسون، في كونه لم يختر توأما يشبه "ميتران"، بل على العكس تماما، اختار نقيضه بالضبط. إن كان المدير السابق لصحيفة "لوفيغارو" قد أتقن دور الملك الاشتراكي، فلأن الأول يعبّر بمنتهى الدقة عن كل ما كان يخفيه الثاني: الطموح الذي يحدوه ككاتب، الشعور بقيم اليمين، الحنين لفرنسا العميقة، حب الأرض التي لا تكذب، الكمأة التي تبوح بالحقيقة، والخوف والهلع من الزمن الحديث. لا تغرنكم المظاهر: قائمة الشريط مفعمة بأشهى الوجبات، لكن الطبق الرئيسي جدّ سياسي، إنه يؤكل باردا.


وصية دورميسون

قائمة الشريط مفعمة بأشهى الوجبات، لكن الطبق الرئيسي جد سياسي إنه يؤكل باردا.


كتب الممثل الذي كان أحد الأيام، الكاتب ذا الثماني والثمانين سنة، متن همّ لماضيه. في الكتاب ذي العنوان المنم عن وصية، الذي أصدره في أغسطس: "سأرحل يوما ولم أقل كل شيء" (منشورات روبير لافون)، وكأنه يسابق زمن "حياة توشك أن تنتهي" والخوف من افتقاره للكلمات، يسارع جون دورميسون باستحضار ذكريات الصيفيات العطرة بقصر "سان فارجو"، وفي "الضجيج الحاد للمجرفة التي يكشط بها مساعد البستاني حصى الساحة".

يغمض عينيه ليرى جديه وهما يكافحان، تحت الدوحة، على خطى الزمن، ثم يتسلق دراجته ويتوجه إلى مزرعة عائلية، وهو يستظهر تعويذات ويوجه المقود، ليقوم بزيارة اليتيم البوذي الذي جاءت به عمته من "بوتان". لم يكن ليتقبل فكرة أن المحمول أصبح يعوّض المُسَبحة، وأن "الفايسبوك" صار يؤمن التواصل، وأن اللغات تموت. إنه يبوح بعشقه للنساء، للخمول، لإيطاليا واللذة، التي يشبهها بـ"شاب يلتف رأسه".

إنه يتأسف لعدم كونه قديسا. يشك أن عمله سيعيش من بعده، و الروح من بعد الجسد. إنه يؤمن بالله ولكنه لا يؤمن بالبعث. يكتب "إن الذين نحبهم يتركوننا.. سنترك الذين يحبوننا". لكنه لا يجعل منها مأساة، بل يكاد يبتسم ـ كانت زوجته تردد له "إنهم يحبونك لخفة دمك"، لقد ألهمته سخريته تلك كتابا يضاهي أسلوبه أناقة توديعات "موزار". كان من الممكن أن يسميه "إلى اللقاء وشكرا"، لكنه كان قد اختار العنوان مسبقا.

15